شعار قسم مدونات

عزاء لشيخنا اباه في رحيل رابع النجباء

جامع النباغية (مواقع التواصل الاجتماعي)
محمدي ولد المصطفى

أوَّلَ ما رأيت اسم العلّامة الأريب والشاعر الأديب محمدي ولد المصطفى رأيته محلًّى بهذه الأوصاف ومقرونا بها في تقاريظ كتاب "مرام المجتدي من شرح كفاف المبتدي" ذلك الشرح الفريد الذي وَشَتْهُ "يدا حَسَنِ الأفعال حلو الخلائق" شيخنا العلامة محمد الحسن ولد أحمدُّو الخديم حفظه الله.

تحوي تلك التقاريظ على عشرات من فرائد القصائد ونتائج القرائح وغرر النثر لكبار علماء القطر الشنقيطي وأدبائه، وبين ثنايا ذلك الأدب الْمُجْتَهَدِ عليه لمكانة المرسِلين وسعة باع المرسَل إليه في "المقول" و"طول عينه" فيه كانت قصيدة شيخنا محمدي ولد المصطفى "روضة… ملونة الأزهار غيد البواسق".

فقصيدة محمدي وإن كان "قافية" تزكي متنا فقهيا وشرحه فإن برودة الفقه ويبوسة المتون لم ينالا منها فجاءت جزلة الألفاظ منسابة المعاني تستدعي ذكريات أبي الطيب "بين العُذَيب وبارق" وتجمع إلى رقة أبي عبادة البحتري حين يطربه "مسرى النسيم" نفثات حبيب بن أوس ساعةَ "تهيجه للوصل أيامه الأولى"، مع شجو الحمداني يوم شاقه "شدو ورقاء بين الحدائق"، كما أخذتْ على نفسها في الوفاء لروائع أسلافه العلويين "عهدا من أمهات الوثائق" المغلظة بحرمة مكانة "اليُنَيبيع" وأصائله الفتانة.

في أدبيات تقاريظ الكتب وتزكيات المصنفات يُشيد كل مقرظ بما يُؤثر؛ فمن مادح لفكرة يراها مدار الكون، ومن مُثْن على فهم أعجبه، ومن مُطْر لتأويل استهواه، ومن مشيد بأسلوب استحسنه، ومن مثمن لجهد يرى أنه أرهق المؤلف، وكل تلك الثناءات والمرتكزات تعبر عن ما يشغل بال المقرِّظ فكأنها مرآة تعكس هموم القائل فتتراءى للقارئ دواخل نفسه وهواجس يومه وأمسه وغده، سيما إن كان ممن يستحضر سؤال الحق سبحانه عن السمع والبصر والفؤاد والنطق، وحين ننظر في تلك القصيدة العصماء على ضوء تلك الأدبيات والأسس نجد أن شيخنا محمدي كان مشغول البال بمبدأ الإخلاص:

ولكنه ما كان لله وضعه … يروق بعين المعتدي والمصادق

تناسى لوجه الله كُلَّ قَرابةٍ …. فقام بحق صادعا فِعْلَ صَادِقِ

كما أنه كان مهموما بالمواءمة بين جمود الفقه وإشراقات الروح، وحين رأى "مرام المجتدي" يفي بذلك شدا منشدا:

فقد كان بين الروح والفقه وحشة … ولم يك في حال لها بموافق

فكانت من الآداب تمشي وتغتدي … قواقزها مقروعة بالأبارق

ولكن طبع الفقه عاد بشرحه … رقيق الحواشي رائقا كالشقائق

وقد عاد للأرواح وهو ملائم … وعادت تعاطيه كؤوس التصادق

وحين وصل في القصيدة إلى ذكر العلامة محمد مولود ولد أحمد فال (ت: 1323هـ) ناظم "الكفاف" تساءل عن مصاحبة العمل للعلم في سيرته:

