شعار قسم مدونات

الأخلاق في فضاء الإغريق وظلمات العصور الوسطى (3)

midan - الفلسفة
الكاتب: محاورات سقراط مع تلاميذه -وعلى رأسهم أفلاطون- في السياسة والدين والحب والفضيلة والمعرفة أثّرت في تأسيس وإثراء الفلسفة اليوناينة (مواقع التواصل الاجتماعي)

يمكننا التمييز بين ست مراحل مرّت بها الفلسفة الأخلاقية عند الغرب، وكان لكل مرحلة منها سياقها وخصائصها، وتأثيرها في المراحل اللاحقة بها، وهي:

  1. مرحلة الفلسفة اليونانية.
  2. مرحلة العصور الوسطى.
  3. مرحلة عصر النهضة.
  4. مرحلة الثورة الصناعية.
  5. مرحلة العصر الحديث.
  6. مرحلة عصر ما بعد الحداثة.

قد تميز الخط العام لهذه المراحل بالتأكيد على أهمية الأخلاق في الحياة الإنسانية، ضمن عدة اتجاهات فلسفية تتنقل بين الدين والعقل والتشكيك في الدين وفي الأخلاق. وحيث إننا بدأنا هذه السلسلة بهدف التعريف بالحرب المعلنة على الأخلاق في العقود المتأخرة، وتعزيز الفهم والوعي بما يدور حولنا من تغيرات متعمدّة، فإننا سنمر سريعا على هذه المراحل الست، لنقف على الجذور الفلسفية لها، والسياقات العامة التي صاحبتها، والظروف التي أثرت فيها.

بشكل عام، فإن أخلاق المجتمعات تكون على النحو الذي تقتضيه المعتقدات الدينية، والحالة الاقتصادية، والنظام السياسي، وتاريخ المجتمع، والظروف التي تحيط به، وفقا لرؤية الدكتور "محمد عبد الرحمن مرحبا" في كتابه "المرجع في تاريخ الأخلاق"، فكلما تطوّرت هذه المجتمعات تطورت الأخلاق، فالأخلاق جزء من الحقيقة الاجتماعية الثقافية. والأخلاق القديمة ظلّت جزءا من الدين حتى البدايات الأولى لعصر ما قبل سقراط عند الإغريق، ومصر الفرعونية، والهند، وفارس، ثم أصبحت جزءا من الفلسفة اليونانية، ثم انتكست في عصور احتضار العقلية اليونانية، ثم عادت سيرتها الأولى لتكون جزءا من الدين والتصوّف عند أفلاطون، ثم عادت لتتحد بالدين في العصور الوسطى، حتى عصر النهضة، حيث رجعت الأخلاق إلى الفلسفة والميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة)، ثم وصلت في العقود المتأخرة إلى مرحلة إخراج الأخلاق من الميتافيزيقا والدين، لتصبح الأخلاق بلا أخلاق، على حد قوله.

يرى الدكتور "محمد عبد الرحمن مرحبا" أن أخلاق المجتمعات تكون على النحو الذي تقتضيه المعتقدات الدينية، والحالة الاقتصادية، والنظام السياسي، وتاريخ المجتمع والظروف التي تحيط به، فكلما تطوّرت هذه المجتمعات تطورت الأخلاق، فالأخلاق جزء من الحقيقة الاجتماعية الثقافية

الأخلاق عند فلاسفة الإغريق

محاورات سقراط مع تلاميذه وعلى رأسهم أفلاطون في السياسة والدين والحب والفضيلة والمعرفة أثّرت في تأسيس وإثراء الفلسفة اليوناينة.

لم يترك سقراط (470-399 ق.م) مؤسس الفلسفة الغربية، مؤلفات في الفلسفة والأخلاق، ولكن محاوراته مع تلاميذه وعلى رأسهم أفلاطون (424-348 ق.م) في السياسة والدين والحب والفضيلة والمعرفة، أثّرت في تأسيس وإثراء الفلسفة اليوناينة، فبدؤوا في دراسة الأخلاق كأحد فروع الفلسفة، والتي تم توسيع معناها ليشير إلى العادة أو الشخصية أو طريقة التفكير أو المزاج.

