شعار قسم مدونات

قوارب الأمل.. المستقبل المجهول

المصدر: شترستوك قارب
ثق بربك دائما وأحسن الظن به، لكن اعلم أن هناك أسبابا لا بد لك من أن تأخذ بها (شترستوك)

في البداية أقول لك بأني لست من أولئك المنظرين الذين ينظرون عن بعد وهم عن الواقع أنآى ما يكون، ولا من الفلاسفة الذين يسهبون في الكلام دون أن يكترثوا لأي مصدر كان؛ لأنهم ربما لم يسمعوا يوما بشيء اسمه آفات اللسان! فأنا وكما قلت لك لست من هذا ولا ذاك؛ بل أنا أعيش معك، وبالقرب منك؛ تراودني أحاسيسك، وتلامسني كل جراحاتك؛ حزنك هو حزني، ومصابك مصابي؛ لذلك استعن بالله ولا تحزن، ولا تيأس أبدا ولا تعجز، وإن وجدت القليل من الوقت ولو لهنيهة يسيرة، فأنصحك بقراءة هذه الكلمات، عسى أن تخفف عنك بإذن الله تعالى بعضا مما أنت فيه، أو لعلك تجد فيها ما يطمئن به قلبك، وتأنس إليه نفسك.

مما لا شك فيه أن هناك أسبابا جعلتك تفكر في أن تترك بلدك هذا الذي تقطنه منذ صغرك؛ وتهاجر إلى بلاد أخرى بعيدة، والتي من أهمها هو ضيق العيش الذي تعاني منه أنت الآن، والذي يعاني منه الكثير، ولا سيما في هذه الآونة الأخيرة التي توالت فيها الأزمات تلو الأزمات؛ لكن، وبالرغم من كل هذا، أقول لك لا تحزن لأنك إنسان فيك روح الإيجابية والتفاؤل، تنظر دائما نحو الأفضل مهما كان بعيدا، إذ بمجرد تفكيرك في الهجرة لتحسن من هذا الحال الذي أنت فيه الآن إلى حال آخر ربما كان أكثر سعادة وطمأنينة، فأنت فعلا كما قلت لك؛ لذلك استمر في هذا التفاؤل ولا تيأس، لأنك سترى أثر تفاؤلك عما قريب بإذن الله السميع المجيب.

نعم أقول لك: لا تحزن، بل حتى لا تجعل للحزن عليك أي مدخل، لأنك إنسان ذو عزيمة وإرادة، وهمة وشجاعة، وما هذا إلا لقوتك؛ فاسعد يا عبد الله بهذه الميزة الطيبة التي يحبها ربك جل في علاه؛ ففي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم من حديث الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله، وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان".

تأمل هذه العبارة النبوية المباركة، ما أعظمها من عبارة، وما أجلها من نصيحة، "قل: قدّر الله؛ وما شاء فعل"، فإن الله تعالى يفعل ما يشاء لمن يشاء، كيف يشاء، ومتى يشاء؛ وإن هذا وربي لهو الإسلام الحق بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

لحظة من فضلك.. هل ما زلت تذكر تلك الكلمات التي أخبرتك عنها آنفا، وذلك عندما قلت لك بأن ضيق الحال الذي تعيشه أنت الآن هو السبب الذي دفعك إلى أن تفكر في الهجرة من بلدك هذا الذي أنت فيه إلى بلاد أخرى بعيدة؟! ألم أقل لك حينها لا تحزن؟! وأقولها لك الآن أيضا "لا تحزن"، لأنك لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، لا تحزن.. لأنك قد تكره شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا؛ فإنه لولا السجن والبئر لما أصبح يوسف عليه الصلاة والسلام عزيز مصر؛ فثق بربك دائما، وأحسن الظن به، ولكن اعلم أن هناك أسبابا معينة لا بد لك من أن تأخذ بها؛ فإن لله تعالى سننا في كونه، وإنه ليس من الحكمة في شيء ترك الأخذ بالأسباب؛ وكما يقال "ما هكذا تورد الإبل"، لذلك اتق الله تعالى وتوكل عليه، وخذ بجميع الأسباب الممكنة التي أحلها الله لك، وأكثر من الدعاء والاستغفار، واصبر، فإن الفرج بعد الصبر، واليسر بعد العسر، وإن الليل مهما أرخى سدوله واشتد سواده، فإن نور الصبح لآت؛ وسيجعل الله بعد عسر يسرا؛ هذا وعد الله ومن أصدق من الله قيلا؟!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.