شعار قسم مدونات

كرة القدم البرازيلية.. إلى أين؟

مشجعو صنعت نفط يحملون معهم أعلام البرازيل في مدرجات الملاعب 2 (نادي صنعت نفت آبادان) المصدر: الصحافة الإيرانية
مشجعو "صنعت نفط" يحملون معهم أعلام البرازيل في مدرجات الملاعب (الصحافة الإيرانية)

تعدّ البرازيل بلاد كرة القدم الأولى في العالم بلا منازع؛ تشهد لها عراقتها في المجال الكروي ونسبة مشاركاتها العالية في جميع بطولات كأس العالم. فمنتخب البرازيل لم يغب عن أي دورة من دورات المونديال التي تقام كل 4 سنوات، وهو المنتخب الذي يتربع على عرش أبطال كرة القدم في التاريخ، بألقابه الخمسة التي يتفوق بها على كل من ألمانيا وإيطاليا اللتين تحتلان المرتبة الثانية بعد البرازيل مباشرة بـ4 ألقاب لكل منهما.

صحيح أن الإنجليز هم الذين اخترعوا لعبة كرة القدم كما نعرفها اليوم ووضعوا قواعدها وقوانينها، لكن البرازيليين هم الذين استحوذوا على هذه اللعبة وأضفوا عليها سحرا وأضافوا إليها عبقرية رياضية باهرة، فالبرازيل هي البلاد التي أنجبت بيليه وغارينشا وريفيلينو وسقراط (سوكراتيس) وزيكو وكاريكا وروماريو ورونالدو. ومما يميز كرة القدم البرازيلية التقليدية تعويلها على المهارات الفردية وعلى اللعب الجميل، بعكس المدرسة الكروية الأوروبية التقليدية التي تعتمد على القوة البدنية والسرعة والأسلوب الدفاعي الذي لا يقيم كبير وزن للمهارات الفردية.

أذكر أن أول دورة كأس عالم رسخت في ذاكرتي كانت بطولة عام 1990 التي أقيمت في إيطاليا، حينئذ كنت طفلا أبلغ الثامنة من عمري وأقيم مع أهلي في سهل البقاع بلبنان. أذكر أن معظم الأهل والأقارب والأصدقاء في محيطنا كانوا من مشجعي المنتخب البرازيلي، وذلك بسبب الروابط التي تجمعنا بالبرازيل نظرا للهجرة اللبنانية القديمة إلى بلاد السامبا. في تلك الدورة أذكر الحزن الذي خيم على الجميع إثر خروج البرازيل من الدور الثاني في مباراة تاريخية ضد الشقيقة اللدودة الأرجنتين، أسفرت عن فوز منتخب أرض الفضة بهدف نظيف من تسجيل صاحب الشعر الطويل كانيجا بعد تمريرة من الأسطورة دييغو مارادونا.

في عام 1994 كانت بطولة كأس العالم التي أقيمت في الولايات المتحدة وفازت بلقبها البرازيل بضربات الجزاء الترجيحية في مباراة ملحمية ضد منتخب إيطاليا.

وفي عام 1994 كنا لا نزال نقيم في لبنان، وكنت قد أصبحت يافعا ذا 12 عاما، وكانت بطولة كأس العالم التي أقيمت في الولايات المتحدة والتي فازت بلقبها البرازيل بضربات الجزاء الترجيحية في مباراة ملحمية ضد منتخب إيطاليا. في تلك البطولة، غزت أعلام البرازيل لبنان من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، وكانت هناك أعلام إيطاليا وألمانيا أيضا. أذكر أن والدي اشترى لنا علم البرازيل وعلم لبنان وعلقناهما على شرفة شقتنا، وواكبنا تلك البطولة بحماسة شديدة وتشجيع قوي للمنتخب البرازيلي. أذكر حدثا سعيدا لنا، عربا ومسلمين، في تلك البطولة، هو الهدف العبقري للاعب السعودي سعيد العويران ضد منتخب بلجيكا. وأذكر حدثا مأساويا هو اغتيال اللاعب الكولومبي المدافع إسكوبار بعد عودته إلى بلاده عقب خسارة منتخبه ضد الولايات المتحدة بهدف سجله هذا المدافع خطأ في مرمى فريقه.

في عام 1997 انتقلنا إلى العيش في البرازيل، وجئت مع أبي وأمي وشقيقي وشقيقتي للإقامة في مدينة ساو باولو حيث لا نزال حتى اليوم، وحيث تقيم جالية عربية كبيرة، من ضمنها أقاربنا. في العام التالي لمجيئنا إلى البرازيل، أي في عام 1998، تابعت كأس العالم لأول مرة على أرض وطني الثاني، وقد أدهشتني الحماسة المفرطة في تشجيع المنتخب القومي، فالبلاد برمتها تتوقف عن العمل والدراسة أثناء المباريات والأعلام البرازيلية تزين الأحياء والشوارع، والناس يتجمعون لمشاهدة المباريات. لم يحالف الحظ البرازيل في تلك الدورة التي خسرت مواجهتها النهائية أمام المضيفة فرنسا بثلاثية نظيفة في مباراة وبطولة كان نجمهما وبطلهما اللاعب الجزائري الفرنسي الكابتن زين الدين زيدان الذي تغلب على رونالدو ورفاقه.