أما تلميذه أفلاطون فتعامل مع الأخلاق من وجهات نظر وسياقات مختلفة، وأدار عدة حوارات حول الأخلاق بما فيها الفضيلة والرذيلة، واللذة والألم، والجريمة والعقاب، والعدالة. وهو يرى أن "الخير" هو الشكل الأسمى الموجود بطريقة ما حتى "ما وراء الوجود". وفي كتابه "الجمهورية" تحدث عن الأخلاق الفردية على أنها عدالة الروح.

ليأتي بعده تلميذه أرسطو (384-322 ق.م) ويكتب العديد من الرسائل حول الأخلاق، والتي اعتبرها دراسة عملية وليست نظرية، تهدف إلى أن يصبح الشخص جيدا ويقوم بعمل الخير. ويرى أرسطو أن الفضيلة لها علاقة بالوظيفة المناسبة لشيء ما، فالعين ليست سوى عين جيدة بقدر ما تستطيع الرؤية، لأن الوظيفة المناسبة للعين هي البصر. رأى أرسطو أيضا أن البشر يجب أن يكون لديهم وظيفة خاصة بهم، وأن النشاط الأمثل للروح كهدف لكل عمل إنساني متعمد، تُترجم عمومًا على أنها "سعادة" أو أحيانًا "رفاهية".وللحصول على إمكانية أن تكون سعيدًا، يتطلب الأمر بالضرورة شخصية جيدة، تُترجم على أنها فضيلة أو امتياز أخلاقي أو أخلاقي.

ويرى أرسطو أن تحقيق شخصية فاضلة وسعيدة يتطلب مرحلة أولى من امتلاك الثروة التي يجب التعود عليها ليس عن قصد، مما يؤدي إلى مرحلة لاحقة يختار فيها المرء بوعي القيام بأفضل الأشياء. وأكد أن جميع الكائنات الطبيعية تميل إلى أداء وظائفها الخاصة، ومحاولة تحقيق إمكاناتها بالكامل، وأن الخير يتألف من إنجاز تلك الوظائف. كما يرى أن الأفعال المختارة بحرية يمكن أن تكون أخلاقية، في حين أن الأفعال الإلزامية ليست أخلاقية.

وبعد أرسطو، طرح أبيقور (340-270 ق.م) مذهب اللذة والألم، فاللذة عنده هي الخير الأسمى، والألم هو الشر الأسمى، ورغم إقراره بالمتعة الحسية، فإنه يوضح قصده باللذّة، لذة التحرر من الألم، المترتبة على ممارسة الفضيلة.

ظلّت الأخلاق في أوروبا مرتبطة بالدين طيلة حقبة العصور الوسطى، التي شهدت تحالفا قويا بين سلطات الممالك الأوروبية والكنيسة الكاثوليكية، هذا التحالف الذي ساهم في تعزيز سلطة الدين في المجتمعات الغربية، مقابل مساهمة هذه السلطة في تعزيز السلطة السياسية وأنظمتها العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية.

الأخلاق في العصور الوسطى

أثّرت الفلسفة اليونانية كثيرا في أوروبا بعد ميلاد المسيح عليه السلام، كما أثّرت في نشأة الفلسفة الإسلامية، وخاصة في عصر الدولة العباسية، ولم تلبث الفلسفة اليونانية أن امتزجت بالفكر الديني المسيحي، بعد دخول أوروبا في المسيحية، لتشهد نشاطاً فلسفياً كبيرا في القرون الوسطى الممتدة من القرن الخامس الميلادي، عقب انهيار الإمبراطورية الرومانية وحتى بداية عصر النهضة في القرن الخامس عشر. وقد شهدت هذه العصور الوسطى الكثير من الاضطرابات والقلاقل الداخلية من المجموعات العرقية والدينية كالسلاف والروس والوثنيين، والقلائل الخارجية، وأبرزها حرب المغول وتوسع الدولة السلجوقية والحروب الصليبية، وانتشار الطاعون.

