شعار قسم مدونات

عُمرك في كأس العالم

الفيفا حدد 14 نوفمبر/ تشرين الثاني موعدا أخيرا لتسليم قوائم كأس العالم 2022
الفيفا تسلم القوائم النهائية للمنتخبات الـ32 المشاركة في كأس العالم قطر 2022 (الجزيرة)

على اختلاف طريقة تسجيل المواليد قديمًا بين العبيثة والدقة وبين التذكر والنسيان تقول جدتي لأمي، حفظها الله، إنها من مواليد الثلاثين ميلادية تقريبا (1930)، وذلك يعني أن عُمرها -حفظها الله- من عُمر كأس العالم، إذ توازي الآن تقريبا الـ90 عامًا.

ولذلك أتذكر في كأس العالم عام 2002 كنا نقول حينها لقد وصلت جدتي الـ70، والآن نقول ناهزت الـ20، أدام ربي بقاءها، وأعني بهذه المقدمة أنها حفظها الله قد عاصرت جميع نُسَخ كأس العالم سواء شاهدتها أم لا، وسواء عرفت أصلا أن هنالك كأس عالم أم لا.

ولو فكرنا قليلاً خارج الصندوق وحسبنا أعمارنا بعدد نسخ كأس العالم التي تابعناها، والتي تقام كل 4 أعوام مرة واحدة، مما جعل للبطولة التي ينظمها الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" في الدول التي تستضيفها، والتي تأتي آخرها استضافة قطر لهذه النسخة من كأس العالم 2022 للمرة الأولى في العالم العربي والشرق الأوسط في إنجاز قطري خليجي عربي غير مسبوق، فلهذه البطولة زخم إعلامي عالمي كأبرز حدث كروي في العالم يتفوق صداه حتى على الأولمبياد، مما يجعل كأس العالم أكبر تسويق لقطر والخليج في شتى أنحاء العالم الذي حانت له الفرصة عن قرب للتعرف على الكرم العربي، أقول لو فكرنا في ذلك الحساب لكان مصدر سعادة كبرى لنا.

وعودًا لقصتنا كنا أيضًا نحسب خبراتنا الرياضية بكم بطولة كأس عالم شاهدناها، تماما كمن يرى أن المدرسة التدريبية الرياضية لا تسمى بهذا الاسم إلا إذا حققت بطولة كأس العالم، وأستثني من ذلك الكرة الهولندية التي تعتبر من المدارس التدريبية العريقة في العالم، والتي وصل فيها المنتخب الهولندي لنهائي كأس العالم 3 مرات ولم يحقق البطولة!! مما جعل العالم يلقبونه بالمنتخب غير المحظوظ.

وبما أننا سنحسب أعمارنا بعدد بطولات كأس العالم التي عاصرناها، فهذه البطولة كما تقوم بدورها الكامل في إسعادنا وإلهامنا، فهي أيضا ترتبط بذكريات طفولتنا ومراهقتنا حينما تعود بنا الذاكرة إلى طفولتنا حيث أيام كأس العالم 1994 ميلادية التي أقيمت في أميركا، ووصل فيها المنتخب السعودي إلى الدور الثاني في إنجاز عربي نادر الحدوث، وسجل فيها اللاعب السعودي سعيد العويران هدفًا مارادونيا خلّد ضمن قائمة الأهداف الأجمل طوال تاريخ البطولة.

وعليه.. فإن تذكر بطولات كأس العالم بين 1994 وعام 2006 تعني تذكر طفولتنا وبدايات شبابنا يعني استحضار طاقاتنا الرياضية الفتية التي كنا فيها نشجع بحماسة عالية، قبل أن نتحول بعد ذلك إلى تشجيع أكثر نضجا نبحث فيه عن قصص الإلهام المليئة في هذه البطولة التي صمدت أمام متغيرات الحياة، لتبقى حتى عصرنا الحاضر تشغل المليارات من سكان الكوكب، وترسم البسمة على وجوه الجميع.

ويحبس العالم اليوم أنفاسه بانتظار ماذا سيتفق عليه مُسيرو كرة القدم في العالم الذين يفكرون في تقليص المدة بين البطولة والأخرى لتصبح عامين بدلا من 4 أعوام!! مما سيفقد -وفق نظر الملايين من اللاعبين والمشجعين- هذه البطولة جمالها فوق البريق الذي ستفقده أيضا بتحولها رسميا في بطولة العالم المقبلة من 32 منتخبا إلى 48 منتخبا!!

وما بين سؤال: كم كأس عالم تابعت؟ وكم بطولة كأس عالم تابعتها بوعي؟ ستبقى الذكريات محايدة تقدم لنا الأحداث الكروية في الذاكرة بتشويشها وصفائها، بغشاوتها ونقائها، وسنبقى دائما نصطحب الذكريات الرياضية القديمة ونحن نشاهد الفروقات الكبيرة في الأحداث الحالية من خطط المدربين، إلى جماعية اللاعبين، إلى تميز المصورين، وإبداع المخرجين، وكثرة حديث المحللين، ووفرة ثرثرة الصحفيين، وجنون المشجعين.

إنها كأس العالم معشوقة مليارات البشر، وعلى مبارياتها يضبط الكون مواعيده، وفيها يحتشد ملايين البشر لقضاء أيام جميلة في عيد كرة القدم التي تجعل البشرية يتحدثون طوال شهر كامل فقط عن كرة القدم وسحرها العجيب.

وستبقى بطولة كأس العالم في قطر 2022 متفردة عن غيرها من نسخ كأس العالم السابقة واللاحقة بقُرب المسافات بين الملاعب، والتي ستُمكن المشاهد من متابعة مباراتين أو أكثر في يوم واحد، وعن هذا وغيره سيتحدث العالم بكثرة في قادم الأيام.. أما أنا فسأعيد ذات السؤال: كم مرة شاهدت المونديال في حياتك؟