فقد فاق في علم وفي عمل وهل … هنالك فضل ليس فيه بسابق؟

ثم ذكر الصفة الأبرز التي جذبته إلى "آدَّه" وهي صفة الخمول:

وكان لإيثار الخمول مكانه … أشدُّ خفاء من خدور العواتق

وصفة الخمول هذه وإيثارها من الصفات التي قلَّت في هذا الزمان وندرت في عصرنا، وقد كان المأسوف عليه محمدي ولد المصطفى متصفا بها مُؤْثرا لها في دينه، حامدا لها في دنياه، وما رأيت مثيلا له في ذلك إلا في قلة من الناس منهم ابن عمه وقريته القاضي المرحوم الشيخ السيد ولد أحمد ولد اباه (ت:1441هـ) -رحمة الله عليهم- فهذان العالِمان آثرا التبتل والخمول على سواهما، وأَنِسا بالكتب وإفادة الواردين عليهما في مجالسهما العامرة بذكر الله وشمائل نبيه صلى الله عليه وسلم.

وقد اقتنص أستاذنا الشيخ محمد ولد بتار هذه المعاني فخلّدها أحسن تخليد وسجّلها أروع تسجيل في رثائه البديع للقاضي السيد وهي دالة "دلالة مطابقة" على شيخنا محمدي ولد المصطفى فقال:

طوى سرَّه المكنون غيبا عن الورى … ولم يُطو عنهم بشره وفواضله

وعاش بأصداف التبتل درة … لها العلم بحر والسيادة ساحله

وكانت له الدنيا مواعظ فاهتدى … بما اشتبهت للناظرين محامله

توارى بأستار الخمول تواضعا … فلم تَبْدُ من معناه إلا مخايله

على ثَبَجٍ من دونه الموج لم يكن … ليبلغه حق الزمان وباطله

نداماه كُتْبٌ تنتقى وحديثه … عن الحِب كأس والشَّمول شمائله

مظهر ومخبر

ذات عشية من عشيات "ذات النبوغ" في مجلس شيخنا لمرابط اباه ولد عبد الله –حفظه الله- رأيت شيخا وقورا منور الوجه يملأ حيزا مكانيا بسيطا لكن جميع الحاضرين ينظر إليه بإجلال وإكبار بمن فيهم شيخنا اباه الذي كان يحيل إليه ويقول: اسألوا محمدي، وكان محمدي يجيب الأسئلة بعد الدرس بأدب ووقار غير متكلفين وبنفَسِ صوفي مخبت، وبعض الأحايين يستشكل.

جمال ولد الحسن

وفي الدرس يسأل فيذكرك حسن سؤاله وبراعة جوابه بقوله هو في جمال ولد الحسن:

يحلو سماع سؤاله وجوابه ….. لله منه جوابه وسؤال

كما أن تواضعه الجم وجلوسه الهادئ بعد صلاة العشاء الآخرة في طرف الحلقة يُلقي في روع رائيه قوله أيضا:

ويكون في الأنداء في أطرافها …

لكنه طرف عليه جلال

طرف تجلله جلال تواضع … ما لم يجدَّ الجد والأهوال

طالما ذكَّر مرأى محمدي ولد المصطفى بوجهه المنور ولحيته الوقورة وعلمه الوفير وأدبه الجم ونحول جسمه بعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- وحين يقترب المرء منه أكثر سيجد أنه:

جارٍ على ما اقتضاه ظاهر أبدا … فما تباين إظهار وإضمار

كما يقول هو في القانت الأواه الشيخ محمد المختار ولد بدي (ت: 1430هـ).

