شعار قسم مدونات

كلما تقدّمنا ازداد الفقراء ألما.. لماذا؟

الملابس المستعملة محط اهتمام الفقراء والأغنياء بسوق سور برلين. الجزيرة نت
مارك شيسكين: يفضل الناس التفاوت الاجتماعي تحت مظلة سياسات عادلة على المساواة تحت مظلة سياسات جائرة (الجزيرة)

يمثل استحواذ نحو 1% من سكان العالم -اليوم- على نصف الثروات، كما جاء في إحدى الدراسات، تحديا كبيرا واهتماما غير مسبوق للمصلحين الاجتماعيين ودعاة الإنسانية والعدالة، وخاصة أولئك المتحمسين الذين يتبنّون الحلول العلمية المادية ملاذا آمنا وأخيرا، ويركنون إليها في عالم التقدم العلمي المتواثب، رغم غياب العدالة وعدم تكافؤ الفرص اللذين يعزوهما بعض المهتمين بالأمر إلى العلاقة التي يرونها وثيقة الصلة بين الفقر والظلم.

  • ويتساءل كثيرون في خيفة وتوجس: إلى أين تتجه الأمور في ظل تطورات ومتغيرات الأحداث المتسارعة بين ظهرانينا؟
  • ومن يكبح جماح الفورات والتوجهات الجائرة، والجانحة عن مسارها غير الإنساني؟

ويجزم خبراء ومراقبون محايدون ذوو اطلاع واسع بأن أحداث العداء والاستعداء الجريئة في أيامنا هذه تسير على غير هدى، بحيث يستحيل التحكم فيها في المستقبل، وبذا تُنبئ بشر مستطير، وستؤدي حتما إلى تفاقم حجم التفاوت الأمني؛ الاجتماعي والاقتصادي الهائل، وفقا لغياب الالتزام الأخلاقي الذي يسود المعمورة، رغم كثرة الصيحات العاقلة والراشدة، ولكن من يعي ويصيخ السمع ويسعى جاهدا لنزع فتيل البلوى والفتن قبل فوات الأوان؟ وحتى لا تغدو طامة كبرى تأتي على الأخضر واليابس، مُنهية بذلك نحو أكثر من قرنين من الزمان من حصيلة البحوث والإنجازات العلمية التجريبية التي يعتدّ بها إنسان اليوم ويفخر في نشوة بالغة!

  • إلى متى هذا الخوف من المستقبل المنظور؟
  • ومَن مِن القادة العقلاء يمكن أن يعوّل عليهم في السعي إلى استتباب الأمن، والاستقرار النفسي المرجو الذي هو غاية الغايات، مع تأمين لقمة العيش الهانئة للناس جميعهم من غير تباين طبقي كبير وبغيض؟

لقد تجاوز الإنسان "المتقدم" -في أيامنا هذه- كل القيم والمبادئ والأعراف، وهو يتباهى بابتكار أدوات وآلات التدمير الشامل غير آبه بما قد يؤول إليه الحال من إفناء للبشرية جمعاء، أو أن تعود الحياة إلى العصور البدائية الأولى، وذلك في أحسن الأحوال!

نعود إلى لبّ حديثنا إذ يقول مارك شيسكين: "يفضل الناس التفاوت الاجتماعي تحت مظلة سياسات عادلة على المساواة تحت مظلة سياسات جائرة".

المهم ألا يكون الفرق شاسعا إذ يعزى التفاوت الاجتماعي إلى سلوك البشر الطبيعي وفقا لمكافأة وتشجيع المجتهد دون المقصر.

من جهة أخرى، لا بد أن يكون هنالك حق معلوم من المال يعطى للمحتاجين على عكس ما عليه الحال في الغرب الآن فيما يعرف بـ"أنانية الملكية"!

وقد أوجد الإسلام حلا لذلك بفرض الزكاة عند النصاب على المقتدرين لتؤدى لمن يستحقها، أولئك الذين قد تكون لبعضهم أعذار -لا يعلمها أحد سواهم- غير عدم الكدح وقلة الاجتهاد والجهد.

إن الأجيال الجديدة رغم انحسارها وانبهارها بالمنجزات الغربية لم تعد مقتنعة تماما بهذه الفروق المعيشية بعدما ذاقت المرّ منها بخاصة في أيامنا هذه بحكم التضخم المريع.

والأجيال الجديدة، رغم انحسارها وانبهارها بالمنجزات الغربية، لم تعد مقتنعة تماما بهذه الفروق المعيشية بعدما ذاقت المرّ منها بخاصة في أيامنا هذه؛ بحكم التضخم المريع وارتفاع تكاليف المعيشة بصورة جنونية، وفقد فرص الحصول على عمل مجزٍ، ومن ثم عدم التمكن من إنشاء عائلات مستقلة ومستقرة كأمر طبيعي، وبخاصة في البلدان الفقيرة المغلوبة على أمرها بدوافع خارجية وأخرى داخلية، هذا عدا المعاناة جراء الحروب والتهجير، والاغتراب حتى داخل الأوطان، حيث تزداد الحياة بؤسا وضنكا بوتيرة متسارعة مع التقدم العلمي الذي أخذ أكثر مما أعطى، وسلب أكثر مما وهب، وأشقى أكثر مما أسعد، رغم الإيقاع السريع للحياة والإنجازات العلمية المشهودة والمقدرة!

