شعار قسم مدونات

جمهورية "العبث"

في السابع من أكتوبر/تشرين الأول اجتمع الرئيس التونسي قيس سعيّد برئيسة وزرائه نجلاء بودن، في ذروة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تونس بوجود طوابير يومية بين من يبحث عن الوقود ومن يبحث عن السكر أو الزيت أو غير ذلك من المواد الأساسية. وكان فحوى اللقاء تفطّن رئيس الجمهورية إلى أن قانونه الانتخابي الذي كتبه هو نفسه فيه هنات في مسألة تزكيات المترشحين للانتخابات التشريعية، مع إعلان عزمه تغييره. إن من غير المقبول عدم مواكبة رئيس الجمهورية للمشاغل العاجلة للشعب، فالفيديو الوحيد الذي ظهر يتحدث فيه عن هذه الأزمة هو حديثه لوزير الفلاحة عن تفطنه إلى أن مسؤولين من الوزارة استعملا سياراتهما الإدارية لحضور اجتماع معارض له، في وقت ينتظر فيه الشعب حلولا عاجلة لمسائل حياتية، لكن الأدهى هو عبث رئيس جمهورية بقوانين الدولة، وهو الذي أمضى عمره في تدريس القانون أستاذا مساعدا في الجامعة التونسية.

حذر العديد من الملاحظين من أن القانون الانتخابي الجديد يفتح أبواب فساد ومال سياسي قذر، لكن العجيب في الأمر أن الرئيس التونسي لم يتفطن إلى ذلك إلا بعد أن بدأت العملية الانتخابية وظهر ما خُشي منه. غير أن الأغرب إعلان عزمه تغيير قوانين العمليّة الانتخابية بعد أن بدأت فعلا، وهو ما لم يحدث قط حتى في أعتى الدكتاتوريات عند تنظيمها لانتخابات صورية، لكن ليس هذا التعديل القانوني الغريب هو الأول لقيس سعيد.

فقد قرر سعيد تغيير الدستور التونسي بصفة فردية، وشكّل لذلك لجانا لكتابة الدستور، متكونة من أكثر المساندين له.. وبعد أسابيع من المداولة تم تسليمه مسودة الدستور، إلا أنه نشر نسخة ليس لها أي علاقة بعمل اللجان، مما جعل رئيس هذه اللجان، العميد الصادق بلعيد، يتبرأ منه، ويقول إن قيس سعيد كتب الدستور وحده.

تعرضت النسخة المقدمة من قيس سعيد لانتقادات شديدة لتعدد الأخطاء الشكلية والنحوية وحتى القانونية. ولكن حسب القانون الذي سنّه قيس سعيد نفسه، فقد دخلت النسخة في الأول من يوليو/تموز الماضي في مرحلة عرضها على الاستفتاء يوم 25 يوليو/تموز، ولا يمكن -حسب القانون- التعديل. ولكنه ضرب بكل القوانين عرض الحائط، وأعلن بعد أسبوع أن أخطاء تسربت إلى النسخة المقدمة، وقام بالعديد من التعديلات عليها، بعضها جوهري يتجاوز الأخطاء المادية واللغوية إلى ما يمسّ حذف قواعد ووضع قواعد أخرى جديدة، في مشهد سريالي عجيب.

قبل ذلك، كان عبث رئيس الجمهورية قيس سعيّد بالدستور قد بدأ منذ تولّيه السلطة عبر تأويلات غريبة لفصول دستور 2014 في مواجهة مجلس نواب الشعب والأحزاب الحاكمة والحكومات السابقة، حاول كل مرة بمقتضاها زيادة سلطاته وصلاحياته مقابل التضييق على بقية رؤوس ومؤسسات السلطة في تونس.

العبثية، تعتبر أقصى مراحل الشعبوية، حيث يتم نسف القانون لتصبح المزاجية هي القانون نفسه مما ينذر بالدخول في سرداب من التوتر قد يصعب الخروج منه قريبا

مسلسل عبث الأستاذ المساعد للقانون الدستوري بالقوانين والدستور، في أقل من عام ونصف، طويل جدا.