اقتربت أكثر من الشيخ محمدي ولد المصطفى وأحببته ككل من رآه، فهو من الذين يشعر كل من يلقاهم أنه من خاصته لطيب معشره وسماحة أخلاقه، وفي بيته المشيد بطين الزهد وماء المروءة زرته مرارا وتكرارا فأتحف بالفوائد وآنس بالفرائد:

فله أَمالٍ وُشِّحَت بنوادر … ولديه من سحر الحديث حلال

ومحاضرات تطبي لا سيما … إن ضاق عند النابيات مجال

إن صناعة الرجال وتخريج العلماء بالتدريس والمذاكرة أمنية عالية تمناها أفذاذ المصلحين وهدف كبير سعى له المخلصون، ولم يوفق له إلا القلائل ولم ينجح فيه سوى النوادر منهم شيخنا اباه

مدرسة اباه

وبعد؛ فهذان البيتان أعلاه من رثاء المرحوم محمدي ولد المصطفى للدكتور جمال ولد الحسن -رحمهما الله- ومعظم ما في القصيدتين اللتين رثاه بهما يصدق على محمدي نفسه؛ إذ الرجلان يخرجان من مشكاة شيخنا اباه ولد عبد الله ومتخرجان من مدرسته الفريدة في العلم والأخلاق والسلوك المرضي وصناعة الرجال، وهي مدرسة كوَّنت بهدوء مئات الرجال الذين نشروا العلم في المعاهد والجامعات والمحاضر وتدارسوا فنون العلم بأدب وحرروا المسائل بذكاء واطلاع، وتعاطوا غرر الأدب إنشاءً وإنشادا ببراعة وإبداع.

وكان أول الراحلين من ثمار ذلك الغرس المبارك الشيخ الداعية العلامة أحمد بدي ولد محمد المختار ولد بدي الذي غادر الدنيا عام (1404هـ/ 1983م) عن عمر عريض طوله 32 عاما ملأها علما ودعوة ونبوغا، وكان رأس الناجحين في أول مسابقة يجريها المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية وهو صفي وخِلٌّ وَفَيٌّ لمحمدي ولد المصطفى، ثم اختطف الموت عام (1422هـ) جمال ولد الحسن فكان ثاني أفراد النبوغ رحيلا من رجال مدرسة اباه، وعند رحيله المفاجئ توقف محمدي ولد المصطفى هنيهة مع الأقدار المحتومة ثم قال:

دواء داء المنايا أن ترى أبدا … على ترجٍّ من المولى وإشفاق

وبعد "جمال الأجيال" رحل راهب العلم والبحث والزهد في الشهرة القاضي الشيخ السيد ولد أحمد ولد اباه، ثم ودعت النباغية بعده يوم 18 ربيع 1444هـ  الشيخ محمدي ولد المصطفى الذي نعاه طلاب العلم في اليمن والجزائر والمغرب وأفريقيا وغيرها من مشارب شتى وبَكَوه بحرقة الوفاء وحسرة الفقد على انثلام الدين وخسارة العلم والزهد، وذكروا من فوائده ومؤلفاته الشيء الكثير، ومن لطيف الموافقات أني لقيت الصديق هشام التلمساني يوم وفاته مصادفة فكان حزينا كاسف البال وذكر لي ما أعرف من مناقب الفقيد الشيء الكثير سيما سخاؤه بالعلم والمال لطلاب العلم المغتربين وغيرهم وحبه لآل البيت إذ كان يؤثر الشريف هشاما دائما، ويقول كالمعتذر للبقية: "هذا من الله، آل البيت فضلهم الله".

أساتذة النباغية

ومن طبقة الفقيد محمدي ولد المصطفى من جيل التأسيس في محظرة النباغية صديقه الأستاذ الشيخ محمد عبد الله ولد محم -حفظه الله- إمام الجامع العتيق بالنباغية ذلك المحدث الظريف صاحب الأسئلة التحررية الحارقة التي يطرحها على شيخنا اباه في مساءات الجمعة فتتوارد درر العلم ونفائس الفوائد فيعلق الإمام بتعليقاته المعهودة التي تنشر البِشر في أرجاء ذلك المجلس المبارك المفعم بالعلم والسكينة، ومن الطبقة بل من أعلاها الشيخ العلامة محمد الحافظ ولد السالك -حفظه الله- وارث علمي "النح" و"اباه" وسفير الثقافة الشنقيطية إلى يمن الحكمة والإيمان وأحد أساتذة التبريز في المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية وغير هؤلاء ممن نشروا العلم في أرجاء المعمورة أو وردهم طلابه من أنحاء العالم وفي مقدمتهم أساتذتنا المعروفون المقيمون في المحظرة بعميدهم الشيخ الأصولي القاضي العلامة محمد سعيد ولد بدي، حفظهم الله.

