شعار قسم مدونات

صراع الأخلاق.. كيف يتجلى في مرآة الإسلام (2)

blogs النسوية
برزت أفكار ومفاهيم سلوكية انقلابية جديدة تتعارض بالكلية مع مسيرة الحياة البشرية على مدى القرون السابقة (رويترز)

ازداد الحراك الموجّه ضد الأخلاق ودورها في حياة المجتمعات والأفراد في الدول الغربية، بالتزامن مع موجات صعود الحركة النسوية والحركة المثلية، بدءا من سبعينيات القرن الماضي، اللتين تدعوان أساسا إلى أفكار ومفاهيم سلوكية انقلابية جديدة تتعارض بالكلية مع مسيرة الحياة البشرية على مدى القرون السابقة، فيما يشبه الحرب الضروس ضد النظام الأخلاقي الموروث بمرجعياته الدينية والعرفية.

وقد بدأنا التمهيد لهذه السلسلة في المقال السابق تحت اسم (رهاب الأخلاق)، بهدف تنوير القارئ بما يجري، بعد أن رأينا الزحف الكبير لهذه الأفكار والسلوكيات يقتحم بيوتنا، ويدمّر أخلاق أجيالنا، التي بدأت تتفكك لبناتها، واحدة تلو الأخرى، وتحتاج من الجميع إلى فهم متعمق لهذا الأمر، يساعد على تشكيل مواقف راسخة في مواجهة هذه الحرب التي تقتحم علينا سكوننا وهزيمتنا وضعفنا بألف وجه ولون.

على مر العصور تباينت تعريفات الأخلاق فيما بينها، من حيث اعتبار مرجعيتها تارة، ومن حيث اعتبار الجانب النظري أو التطبيقي، أو من حيث اعتبار سلطة التحكم، أو من حيث اعتبار الاتجاه الفكري، أو من حيث اعتبار الغرض منها، أو اعتبار تصنيفها إلى خير أو شر، أو اعتبار مركز السيطرة، العقل أم النفس أم القلب، أو اعتبار أصلها، هل هو غريزة أم طبع أم اكتساب؟

مرّت الأخلاق بوصفها مفهوما وعلما وفلسفة بثلاث مراحل رئيسية، سادت في حقب زمنية متوالية، على النحو التالي:

  • المرحلة الأولى: هي المرحلة الإغريقية، التي ساد فيها العقل بوصفه مصدر توجيه ومرجعية ومسؤولية عن الأخلاق والسلوك الأخلاقي.
  • المرحلة الثانية: مرحلة الفكر الديني، وقد ازدهرت في العصور الوسطى، والتي كان فيها الدين هو المرجعية العليا للأخلاق، سواء في الفكر الإسلامي أو الفكر الغربي.
  • المرحلة الثالثة: هي المرحلة المعاصرة، التي سادت القرن الماضي وحتى الآن، وتأثرت كثيرا بالظروف السياسية التي سادت النصف الأول من القرن، وما أفرزته من حروب عالمية مرعبة، وتهدف هذه المرحلة إلى الفصل بين الدين والأخلاق، وقد أخذ هذا التيار في التنامي طيلة النصف الثاني من القرن الماضي حتى الآن، محدثًا تقدما كبيرا في شتى المجالات، بالتزامن مع التقدم الذي حققته الحركتان النسوية والمثلية الجنسية.

في مفهوم الأخلاق

البحث عن مفهوم محدد للأخلاق، يتطلب الرجوع إلى آلاف الفلاسفة على مرّ العصور، ومختلف الحضارات، اللاتينية والبوذية والفرعونية والبابلية والآشورية والهندوسية والمسيحية والإسلامية.. وصولاً إلى الفلاسفة المعاصرين. وعلى مر العصور والأزمنة والتيارات، فقد تباينت التعريفات من حيث اعتبار المرجعية تارة، ومن حيث اعتبار الجانب النظري أو التطبيقي تارة أخرى، ومن حيث اعتبار سلطة التحكم تارة ثالثة، ومن حيث اعتبار الاتجاه الفكري تارة رابعة، ومن حيث اعتبار الغرض منها، أو اعتبار تصنيفها إلى خير أو شر، أو باعتبار مركز السيطرة، العقل أم النفس أم القلب؟ أو باعتبار أصلها، هل هو غريزة أم طبع أم اكتساب؟

يأتي اهتمامنا بالوقوف عند المعنى الاصطلاحي للأخلاق كمفهوم وكعلم، باعتبارهما مدار التأصيل والاحتجاج والإقناع، ليس بين أهل العلم فحسب، وإنما بين أصحاب القرار ومؤسساتهم من جهة، وبين الطبقة التكنوقراطية من جهة ثانية، وبين فئات الجمهور العام من جهة ثالثة، مما يجعل المفهوم هو المنطلق والأساس الذي تقوم عليه تفريعات العلم ونظرياته وأبحاثه بعد ذلك.