في عام 2002، في بطولة اليابان وكوريا الجنوبية، أحرزت البرازيل لقبها الخامس، في بطولة لا غبار فيها على تفوق المنتخب الأصفر، وأذكر أن درجة حماسة الشارع البرازيلي تجاه البطولة كانت لا تزال عالية جدا. وبعد تلك البطولة دخلت الكرة البرازيلية في أزمة لم تستطع الخروج منها حتى اليوم، وقد كان لهذه الأزمة انعكاس ملحوظ على درجة اهتمام الشارع البرازيلي بمنتخبه القومي، بالأخص أثناء دورات كأس العالم. إنها أزمة إدارية ومؤسساتية في دنيا كرة القدم البرازيلية كانت من نتائجها هزائم مهينة في الملاعب وشبهات تتعلق بقضايا فساد يعتقد تورط الاتحاد البرازيلي لكرة القدم فيها.

وفي خضم الانتخابات البرازيلية الرئاسية التي اختتمت منذ أقل من أسبوعين، كان نجم المنتخب البرازيلي نيمار قد أعلن تأييده للرئيس الحالي اليميني المتطرف جايير بولسونارو، المنتهية ولايته في آخر يوم من العام الميلادي الجاري. هذا الموقف الذي اتخذه هذا النجم الكروي جوبه بانتقادات قاسية ولاذعة من قبل نجم آخر لمع مهاجما في منتخب البرازيل في الثمانينيات، هو فالتر كازاغراندي، زميل الأسطورة الراحل سقراط (سوكراتيس بالبرتغالية) وصديقه الشخصي. النجم كازاغراندي، الذي يعمل في الصحافة والإعلام حاليا، في المجال المتخصص بالتغطية الرياضية، رأى أن نايمار ومن ذهب مذهبه من الرياضيين في تأييد الرئيس اليميني المتطرف بولسونارو خائنون لمبادئ الديمقراطية والروح الرياضية، وشن عليهم هجوما عنيفا في تصريحاته وتعليقاته وكتاباته.

تجدر الإشارة إلى أن مناصري الرئيس بولسونارو، مغازل الصهيونية وحليفها، استحوذوا على الزي الرسمي للمنتخب البرازيلي شعارا لهم وعلى علمي البرازيل والكيان الصهيوني كرايتين ترمزان إلى حركتهم السياسية. هذا الأمر ولّد ردة فعل عكسية عند مؤيدي الرئيس اليساري المنتخب لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، المعروف بـ"لولا"، فأحجموا عن اقتناء وارتداء زي المنتخب الوطني لكرة القدم. وزاد في الطين بلة الموقف السياسي للنجم الأبرز نيمار، إذ فاقم في حالة الفتور واللامبالاة لدى فئات وشرائح واسعة من الشعب تجاه "سيليساو"، أي "المنتخب" باللغة البرتغالية.

لم تكن كرة القدم البرازيلية يوما جزيرة منعزلة عما يحدث في البرازيل والعالم، فقد كان لافتا استغلال النظام العسكري الدكتاتوري لفوز منتخب الأحلام البرازيلي بكأس العالم سنة 1970 مع بيليه ورفاقه.

ولم تكن كرة القدم البرازيلية يوما جزيرة منعزلة عما يحدث في البرازيل والعالم، فقد كان لافتا استغلال النظام العسكري الدكتاتوري لفوز منتخب الأحلام البرازيلي بكأس العالم سنة 1970 مع بيليه ورفاقه. والأسطورة بيليه، الذي كان سيد الملاعب بلا منازع، لم يسجل له أي موقف سياسي واضح، بل انتهج الحياد ولم يتدخل في قضايا السياسة والاجتماع. أما النجم سقراط (سوكراتيس)، فبالإضافة إلى كونه طبيبا، فإنه كان معنيا بشؤون بلاده السياسية والاجتماعية والثقافية، وقد سجل له نضاله ضد الدكتاتورية العسكرية. أنشأ سقراط ورفاقه ما يعرف بـ"الديمقراطية الكورينثانية"، نسبة إلى نادي كورينيانس، أبرز أندية ساو باولو وأكثرها شعبية.

وفي الأيام الأخيرة، حين اعترض مناصرو الرئيس جايير بولسونارو على نتائج الانتخابات، وبادروا إلى قطع الطرقات السريعة الرئيسة في البلاد، كانت لهم بعض رابطات مشجعي الأندية بالمرصاد. ففي ولاية ساو باولو تصدّت رابطة مشجعي نادي كورينثيانس، المعروفة بـ"صقور الوفاء"، للمحتجين الغاضبين وفرقت شملهم وأنهت احتجاجهم في بعض الطرقات الرئيسة، وفي ولاية ميناس جيرايس تصدى مشجعو نادي أتلتيكو مينيرو للمحتجين على غرار مشجعي كورينيانس. يذكر أن الرئيس المنتخب لولا هو من مشجعي نادي كورينيانس، في حين أن خصمه الرئيس المنتهية ولايته بولسونارو من مشجعي نادي "بالميراس"، الفريق العريق الذي أسسته الجالية الإيطالية في مدينة ساو باولو منذ عقود.

وهكذا، فإن المشهد السياسي المتأزم والمحتدم في البرازيل قد أرخى بظلاله على المشهد الكروي وطغى عليه وأدى إلى تحجيمه وإبعاده عن دائرة الاهتمام والاحتفاء، وهذه سابقة لم تشهدها البرازيل منذ عقود، وهي جديرة بالاهتمام والتعجب. وهذا الأمر يذكرنا أن الرياضة عموما وكرة القدم خصوصا ليستا في جزيرة منعزلة عن السياسة والاجتماع والثقافة والاقتصاد. لقد خفت بريق كرة القدم البرازيلية في الملاعب وخارجها، فمن يعيده إليها ويعيدها إليه؟