إن صناعة الرجال وتخريج العلماء بالتدريس والمذاكرة أمنية عالية تمناها أفذاذ المصلحين وهدف كبير سعى له المخلصون، ولم يوفق له إلا القلائل ولم ينجح فيه سوى النوادر منهم شيخنا اباه، ومن محورية هذا الهدف عند رواد الإصلاح والتجديد أن عبقريهما محمد عبده (ت: 1323هـ) حين كان في منفاه ببيروت بعد فشل الثورة العرابية واتجاه عزمه نحو الإصلاح الفكري والعلمي باعتباره مقدمة للإصلاح الشامل كان التفكير في الطريق الأمثل للوصول إلى مبتغاه يملأ وقته ويستولي على عقله ولبه.

وفي ثنايا ذلك التفكير المرهق لقي الشيخ الإمام محمد عبده العالم المغربي إبراهيم التادلي (ت: 1311هـ) في لبنان عائدا من حجه فكان من بين الأسئلة التي وجهها إليه محمد عبده: "هل في المغرب اليوم مؤلفون في أصناف العلوم المختلفة؟ فأجابه التادلي: نعم يوجد مؤلفون في المغرب إلا أن العلم لا ينتشر بقوة التأليف وإنما ينتشر بقوة التدريس وكثرة المذاكرة الشفوية، وعلق الأستاذ الإمام على قوله: "بأنه أحسن ما سمعه من كلامه"، ومن هنا بدأ محمد عبده تفرغه لذلك المشروع الإصلاحي الذي أخرج عباقرة الفقه والفكر والسياسة والإعلام من رواد النهضة الإسلامية الذين ترجم لهم محمد رجب البيومي وغيره في كتب مشهورة.

هكذا أخرجت محظرة النباغية مدرسة متفردة من نوادر الرجال وأرباب النبوغ فإلى مؤسسها شيخنا اباه ولد عبد الله والأساتذة الكرام وذوي الشيخ الزاهد المتبتل خالص عزائنا، وسلونا أنه:

ما فاته أول المختار في عمل … إذ لم يزل وهو للمختار مختار

واختاره لجوار منه خالقه … ويخلق الله ما يشا ويختار

وبين قول الفقيد من قصيدته "المختارية":

من ذا من الشعراء اليوم يسمعنا … تحبير أوصفه إذ هن أزهار

وقول أستاذنا الشيخ محمد ولد بتار في شاعر الحرية الشيخ ولد بلعمش:

عجبت لمن يرثيك بالشعر بعدما … هوى بك ركن من دوائره الخمس

عزفتَ عن الدنيا بصدقك خاليا … فما سرت نحو الرمس إلا من الرمس

أقول كما قال الأخير في "مختاريته":

رثاؤك ما في القلب لا في القصائد … وصدق البكا ما في العيون الجوامد

وعين الرضى ترنو إلى محكم القضا … بعبرة مُثْنٍ خلف هذي المحامد

كما كان جد الفقيد العلامة محمد ولد الداه (ت: 1374هـ) عالما نحريرا ضعيف البنية قوي الهمة ذا وجه منير وَضَّاء، ووري الثرى في مقبرة "المليحة" بضواحي النباغية، وقد التحق به حفيده محمدي ولد المصطفى في تلك البلدة لنستحضر قوله في الختم:

فيالها بلدة قد حل طيبة … ضيف لرب غفور جاره جار

فالجار قد كان قبل الدار يطلبه … فسره مطلباه الجار والدار

فالله يجزيه عن كل بأفضل ما … به يجازى على الخيرات أخيار

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.