وسنبدأ في هذا المقال بعرض بعض التعريفات التي ساقها عدد من الفلاسفة والمفكرين المسلمين والعرب لمفهوم الأخلاق وعلم الأخلاق، من القدامى والمحدثين:

فالجاحظ (767-868م) في كتابه "تهذيب الأخلاق"، يعرّف الأخلاق بأنها حال النفس، بها يفعل الإنسان أفعاله بلا روية ولا اختيار، وأن الخُلق قد يكون عند البعض غريزة وطبعا، وعند البعض لا يكون إلا بالرياضة والاجتهاد، وأن التفاضل بين الناس في المجتمعات يكون بالآداب والمحاسن، لا بالأموال والأعراض، وأن الأخلاق الرديئة موجودة في طباع الناس، ومنهم من يتفاخر بها، وهم شرار الناس، وأما الأخلاق الحسنة فأصحابها ينتبهون لها بجودة فكرهم، وقوة تمييزهم على قبح الأخلاق الرديئة، بل يعملون لاجتنابها، وبذلك يكونون على طبع كريم ونفس شريفة، وأن على أصحاب الأخلاق القبيحة أن يتعاملوا مع العادات المحمودة، حتى ينصاعوا لها، ومن لا تحن نفسه لمفارقتها، ويؤثر الإصرار عليها، يكون تهذيبه بالقهر والتخويف، ثم العقوبة إن لم يرعوِ بالتخويف.

أما ابن مسكويه (932-1030م) في كتابه "تهذيب الأخلاق"، فيرى أنها حال للنفس داعية لها وإلى أفعالها من غير فكر ولا روية، وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب، ومنها ما يكون مستفادا بالعادة والتدرّب، وربما كان مبدؤه بالرويّة والفكر، ثم يستمر عليه حتى يصير ملكة وخلقا.

ويذهب عبد القاهر الجرجاني (1009-1078م) في كتابه "التعريفات" إلى أن الأخلاق هيئة للنفس راسخة، تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلاً وشرعاً بسهولة، سُميت الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا. ويدلل على أنها هيئة راسخة بقوله "لأن من يصدر منه بذل المال على النذور بحالة عارضة، لا يقال خُلُقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه، وكذلك من تكلّف السكوت عند الغضب بجهد أو روية، لا يقال خُلُقه الحِلم". ويميز الجرجاني بين القيمة الخلقية والسلوك الخلقي، فيرى أن الخلق ليس هو الفعل، فرب شخص خُلُقه السخاء، ولكنه لا يبذل إما لفقد المال أو لمانع، وربما يكون خلقه البخل، وهو يبذل إما لباعث أو رياء.

أما أبو حامد الغزالي (1058-1111م) في كتابه "إحياء علوم الدين" فلم يذهب بعيداً عما ذهب إليه الجرجاني، من أن الأخلاق هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية. ويرى أن حسن الخلق لا يتحقق للإنسان إلا عندما يزيل جميع العادات السيئة التي عرّف الشرع تفاصيلها، ويجعلها بحيث ينفضها فيتجنبها كما يتجنب المستقذرات، وأن يتعود العادات الحسنة ويشتاق إليها فيؤثرها ويتنعم بها. فالخلق عند الغزالي ليس هو فعل الجميل أو القبيح، ولا القدرة على فعل الجميل أو القبيح، ولا التمييز بين الجميل والقبيح، وإنما هو الهيئة التي بها تستعد النفس لأن يصدر عنها الإمساك والبذل، ﻓﺎﻟﺧﻠق هو ﻫﯾﺋﺔ اﻟﻧﻔس وﺻورﺗﻬﺎ الباطنية، وهذه الصورة لها أرﺑﻌﺔ أرﻛﺎن لا بد ﻣن اﻟﺣﺳن ﻓﻲ ﺟﻣﯾﻌﻬﺎ ﺣﺗﻰ ﯾﺗم ﺣﺳن اﻟﺧﻠق، وهي: ﻗوة اﻟﻌﻠم، وﻗوة اﻟﻐﺿب، وﻗوة اﻟﺷﻬوة، وقوة العدل.