وقد ظلّت الأخلاق مرتبطة بالدين طيلة هذه الفترة، التي شهدت تحالفاً قويا بين سلطات الممالك الأوروبية والكنيسة الكاثوليكية، هذا التحالف الذي ساهم في تعزيز سلطة الدين في المجتمعات الغربية، مقابل مساهمة هذه السلطة في تعزيز السلطة السياسية وأنظمتها العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية. ومن هنا غلب الفكر الديني على أعمال فلاسفة هذه الحقبة، وظلّت الأخلاق مرتبطة بالكنيسة والديانة الكاثوليكية، وساد مفهوم أن الهدف النهائي للأعمال البشرية هو الحصول على الخير والسعادة والمحبة، التي يكتسبها من الإنجيل، والحرص على إرضاء الله، والطمع في رؤيته بعد الموت.

وكان من أبرز فلاسفة هذه الحقبة القديس أوغسطينوس (345-430 م)، الذي طور منهجه الخاص في الفلسفة واللاهوت، مستوعبًا مجموعة متنوعة من الأساليب ووجهات النظر، اعتقادًا منه أن نعمة المسيح كانت لا غنى عنها لحرية الإنسان، وساهم في تطوير نظرية الحرب العادلة. عندما بدأت الإمبراطورية الرومانية الغربية في التفكك، تخيل أوغسطينوس الكنيسة كمدينة روحية لله، متميزة عن المدينة المادية الأرضية. وقد كتب في اعترافاته بعد دخوله المسيحية، مخاطبا الرب: "أحببتك متأخرًا، أيها الجمال القديم جدًا والجديد جدًا. أحببتك مؤخرًا، لأنك كنت في الداخل وكنت في الخارج، وكنت أبحث عنك هناك. لقد هرعت بلا مبالاة بين الأشياء الجميلة التي صنعتها. كنت معي ولكني لم أكن معك، فقد أبعدتني هذه الأمور عنك".

أما القديس توماس الأكويني (1225-1274 م) فتعتمد الأخلاق عنده على مفهوم "مبادئ العمل الأولى"، فجميع أفعالِ الفضيلة موصوفةٌ في القانون الطبيعي، ولكن من خلال استقصاء العقل وجد البشر أنها تساعد على العيش الكريم. والفضائل الأساسية عند الأكويني أربعة، وهي مُلزِمة للجميع (الحكمة والاعتدال والعدالة والثبات)، وهناك ثلاث فضائل دينية هي: (الإيمان والرجاء والمحبة)، وعنده أن الفضيلة الكاملة هي ما تكون مع المحبة. ويرى توماس الأكويني أن الجشع هو خطيئة ضد الله مثل جميع الخطايا المميتة. كما ميّز بين أربعة أنواع من القوانين التي تحكم حياة البشر: (أبدية، وطبيعية، وإنسانية، وإلهية).

وبشكل عام، فإن مفكري هذه الحقبة دمجوا العقيدة الدينية المسيحية مع بعض عناصر الفلسفة الكلاسيكية، مؤكدين أن الهدف النهائي للأعمال البشرية هو الحصول على الخير، ليكون (الإنسان) سعيدا، وأن الهدف النهائي للسلوك البشري هو المحبة، والتي لا يمكن تحقيقها إلا إذا عاش المرء مع الإنجيل.

وكان من فلاسفة ومفكري وعلماء هذه الحقبة الذين كان لهم إسهامات في علم الأخلاق أسقف كانتربري أنسلم، وكان يرى أن الإيمان يجب أن يسبق المعرفة، والفيلسوف الفرنسي بيتر أبلار، الذي يعتبر شعلة ألهبت عقل أوروبا في القرن الثاني عشر الميلادي، والراهب الإنجليزي وليم الأوكامي، والشاعر الإيطالي دانتي.