شعار قسم مدونات

عندما قابلتهن في الصحراء!

مدونات - رجل يمشي في صحراء
الكاتب: رقّت الفتيات لحالته ووحدته وقلة زاده وسط ذلك البحر الشاسع المقفر (مواقع التواصل الاجتماعي)

واصل مسيرته في الصحراء على تربتها الرملية القاحلة، لم يجد صعوبة في التغلب على قسوة الصحراء بقدر ما وجد صعوبة في التغلب على اليأس الذي اجتاحه لدى تذمره من طول الطريق وقلة الزاد.

وبينما هو غارق في مشاعر الإحباط وضيق الأفق، مرت بجانبه الأيمن عربة فارهة تقلّ 4 فتيات حسناوات. رقّت الفتيات لحالته ووحدته وقلة زاده وسط ذلك البحر الشاسع المقفر، فأوقفت السائقة العربة بجانب ابن السبيل، وعرضت عليه هي وصديقاتها الثلاث أن يركب معهن، لكن الرجل رفض.

  • ألا تخشى من سباع هذه الفيافي، ومن أفاعيها وعقاربها؟
  • بعد مخافة الله سبحانه وتعالى، لا أخاف إلا من شيئين اثنين: الأول هو نفسي التي توقعني في المهالك عندما أنقاد لهواها، وتقذفني في الورطات عندما أستسلم لشهواتها. والثاني هم إخواني من بني البشر الذين يستطيعون أن يأكلوا من لحمي ما تعافه ليوث الغاب، ويمكرون بي مع إظهار المودة والعطف، بخلاف الأفاعي التي تلسع دون خجل والعقارب التي تلدغ دون مواربة. وحوش البراري لا خوف منها، وهذه الأرض البلقع التي تعبرنها هي آنس بكثير من صحبة أكثر بني آدم.
  • نراك تحمّل نفسك فوق ما تطيق، وتتكبد عناء لا طائل منه، وتتكلف مشقة لا ضرورة لها. اركب معنا، وكن على يقين أننا لو لم يسؤنا ما ساءك من الناس لما لجأنا إلى الصحراء، مع أننا آثرنا الركوب على المشي، وذلك لأننا إناث، وأنت تعرف أن "ليس الذكر كالأنثى".
  • إنني لكنّ من الشاكرين على هذه اللفتة اللطيفة وعلى هذا الموقف النبيل، ولكنني لا أستطيع إلا أن أمضي في سبيلي فردا راجلا. أم إنكن نسيتن أن الرجولة والترجل مشتقان من جذر واحد، وما يشتق شيئان من شيء واحد إلا كانت العلاقة بينهما أوضح من أن تحتاج إلى برهان أو شرح.
  • إذن، أنت لا تسير لأنك تبتغي الوصول إلى هدف ما. أنت تسير لأن المسير هو هدفك، ولأنك تجد نفسك في المسير.
  • عندما كنت حدثا طائشا، كنت أظن أن الوصول هو الغاية، وأن الإقامة هي المطلب. الآن أدرك أن لا غاية إلا في المسير، وأن لا مطلب إلا في الظعن، وأن المواقف التي بها تتجوهر مروءة الرجل هي تلك التي تكون في خضم المسير والظعن، وأن المواقف التي تكون في السكون والإقامة هي مواقف لا يعوّل عليها، ولا يرجى من صاحبها خير.
  • إذن، أنت تدعو إلى المسير والحركة وتنهى عن السكون والتوقف.
  • عندما يميل الرجل إلى السكون والدعة تكون مروءته قد انتهت ورجولته قد أفلست، لا بد للرجل من حركة لا تهدأ ومسير لا يفتر، وإلا أضحى شأنه كشأن ربات الخدور. وإنني أفهم تماما لجوءكن إلى القفار بعد أن عظم لديكن ما رأيتنّ من ارتكاس في الرجولة ومن انحطاط في المروءة في الحواضر والمدن. وما جاء بي إلى هنا إلا ما جاء بكن، ولكنني أربأ بنفسي أن أكون راكبا، لأن الرجل لا يتعلم الرجولة ويحفظها إلا عندما يكون راجلا. وكلما ركب تنازل عن شيء من رجولته، وكلما أخذ بأسباب الرفاهية والتنعم تشبّه بالنساء مضمونا وحتى شكلا، وهل الركوب إلا وسيلة من وسائل الرفاهية؟

كأن الفضيلة والمروءة لا تظهران حق الظهور إلا بالتوحد والترجل!