لقد تمخضت -مثلا- عن واقع اليوم الأليم حركات يمينية متطرفة في الغرب، من ضمن شعاراتها "أنا وبعدي الطوفان"، بعبارة أخرى: "لا يهمني أحد غير نفسي أو بني جنسي"، في أفضل الأحوال! بعدما بلغ السيل الزبى، وضاقت عليها الأرض بما رحبت، وظنت أن المهاجرين من "الملوّنين" (Coloured people) -يقصد بهذا المصطلح غير البيض بوجه عام- يشكلون تحدّيا خطرا على لقمة عيشها، بل على وجودها في "أوطانها" التي توارثتها آباء عن أجداد! فكثرت النعرات الطائفية والشعبوية (البراغماتية) أي النفعية، والجنسية الضيقة في ظل إعجاب كل ذي رأي برأيه، ووفقا لـ"كل حزب بما لديهم فرحون"! ووجدت تلك الأفكار السامة قبولا عند المتضجرين والمشككين من ضعاف النفوس وصغار العقول الذين يركبون أول موجة تمرّ بهم، وذلك بتحكيمهم العاطفة، لا التبصّر العقلاني السديد والبعيد الرؤى!

ويبقى تقليص الفوارق الاجتماعية، وبخاصة فيما يتصل بالمعيشة، أمرا عظيم الأثر، ويحتاج إلى جهود جبارة فاعلة منفعلة بمنأى عن التمنيات والآمال التي لا تعدو الأفواه التي تنطق بها، وهو أمر يحتاج أيضا إلى وازع أخلاقي بعدما يكلل بصدق النوايا الطيبة من أصحاب القرار ذوي الرحمة والإشفاق على الفقراء والضعاف من الأيتام والأرامل والمتشردين والمحرومين وغيرهم من البؤساء الذين يشكلون الأكثرية الكاثرة من سكان المعمورة -بكل أسف- في زماننا هذا ذي التناقضات الجائرة الوقحة، الغائرة الجراح!

الكاتب الأميركي المشهور باتريك جيه بوكانن يشير في كتابه "موت الغرب" إلى نهاية الغرب، وينبه إلى "أن الموت الذي يلوح في أفق الغرب هو في الواقع موتان: موت أخلاقي وموت ديمغرافي وبيولوجي".

فعلى الرغم من التقدم العلمي، يكثر عدد المتشردين في الدول المتقدمة.

ومصطلح المتشرد (Homeless) هو لحالة الأشخاص "الذين يفتقرون إلى مكان ليلي ثابت ومنتظم وملائم" حسب تعريفه من قبل قانون "ماكيني فينتو" لإعانة المتشردين. ففي عام 2014م أحصي نحو 1.5 مليون متشرد لجؤوا إلى المأوى في الولايات المتحدة، وهو رقم لا يشمل نصف الذين جرى إيواؤهم ممن يرفضون إجراء المقابلات! وهذه إحصائيات تقريبية كما أُشير في التقرير.

هذا في أميركا التي تعدّ نفسها أقوى دولة في العالم، وذات أكبر اقتصاد على وجه الأرض! وأنها قد بلغت -حسب ما يتراءى لها- من العلوّ والفوقية ما يخوّلها أن تتحكم في مصائر الشعوب الأخرى كيفما شاءت.

هذا مثال واحد سقناه في عجالتنا هذه التي لا تتسع لمزيد من الأمثلة القاتمة في دول أخرى تتبنّى العلم عقيدة وفكرا رغم أن بنيها يجأرون من وطأة الظلم والفقر؛ بحكم التفاوت والفوارق الاجتماعية الفاضحة التي لا يدركها على حقيقتها إلا من خبرها عيانا بيانا، فليس من رأى كمن سمع وليس الخبر كالعيان.

وقد شهد شاهد من أهل الحضارة الغربية بدنوّ أفولها بعدما حادت عن الجادة.

فالكاتب الأميركي المشهور باتريك جيه بوكانن يشير في كتابه "موت الغرب" إلى نهاية الغرب، وينبه إلى "أن الموت الذي يلوح في أفق الغرب هو في الواقع موتان: موت أخلاقي بسبب السقوط الأخلاقي الذي ألغى كل القيم التربوية والأسرية والأخلاقية التقليدية، وموت ديمغرافي وبيولوجي (النقص السكاني أي الموت الطبيعي).. "فالوباء الجديد لا يقتل إلا الشباب، ليتحوّل الغرب عموما وأوروبا بشكل خاص إلى قارة للعجائز!".

أفلا نتدبر -إذن- هذا القول الذي هو حصيلة ما يجري من تخبط وظلم في ظل "التباعد" النفسي والخُلقي بعدما أوجده الإنسان بينه وبين أخيه، حتى بدأ يستجدي غيره ويمدّ يده ذليلا كسير الفؤاد، ليُقيم أوده بفتات الخبز رغم ما تحقق من كشوف وإنجازات علمية باهرة!

أما آن للبشرية أن تثوب إلى رشدها وصوابها بتضييق تلك الهوة الإنسانية إلى أدنى ما يمكن على أقل تقدير، وحتى لا تكون هنالك تناقضات وتباينات مخجلة في ظل التبجح بالتقدم غير الملموس ذي النفع، الذي هو في الواقع تقدم نحو الهاوية باتفاق أولي الألباب على اختلاف مشاربهم وأوطانهم؟!