ففي 30 مارس/آذار الماضي أعلن قيس حل البرلمان التونسي إثر عقد عدد من النواب جلسة افتراضية لتحدي قراره بتجميد أعمالهم. وقد اعتمد قيس سعيد في قراره على تأويل الفصل 72 من دستور سنة 2014، الذي ينص على أن "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، ورمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمراريتها، ويسهر على احترام الدستور".

لكن التناقض الحقيقي أن قيس سعيّد نفسه أعلن قبل يومين فقط من قراره ذاك أن الدستور نفسه لا يتيح له حلّ البرلمان، وأنه يحترم الدستور ولا يمكن له خرقه، بل كان أيضا أعلن سابقا ليلة اتخاذ الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو/تموز 2021 أنه اتخذ قراراه بالتجميد فقط باعتبار أن الدستور لا يخوّل له حلّ مجلس النواب، قبل أن يناقض نفسه بنفسه ليقوم بحلّه فعلا لاحقا بعد أشهر.

العبث بالدستور أصبح سمة الرئيس قيس سعيّد، خصوصا أنه قد اعتمد على الفصل 80 للقيام بتجميد البرلمان رغم أن الفصل ذاته ينص على بقاء البرلمان في حالة انعقاد دائم في صورة اتخاذ الرئيس قرارا بفرض الحالة الاستثنائية.

قرارات قيس سعيد المتناقضة تكاد لا تعدّ، ففي فبراير/شباط الماضي أعلن الرئيس حله للمجلس الأعلى للقضاء، وتشكيله مجلسا آخر بديلا عنه عيّنه هو نفسه، وأصدر مرسوما في الغرض يضع قواعد جديدة لتنظيم مجلس وقتيّ للقضاء من دون الرجوع إلى أي جهة كانت.

ولم تنحصر مواقف سعيّد إزاء القضاء عند هذا الحد، بل عندما أراد سعيّد عزل عشرات القضاة من القضاء، ورفض مجلس القضاء الوقتي الذي عيّنه هو بمرسومه وأوامره السابقة الاستجابة لطلبه، عمد بكلّ بساطة إلى تنقيح مرسومه السابق الذي أصدره بمفرده قبل أسابيع فيما يخص تنظيم سلطة القضاء والمجلس الوقتي للقضاء، وأعطى لنفسه هذه المرة بوصفه رئيسا للجمهورية سلطة إعفاء القضاة، وأصدر في الليلة نفسها في شهر يوليو/تموز الماضي وتزامنا مع ذلك المرسوم الجديد وتنفيذا فوريّا له أمرا بعزل 57 قاضيا، بقرار فردي ومن دون العودة إلى المجلس الأعلى للقضاء الذي عيّنه هو نفسه. واعتمد في قراره على تقارير أمنية، ومنع في مرسومه القضاة المعزولين من الاعتراض حتى استيفاء كل مراحل التقاضي في الشبهات المنسوبة إليهم.

مواقف قيس سعيّد هذه تكررت وتمادت سواء في تعامله مع الدستور أو القوانين أو في تعييناته أو في تصريحاته، حتى أصبحت العبثية سياسة الدولة الجديدة، لعلّ آخرها إعلان طلب عروض خاصة بدراسة جدوى لمشروع المدينة الصحية بالقيروان، أي إن المشروع ما زال مجرد فكرة لم تُدرس جدواها، وذلك بعد أن أعلن الرئيس مرارا وتكرارا طوال 3 سنوات أن المشروع جاهز للإنشاء وتمويله جاهز، إلا أن أعداءه هم من يعطّلونه.

إنّ هذه العبثية، تعتبر أقصى مراحل الشعبوية، حيث يتم نسف القانون لتصبح المزاجية هي القانون نفسه مما ينذر بالدخول في سرداب من التوتر قد يصعب الخروج منه قريبا.