  • لكننا نرى أنك متطرف جدا في رأيك. وهل نسيت أن الفروسية هي مضرب المثل في المروءة والرجولة؟ وهل طويت الأرض إلا على ظهور الجمال والخيل والبغال والحمير؟ هذا بالطبع قبل أن يتوصل الإنسان إلى اختراع العربات التي شاع استعمالها في هذه الأيام، والتي أحالت الدواب إلى التقاعد، وحصرت استعمالها في الرياضة والترفيه. وهل نسيت أننا في زمن تطوى فيه الأرض بالطائرات وينفذ من أقطارها بالمركبات الفضائية وبالصواريخ؟ وأن كوكبنا قد تحول برمته إلى قرية كونية بفضل معجزة الأقمار الاصطناعية والحواسيب والهواتف الذكية؟
  • أوافقكن على كل ما تقلنه، ولكننا في عصر قد جعل من كل الأدوات والوسائل غايات يسعى إليها، ونسينا الغايات الحقيقية والحقائق الجوهرية. فرأيت أن أتحرر من كل شيء، إلا مما يستر جسدي ويسد رمقي، لعلني أجد هنا في هذه القفار ما لا أمل في العثور عليه في الحواضر والمدن، التي سيطر عليها تلوث العقول والنفوس قبل تلوث المياه والأجواء والتربة.
  • لكن لو اقتدى بك كل الناس لأضحى العمران خرابا يبابا، ولتاه الناس في البراري والغابات.
  • نقطة مطهر تستطيع أن تطهر خزان مياه بأكمله، وتجعلها صالحة للشرب. والقلة التي نمثلها أنا وقرنائي من الراجلين السائرين، هذه القلة هي نقطة المطهر الذي يحتاجه هذا الخزان العملاق الذي يدعونه "مجتمع".
  • نفهم من كلامك أن اعتزالك هو اعتزال مؤقت، وأنك تنوي العودة إلى المدينة.
  • لم أقصد الصحراء ناويا العودة إلى المدينة، ولم ألجأ إليها بحثا عن شيء معين. ولّيت وجهي شطر الفلوات بحثا عن نفسي، ونفس المرء رجولته، وعندما يجد المرء نفسه لا يهم أن يكون في الغابة أو في المدينة، ولا في الشرق أو في الغرب.
  • إذن، لا مانع لديك من العودة إلى المدينة؟
  • العودة لا يمكن أن تكون استجابة لبشر أو لحاجة، العودة الحقيقية هي تلك التي تكون عندما يستجيب المرء للنداء الباطني الصادح في أعماقه.
  • نتمنى لك حظا سعيدا!
  • أشكركن أيتها الجميلات الرقيقات، تابعن المسير، لكن تذكّرن شيئا واحدا: كما أن القعود والسكون لا يليقان برجل، كذلك المسير لا يليق بالجنس اللطيف، وإن كان لا بد لربّات الحجال من مسير، فلا يليق إلا أن يكون ركوبا، فالمشي لم يخلق لهن. وإنني أتفهم لجوءكن إلى قحط الصحراء ووحشتها، فرارا من قحط أصاب الرجولة في الحواضر والمدن، فصار الأنس والاجتماع أكثر وحشة من البراري والغابات.

إن الأنبياء والرسل لم ينهوا عن الركوب، بل هم أنفسهم قد ركبوا ظهور الدواب عندما دعتهم الحاجة. لكن الأنبياء والرسل عندما استجابوا لنداء الحق الأول لم يكونوا راكبين، وإنما سيرا على الأقدام، ولم يصطحبوا معهم أحدا، وإنما كان كل واحد منهم بمفرده، ولم يلجؤوا إلى المدن المنيفة والقصور العامرة، وإنما ألهموا اللجوء إلى الأراضي المقفرة كالصحارى والجبال والكهوف، كأن الفضيلة والمروءة لا تظهران حق الظهور إلا بالتوحد والترجل. وبعد التوحد والترجل لا يضير المرء أن يقود الجموع أو أن يذوب فيها، ولا يضيره أن يركب السيارات والطائرات وحتى المركبات الفضائية. أما أن يأتي الركوب قبل الترجل، والنزعة الاجتماعية قبل التوحد، فتلك هي المصيبة التي ربما تفسر انحطاط البشرية في هذه الأيام، على الرغم من تقدمها المذهل والباهر في شتى فنون وعلوم الركوب والعمران.