شعار قسم مدونات

صراع الأخلاق وعصر التنوير (5)

ميدان - عصر التنوير
الكاتب: اتسعت دائرة التعصب الديني في فرنسا وأوروبا بشكل عام على مدى القرن الـ17 الميلادي ومعظم القرن الـ18 (مواقع التواصل الاجتماعي)

إذا كان عصر النهضة، انقلابا هائلا على العصور الوسطى في مختلف المجالات، ومؤسسا لعملية فصل الدين عن الدولة، ونشر الليبرالية والإلحاد وسيادة العقل والنزعة الإنسانية، فإن عصر التنوير الممتد على مدى القرنين الـ17 والـ18 الميلاديين، أكمل مسيرة عصر النهضة، لتبدأ الانطلاقة الكبرى، لترسيخ هذه الأفكار والمفاهيم والتغيرات، ورسم ملامح جديدة للمجتمع الغربي في القارة الأوروبية، التي تفاقمت فيها حدة المواجهة بين مكوناتها السياسية والدينية والفكرية والعلمية، فامتزجت فيه الأفكار التنويرية والبحوث العلمية بالحروب والصراعات والمجازر الدامية والإلحاد، وقد أحدث انقلابا هائلا في مفهوم الأخلاق لدى الدولة والمجتمع والأفراد في العصور اللاحقة.

يتفق معظم الباحثين الغربيين على القول إن عصر التنوير يشكل منعطفا تاريخيا حاسما في تاريخ الحضارة الأوروبية، تشكلت فيه المبادئ والأسس التي تتحكم في الغرب حتى اليوم

لقد شهدت أوروبا في عصر التنوير، تغيرات كبرى بسبب التحولات الحادة الفكرية والعلمية والدينية، التي شكلت تهديدا مباشرا للسلطتين السياسية والدينية، اللتين أخذتا في التفكك التدريجي، والانتقال إلى عهد جديد تبلورت ملامحه في أواخر القرن الـ18 وبدايات الثورة الصناعية في القرن الـ19. ونظرا لأهمية هذا العصر في التخلص التدريجي من هيمنة الكنيسة، وتجريدها من هيبتها، وتأسيس مرحلة أوروبية جديدة لا تقل عن تلك التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، فإننا سنلقي المزيد من الضوء على طبيعة التغيرات السياسية والدينية التي سادت هذا العصر، لتوضح خلفيات الأحداث التي أوجدت هذا التغيير الهائل، حيث يتفق معظم الباحثين الغربيين على القول إن عصر التنوير يشكل منعطفا تاريخيا حاسما في تاريخ الحضارة الأوروبية، تشكلت فيه المبادئ والأسس التي تتحكم في الغرب حتى اليوم، وفقا لما ذكره الدكتور هاشم صالح، في كتابه "مدخل إلى التنوير الأوروبي- ط 2005م).

عصر واحد وثورتان

بدأت عملية التنوير بالتدريج في إنجلترا وهولندا، ثم انتقلت إلى فرنسا وألمانيا، وغيرها من الدول الأوروبية على امتداد القرنين الـ17 والـ18 الميلاديين، وكانت تركز على قيمة السعادة البشرية والسعي وراء المعرفة عن طريق العقل والحماس والمثل العليا، كالحرية والعدل والمساواة والتسامح والإخوة، وتطالب بالحكم الدستوري. وقد شهد هذا العصر ثورتين أو اتجاهين فلسفيين مختلفين من اتجاهات البحث والتفكير، الأول الفلسفة القائمة على التجريب والملاحظة، ورائده المفكر والفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون (1561-1626م)، الملقب بأبي المنهج التجريبي، وجاء من بعده العالمان غاليليو غاليلي وإسحق نيوتن، أما الثاني فهو الفلسفة القائمة على العقل، والتي قادها الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596-1650م)، صاحب كتاب (المنهج) الذي نشره عام 1637م. وقد مهدت أفكار الفيلسوف ديكارت لانطلاق هذا العصر، من خلال منهجه في الشك، الذي قبل بتطبيقه على كل شيء ما عدا الدين والعقيدة.

وقد أدت نتائج هاذين الاتجاهين الفلسفيين (التجريبي والعقلي) إلى صدام مباشر مع السلطتين السياسية والدينية، أدى بدوره إلى ظهور الفكر الإلحادي في أواخر عصر التنوير. فرغم أن الفلاسفة المتقدمين في هذا العصر تجنبوا الاصطدام بالدين، وحرصوا على تأكيد انتمائهم الديني ومطالبهم الإصلاحية، إلا أن الأجيال اللاحقة من الفلاسفة لم تفعل مثلهم، وطالبت بتقويض السلطة الملكية والكنسية الكاثوليكية، لتمهد الطريق للثورات السياسية التي شهدها النصف الثاني من القرن الـ18، والقرن الـ19، وتدعو للإلحاد، وتضع الأساس الفكري لليبرالية والشيوعية.

