شعار قسم مدونات

أشياء في الذاكرة.. أوراق ملونة

صورة خاصة تظهر جزء من مدينة صنعاء
الكاتب: لا زال سكان الريف من تهامة إلى المهرة وصعدة وحتى أرياف صنعاء اليمن يستمعون إلى الإذاعة (الجزيرة)

بمعيار الإذاعات الناجحة كانت إذاعة صنعاء إذاعة متميزة، وكانت بالنسبة لكثيرين واحدة من أهم أشكال التزود بالثقافة والمعرفة والفن والتراث عبر برامج منتقاة وتعد بعناية في الثقافة والفن والتراث الشعبي والحكايات والدراما وقضايا المجتمع والمنوعات والأحداث.

كانت كذلك بالنسبة لي، وأتذكر موعدي الذي أنتظره ظهيرة كل يوم مع صوت من أجمل الأصوات في ذلك الزمن، ولا أعتقد أن يمنيًا لا يتذكره في زمن الإذاعة الحميم، الذي كان يصل إلى كل مكان فهو رفيق العمال والمزارعين والنساء والطلاب والسائقين وكل الناس تقريبا، كما تصل موجات أثير إذاعة صنعاء لكل مكان في اليمن.

لا أنسى صوت المذيعة اليمنية عايدة الشرجبي الذي كان يطوف أرجاء اليمن، وكنت أستمع له في بواكير عمري منذ بدأت علاقتي بالإذاعة في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات.

صوت دافئ وقوي ومختلف عن أقرانه قلما تجد مثله بين الأصوات اليمنية في التلفزيون أو الإذاعة، فرغم أن اليمني يتقن العربية بشكل جيد فإن التحدث باللغة العربية الفصيحة بالنسبة له يظهر مختلطا بلكنة يمنية واضحة حسب منطقته ولهجته المحلية، وفي اليمن لهجات كثيرة منها ما هو صنعاني وتعزي وعدني وحضرمي وتهامي وسقطري إلى آخر ذلك من اللهجات.

لا أعلم أين اختفى صوت عايدة الشرجبي منذ سنوات طويلة ولا أدري أين هي الآن لكنها صوت يمني مميز

كان "أوراق ملونة" أو "واحة اليوم" البرنامج الإذاعي الذي لم أكن لأفوته بوصفه وجبة يومية من الجمال والثراء والبساطة، وجمال الإعداد والإلقاء الصوتي، وأتذكر أنه كان يشاركها في تقديمه الراحل عقيل الصريمي ومحمد الشرفي.

وقبل أن أتعرف إلى كتب التنمية الذاتية، كان البرنامج ومن خلال فقرات يعطيك جرعات في العلاقات والصداقات والحياة، بالإضافة إلى مجموعة من الحكايات في الأدب والشعر والكتب والشخصيات والفن وبعض الطرائف والغرائب.

عرفت وجوها إذاعية كثيرة وتلفزيونية أيضا، ولكن ما يميز عايدة الشرجبي أنها لم تكن تميل للتقعر والتفخيم الذي كان يطبع أداء كثير من المذيعين في التلفزيون والإذاعة؛ فصوتها بسيط وغير متكلف، وأداؤها خفيف على الأذن والروح، ولذلك نجحت برامج إذاعية كثيرة كانت تعدها وتقدمها.

احتفظت إذاعة صنعاء بمستواها وقتا طويلا، ثم جاء زمن التلفزيون وتبعته مواقع التواصل الاجتماعي، فاحتلت موقع كل شيء جميل لصالح ما ترونه من استسهال وفوضى في المادة والمحتوى.

في بلد فقير كاليمن بمناطقه الجغرافية الشاسعة لا زال سكان الريف من تهامة إلى المهرة وحضرموت وصعدة وحتى أرياف صنعاء وريف تعز المترامي وكل الريفيين في اليمن يستمعون إلى الإذاعة رغم امتلاك بعضهم شاشات وتلفونات، أما الكثير منهم فلا زالوا يعيشون عصور ما قبل الإذاعة، واستغربت مثلا أن والدتي رغم بقائها في عاصمة خليجية عدة أشهر كانت تفضل البقاء مع الراديو ساعات طويلة، وعندما عادت إلى ريف اليمن كانت أجمل هداياها "راديو" من طراز قديم، رغم أن في جوارها شاشة تلفزيون تشتغل على مدار 24 ساعة بفضل الطاقة الشمسية.

هناك أسماء يمنية كثيرة في هذا المجال، وأصوات إذاعية ووجوه تلفزيونية ومعدون ومخرجون، لكن أكثر ما أفزعني في السنوات الأخيرة الطريقة التي يرحل بها المبدعون في اليمن، وكان آخر ذلك رحيل الصوت الإذاعي الشهير في إذاعة صنعاء عبد الملك العيزري

وقد نسمع خلال الأشهر القادمة مع إعلان بعض دول أوروبا انقطاع التيار الكهربائي ساعات وربما أكثر من ذلك أن الإذاعة استعادت ألقها، من يدري!؟

لا أعلم أين اختفى صوت عايدة الشرجبي منذ سنوات طويلة، ولا أدري أين هي الآن، لكنها صوت يمني مميز أزعم أن كل يمني سيقرأ هذا المقال يتذكر ذلك الوقت الجميل الذي كان يقضيه مع تلك اللحظات وذلك الصوت.

ظل الشاعران الكبيران الأستاذ عبد الله البردوني والدكتور عبد العزيز المقالح يعدان سنوات طويلة برنامجين في إذاعة صنعاء ثريين بكل ما هو فكري وأدبي وفني في الثقافة العربية واليمنية، وكان رصيد الإذاعة عامر بالبرامج المتنوعة والمسلسلات، ويمكن إعادتها بشكل جديد مع ظهور البودكاست.

هناك أسماء يمنية كثيرة في هذا المجال، أصوات إذاعية ووجوه تلفزيونية ومعدون ومخرجون، لكن أكثر ما أفزعني في السنوات الأخيرة الطريقة التي يرحل بها المبدعون في اليمن، وكان آخر ذلك رحيل الصوت الإذاعي الشهير في إذاعة صنعاء عبد الملك العيزري الذي رحل في حالة من العوز والفقر والمرض بعد إصابته بالعمى، صورته في آخر أيام حياته تثير الألم والحسرة معا، إذ تضع علامات استفهام كثيرة حول أوضاع المئات من المبدعين اليمنيين في كافة مجالات الثقافة  والفنون والإعلام الذين خفتت أصواتهم بعد أن قادت الحرب بلدا وأمة كاملة إلى مصير مجهول.

هذه تحية ملونة من أيام الزمن الجميل لعايدة الشرجبي ولكل زملائها الذين لا زالوا بيننا أو الذين رحلوا، وبطاقة معايدة محملة بكثير من الحنين والأسى على زمن لن يعود، لكنه بقي في الذاكرة يقاوم.