شعار قسم مدونات

"حتجيب عيال إمتى".. لماذا لا نحترم خصوصيات الآخرين؟!

الكل يسعى لحلم الأبوة والأمومة وبالتأكيد الأطفال زينة الحياة الدنيا (الألمانية)

رزقني الله أنا وزوجتي قبل فترة قصيرة طفلة جميلة بحمد الله اتفقنا معا على تسميتها (نجد)، ورغم أن هذا الخبر المنتظر أسعدنا كثيرا، ونحمد الله على هذه الهدية الربانية؛ إلا أن القصة في هذا المقال ليست عن هذا الخبر، وإنما عن موضوع آخر اعتقد أن الوقت أصبح مناسبا جدا للكتابة عنه، من أجلي ومن أجل مئات العائلات في شتى أنحاء العالم التي تأخرت قليلا أو كثيرا في الإنجاب، وأصبحت تعاني بصمت وهي تواجه سهام المجتمع الحارقة التي تحكم على كل زوجين لم يرزقهما الله بالذرية الصالحة -كذبا وبهتانا- أنهما غير سعداء! وأن حياتهما -مهما كانا فيها سعيدين- ستبقى جحيما قاتلا طالما أنهما لم يرزقا بطفلة أو طفل لتعمر بها/به البيت!!

ولن أكون مثاليا؛ فالكل يسعى لحلم الأبوة والأمومة، وبالتأكيد فإنهم زينة الحياة الدنيا كما قال الله سبحانه وتعالى عن ذلك في سورة الكهف {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} ﴿46﴾.

الزوجة ضحية الضحايا، وكان الله في عون كل من تأخرت في الإنجاب، فإذا لم تكن قوية فستنهار أمام منجنيق المجتمع الذي يرجمها به كل وقت وحين!!

ولذلك لا يحتاج الأزواج لإخبار المتطفلين والمتطفلات بالسعي الذي يقومون به بين الفينة والأخرى لتحقيق ذلك الأمر، طالما أنهم يعرفون بأدلة الأطباء والطبيبات أن خط سيرهم سليم، وأن أمورهم مثالية، وريثما يكتب الله سبحانه وتعالى مبشراته على خيوط السلالة كما قال جل وعلا في سورة الحج {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} ﴿5﴾. وسيعيش هذان الزوجان حياتهما في سعادة غامرة تصل أحيانا إلى ذروتها، لتتفوق على الحالة النفسية للكثير من الأسر التي أكرمها الله سبحانه وتعالى بالذرية الصالحة أو الطالحة.

وتعالوا معي لنلبس النظارات السوداء، وندخل إلى ساحاتهم السيئة، لنرى زيف أحكامهم الجائرة، وظلام رؤاهم الخائبة، وسوداوية أفكارهم الخاطئة، وسموم أقوالهم الفاشلة حينما يهددون مستقبل الأسرة المتماسك بالمودة والحب، فيذهبون نحو الرجل ويقولون له في عبارات بعيدة كل البعد عن عبادة "جبر الخواطر": (الزواج بلا أبناء لا فائدة منه، فلان تزوج بعدك وأنجب، لك سنوات وأنت متزوج وين ولي العهد)! وغيرها من الكلمات السامة التي أنأى بقراء هذا المقال عن ذكرها، والتي تكدر المزاج، وتجعل الشخص يستغرب من كمية عدم اللطف الذي يسكن سوداوية قلوب بعض الناس!!

هذا فيما يخص الرجل المدلل في هذا الأمر في عالمنا الخليجي والعربي!!

وأما عن الزوجة فهي ضحية الضحايا، وكان الله في عون كل من تأخرت في الإنجاب، فإذا لم تكن قوية فستنهار أمام منجنيق المجتمع الذي يرجمها به كل وقت وحين!! ويشعرها أن حياتها الزوجية فاقدة لكل معاني السعادة طالما أنها لم تنجب!!

علينا جميعا في العزوبية والزواج ألا نعلق سعادتنا بشيء مؤجل، فسعادتنا ينبغي أن تكون لحظية آنية نستمتع فيها بحياتنا التي نتقبلها بكل ما فيها من قصور أو كمال.