وينقل الدكتور أرنست كاسيرير، الفيلسوف اليهودي الألماني، مؤرخ الفلسفة (1874-1945م)، في كتابه "فلسفة التنوير" عن الفيلسوف الفرنسي الموسوعي جان لي رون دالمبير (1717-1783م)، قوله إنه في منتصف القرن الـ17 ظهرت الفلسفة الديكارتية، وفي منتصف القرن الـ18 "حصل تغير هائل في أفكارنا، وسرعة هذا التغير تَعد بالمزيد منه لاحقا، فقد حدثت ثورة فكرية حقيقية، ولن تستطيع سوى الأجيال القادمة أن تقيس حجمها وأبعادها، أو إيجابياتها وسلبياتها،… فعلم الطبيعة يكتسب معارف جديدة يوما بعد يوم، وعلم الفلسفة إذا وسع حدوده، وصل بإضاءته إلى أجزاء الفيزياء الأكثر قربا منه، وأصبح نظام العالم الحقيقي مكشوفا لنا، من الأرض وحتى كوكب زحل،… من تاريخ السماوات وحتى تاريخ الحشرات، فقد راحت الفيزياء تغير وجه العالم، وراحت معها كل العلوم الأخرى تقريبا تتخذ صورة جديدة،.. لقد أصبح كل شيء عرضة للمناقشة والتغيير والحلحلة على الأقل، فمبادئ العلوم الدنيوية وأسس الوحي الإلهي راحت تتعرض لذلك، وقل الأمر نفسه، من الميتافيزيقا والذوق والأخلاق والموسيقى ومناظرات اللاهوتيين، وشؤون التجارة، وحقوق الحكام، وحقوق الشعوب… إلخ. لقد حصل غليان عام للروح في عصرنا، وألقيت أضواء كاشفة على بعض الأشياء، وبقيت أشياء أخرى مغلفة بالظلام.

بالرغم من أن الفلاسفة المتقدمين في عصر التنوير تجنبوا الاصطدام بالدين، وحرصوا على تأكيد انتمائهم الديني ومطالبهم الإصلاحية، إلا أن الأجيال اللاحقة من الفلاسفة لم تفعل مثلهم، وطالبت بتقويض السلطة الملكية والكنسية الكاثوليكية، لتمهد الطريق للثورات السياسية التي شهدها النصف الثاني من القرن الـ18، والقرن الـ19 وتدعو للإلحاد، وتضع الأساس الفكري لليبرالية والشيوعية.

صراعات دينية سياسية طاحنة

اتسعت دائرة التعصب الديني في فرنسا وأوروبا بشكل عام على مدى القرن الـ17 الميلادي ومعظم القرن الـ18، امتدادا لما كان عليه الحال في عصر النهضة على مدى القرنين الـ15 والـ16، حيث انتشرت محاكم التفتيش التي أسسها البابا غريغوريس التاسع سنة 1235 في الفاتيكان، قبل أن تنتقل إلى جميع أنحاء أوروبا، لملاحقة المهرطقين من المفكرين والفلاسفة والعلماء، ومخالفي المذهب الكاثوليكي من أصحاب المذهب البروتستانتي الذي أسسه القسيس الفيلسوف الألماني مارتن لوثر في القرن الـ16، ويقال إنه راح ضحية هذه المحاكم ما يقرب من 5 ملايين شخص، بينما تذهب بعض الاتجاهات إلى أنهم لم يتجاوزا 13 ألفا. وكان من أشهر هذه المحاكم، تلك التي أقيمت في إسبانيا ضد المسلمين واليهود، والمتحولين عن الكاثوليكية. وقد خاضت فرنسا 8 حروب دينية كاثوليكية في النصف الثاني من القرن الـ16 ضد أتباع المذهب البروتستانتي، الذين بلغ عددهم حينها حوالي مليوني شخص موزعين على 670 كنيسة، ووقعت ضدهم العديد من الملاحقات والاعتداءات والمذابح، التي كان من أشهرها مذبحة سانت بارثليمي في باريس عام 1572م التي راح ضحيتها نحو 3 آلاف إنسان في ليلة واحدة.

وقد امتدت هذه الحروب الدينية والمذهبية على مدى القرن الـ17 والنصف الأول من القرن الـ18، في جميع أنحاء أوروبا، وكان من بينها ما يعرف بحرب الـ30 عاما، التي امتدت على مدى الفترة من 1618 إلى 1648م. وفي خضم هذا الحروب قام الملك الفرنسي لويس الرابع عشر (1638-1715م) بشن حملة واسعة ضد المذهب البروتستانتي تحت شعار "مذهب واحد، قانون واحد، ملك واحد" وأرسل رجال الدين المتعصبين للقضاء على أتباع هذا المذهب من الرجال والنساء، وهم يصرخون "اقتلوا كل من ليس كاثوليكيا"، وكانوا ينكلون بهم أيما تنكيل ويذيقونهم صنوف العذاب. فضلا عن حرب الخلافة الإسبانية على مستوى أوروبا، والتي استمرت 13 عاما في الفترة (1701-1714م)، بين إسبانيا وفرنسا وبفاريا الألمانية من جهة، ورومانيا وإنجلترا والبرتغال من جهة أخرى، على إثر موت كارلوس الثاني ملك إسبانيا عام 1700م دون أن يخلف وريثا على عرش إسبانيا التي كانت حينها إمبراطورية عظمى ممتدة في أوروبا وآسيا والأميركتين.

ربما كانت هذه الحروب البشعة المتسلسلة، التي عانت منها أوروبا طيلة ما يقرب من 4 قرون، تفسر لنا جانبا من ردة فعل فلاسفة عصر التنوير، وخاصة فلاسفة المرحلة الثانية منه، والتي تبلورت في النصف الثاني من القرن الـ18، وغلب عليها الموقف العدائي الحاد من الدين بشكل عام، وبدايات ظهور الإلحاد، والتنكر لجميع الموروث الديني المسيحي، وما يندرج تحته من عقائد وتعاليم وقيم وأخلاق، حيث بدأت الكنيسة تفقد هيبتها الدينية وهيبة رجالها، بشدة في نفوس أتباعها، وخاصة بعد الثورة الفرنسية أواخر عصر التنوير، والمعاهدات التي تم التوقيع عليها بين الممالك الأوروبية لوضع حد للحروب الدينية والمذهبية، وتشريع حرية الفكر والاعتقاد.

  • سنتعرف في المقال القادم على أبرز أعلام هذا العصر في الفلسفة التجريبية والعقلية، ومواقفهم من الدين والأخلاق.