يميز الدكتور محفوظ عزام بين ثلاثة أنواع من السلوك: السلوك الناتج عن الغرائز الطبيعية والعادات الفردية، وهذه مقاومتها صعبة وعسيرة جدا، والسلوك الناتج عن العادات الاجتماعية والعرف الاجتماعي، وفيه الكثير من الثبات والجبر، والسلوك الناشئ عن العادات الأخلاقية، وهذا النوع يلتزم به الإنسان خوفا من العقاب.

في مفهوم علم الأخلاق

يرى أحمد أمين (1886-1954) في كتابه "كتاب الأخلاق"، أن علم الأخلاق علم يوضح معنى الخير والشر، ويبين ما ينبغي أن تكون عليه معاملة الناس بعضهم بعضاً، ويشرح الغاية التي ينبغي أن يقصدها الناس في أعمالهم، وينير السبيل لعمل ما ينبغي، وأنه يبحث عن أعمال الناس فيحكم عليها بالخير أو الشر، ولكن ليست كل الأعمال صالحة لأن يحكم عليها هذا الحكم، فكثير من الأعمال لا يصح أن يقال عليها خير ولا شر، مثل: الأعمال غير الإرادية كالتنفس ونبض القلب، فهذه ليست موضوع علم الأخلاق ولا نحكم عليها لا بخير ولا شر.

أما الدكتور رشاد دارغوث (1907-1984) في كتابه "أبحاث في التربية المدنية والأخلاق"، فيرى أن علم الأخلاق يبحث في أعمال البشر منفردين، وفي تصرفاتهم مجتمعين، ويبين الغاية النهائية التي يجب أن ينشدها الناس في تلك الأعمال، ويرسم الطريق المؤدي إلى تلك الغاية. فطالب العلم إنما يطلبه نشدانا للقوة، وطالب المال إنما ينشده طلبا للسعادة، والزاهد المتعبد إنما يزهد في الدنيا رغبة في الخلود والنعيم. ويرى أن الإنسان مسؤول خُلُقياً عما يعمل، وهو فاقد لشعوره إذا لم يحتط للنتائج، وهو مسؤول عن عاداته التي يأتيها دون إرادة، بل ضد الإرادة أحيانا، لأن العادة عبارة عن عمل إرادي متكرر. فعلم الأخلاق يبحث في الأعمال الاختيارية الإرادية، وما بوسعنا الاحتياط إليه من الأعمال غير الإرادية وقت الشعور والانتباه. وهو يبحث غايات البشر، وما ينبعث عنها من أعمال، فيحكم عليها إن خيرا وإن شرا.

ويرى الشيخ محمد عبد الرحمن بيصار (1910-1982) في كتابه "العقيدة والأخلاق في الفلسفة الإسلامية"، أن من الصعب على مؤرخي علم الأخلاق إيجاد تعريف موحد لهذا العلم، يتصف بالكمال والشمول والدقة، ومرجع هذه الصعوبة إلى اختلاف التصورات واتساع المفاهيم على مر العصور عند الأمم، وإلى تعدد الموضوعات التي يتناولها علم الأخلاق بالبحث والدراسة، فقيل هو علم العادات، وقيل هو علم الإنسان، وقيل هو علم الخير والشر، وقيل هو دراسة الواجب والواجبات، وقيل هو العلم بالفضائل وكيفية اقتنائها، والرذائل وكيفية توقيها.

أما الدكتور محفوظ علي عزام (1940-2019) فيرى في كتابه "الأخلاق في الإسلام بين النظرية والتطبيق"، أن الأخلاق هي المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني التي يحددها لتنظيم حياة الإنسان على نحو يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على الوجه الأكمل والأتم. ويرى أن موضوع علم الأخلاق هو السلوك الإنساني من حيث كونه خيرا أو شراً، وهو في دراسته لهذا السلوك يقوّمه وفق معيار أخلاقي معين، أي أن هذا العلم يهتم بالقيم لا بالوقائع، فهو يدرس ما يجب أن يكون لا ما هو كائن بالفعل، أما ما هو كائن فعلاً من السلوك الإنساني فقد تكفل به علم النفس وعلم الاجتماع. ويميز عزام بين ثلاثة أنواع من السلوك: الأول هو السلوك الناتج عن الغرائز الطبيعية والعادات الفردية، وهذه مقاومتها صعبة وعسيرة جدا، والثاني هو السلوك الناتج عن العادات الاجتماعية والعرف الاجتماعي، وفيه الكثير من الثبات والجبر، مع اختلاف العادات الاجتماعية من بيئة إلى أخرى زماناً ومكاناً، أما النوع الثالث فهو السلوك الناشئ عن العادات الأخلاقية، وهذا النوع يلتزم به الإنسان خوفا من العقاب.

(يتبع..)