وتعبيرا عن السموم التي يبثها في قلبها قبل سمعها، وفي وجدانها قبل مسامعها! يقول أحدهم بخبث وتخبيب: "الرجال ينجبون حتى السبعين والنساء يفوتهن قطار الإنجاب مبكرا فألحقي نفسك. الرجل سيحسب لك سنوات قليلة وإذا لم تنجبي له سيرحل. الإنجاب بعد الأربعين يأتي بأبناء معاقين. خلِّفي ابنا يحملك إذا كبرت)!! وغيرها من العبارات السلبية المزعجة جدا، والتي يحملون غالبا فيها الأنثى ضريبة تأخر الإنجاب! وكأن الرجل لا شراكة له في الأمر! بل قد يكون تأخر الإنجاب منه وليس منها، أعانها الله، فتصدق فيها قصة الأعرابية التي تركها زوجها بسبب إنجابها للبنات فقط!! فأنشدت قائلة:

ما لأبي حمزة لا يأتينا.. ينام في البيت الذي يلينا

لأننا لم ننجب البنينا.. تالله ما ذلك في أيدينا

إنما نثمر ما زرعوه فينا..

ولو تأمل الزوجان مبررات هؤلاء الذين لا يقولون للناس حُسنا! لوجدوا أنها غالبا غير صحيحة، فهناك أسر منفصلة رغم إنجاب الأبناء، والكثيرات أنجبن بعد الأربعين أطفالا سليمين، والزواج جميل بالأبناء وبدونهم، وفيه من الفوائد التي لا تعد ولا تحصى في بناء حياة آمنة هادئة مطمئنة، تفوح بالطهر والعفة والجمال.

وانطلاقا من قولهم: "أميتوا الباطل بالسكوت عنه" أحب التركيز على الجوانب الإيجابية لا السلبية، فعلى كل زوجين، تأخر إنجابهما، تفويض أمرهما لله سبحانه وتعالى، وأن يعلما أنهما هما الأصل وهما الثابت الوحيد الذي يرتكزان عليه، والذي يقوم على محبتهما.

تأجيل السعادة! قرار كارثي لأننا قد لا نصل إلى الموعد الذي حددنا فيه واهمين توقيت سعادتنا! وهذا منهج نبوي

وحتى في سعي الأزواج خلف الذرية، عليهم تحسس الجمال الذي يسكن حياتهم، والطمأنينة التي تغشى كيانهم، وعليهم تأمل جمال السعادة التي تجمعهم، فبيتهم الدافئ شهد ولادتهم الثانية الذي أكملوا فيه نصف دينهم، وعصموا فيه أنفسهم من غواية الفتن، وشرعوا في بناء مراحل نموهم، وكأنهم أطفال يكبرون كل يوم مع بعضهم البعض، وتكبر معهم أحلامهم وآمالهم.

ويمكن أن يكتب الشخص المجلدات الضخمة في جماليات الزواج وروائع الحياة الزوجية التي يعتبر الأبناء جزءا منها، ولا يشكلون صورتها الكاملة، وريثما يرزقون بهم سيهنؤون بحياتهم، وسيلعبون ألعابهم.

فعل الأقل هم معا يتشاركون جمال الحياة، وحميمية الوجود، عكس غيرهم الذين لم يتزوجوا بعد، والذين لهم معانتهم الاجتماعية الأخرى! وعكس أخريات وآخرين أشد إشكالية منهم غارقون في صعوبات الطلاق، وتحدياته التي لا تنتهي!

وعلينا جميعا في العزوبية والزواج ألا نعلق سعادتنا بشيء مؤجل، فسعادتنا ينبغي أن تكون لحظية آنية نستمتع فيها بحياتنا التي نتقبلها بكل ما فيها من قصور أو كمال.

وتأجيل السعادة! قرار كارثي لأننا قد لا نصل إلى الموعد الذي حددنا فيه واهمين توقيت سعادتنا! وهذا منهج نبوي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم "من أصبح معافى في بدنه آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها. يا ابن جعشم يكفيك منها ما سد جوعك ووارى عورتك، وإن كان بيتا يواريك فذاك فلق الخبز وماء الجر وما فوق ذلك حساب" (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم).