شعار قسم مدونات

أيامي مع الشعر (9).. هنيهة في مسجد قرطبة

الجزيرة هذا الصباح- المسجد الجامع في قرطبة
المسجد الجامع في قرطبة (الجزيرة)

وكان من آخر الروافد التي رفدت ذاتي الأدبية، وأثرت فيها تأثيرا عميقا، شاعر الإسلام الفيلسوف محمد إقبال (1877-1938). فقد عرفت إقبالا معرفة إجمالية في وقت مبكر عبر مطالعات متناثرة، منها كتاب "إقبال: الشاعر الثائر" للطبيب الأديب المصري نجيب الكيلاني (1931-1995)، وكتاب "روائع إقبال" للعلامة الهندي أبي الحسن الندوي (1914-1999). لكن الاهتمام العميق بشعر إقبال لم يبدأ عندي إلا بعد حصولي على ترجمة لديوانيه "جناح جبريل، الأسرار والرموز" في نهاية التسعينيات، فاندفعت بعد ذلك إلى قراءة كل دواوينه التسعة في ترجماتها العربية، وأحيانا في ترجماتها الإنجليزية والفرنسية، وحفظت مئات الأبيات من الترجمة العربية لشعره، خصوصا من ديوان "جناح جبريل" الذي يبدو لي أكثر أعمال إقبال تعبيرا عن روحه الشعرية. وقد لاحظت أن أفضل من صاغ شعر إقبال باللغة العربية هو الشيخ المصري الأزهري الضرير الصاوي شعلان (1902-1982)، والشاعر السوري المعاصر زهير ظاظا.

وكنت لسنين أصطحب معي ديوان "جناح جبريل" كلما ركبت الطائرة، وأحرص على قراءته في رحلاتي الجوية، لأسباب غامضة لا أملك لها شرحا، سوى أن عبارة "جناح جبريل" تملأ نفسي بمعاني العلو والسمو. ولا أنسى رحلة بالطائرة بين صنعاء والقاهرة، وأنا أقرأ هذا الديوان، ثم أنظر من النافذة كلما مررت بمجاز شعري ذي صلة بسيناء أو جبل الطور، وأتمنى لو أراهما رأي العين. فمع محمد إقبال وجدت ذلك التركيب العظيم بين الروح الإسلامية والخيال الشعري، فكان تأثيره واضحا في قصائدي الحجازية السينائية. كما وجدت في شعر إقبال -خلال مقامي المديد في الولايات المتحدة- درعا حصينا من تحلل الحياة الاجتماعية الغربية، وتلاشي الحدود بين الإنسان والحيوان في بعض جوانبها. فليس كشعر إقبال ملهما للعزة الإيمانية، ودرعا للهوية الإسلامية.

ومن قصائد إقبال البديعة التي لي معها قصة قصيدة "مسجد قرطبة"، وهي توصف بأنها أبلغ أثر أدبي مكتوب باللغة الأوردية، كما أن صياغتها العربية من أبدع الصياغات لشعر إقبال. ومطلع ترجمتها العربية هو:

قصر التاريخ ومسجده .. ما أروع ما صنعت يده[1]

وقد أحسن الأديب السوري زهير ظاظا في صياغتها على نمط قصيدة الأديب إبراهيم بن علي الحصري القيرواني الضرير (ت 488هـ/ 1095م) التي مطلعها:

يا ليل الصب متى غده؟ .. أقيام الساعة موعده؟[2]

أما قصتي مع قصيدة "مسجد قرطبة" فحاصلها أني شاركت عام 2015 في مؤتمر بمدينة غرناطة الأندلسية، وهي تبعد عن قرطبة أكثر من 200 كيلومتر، فقلت لأحد زملائي بالمؤتمر إني لا أستطيع العودة من تلك الرحلة قبل أن أقرأ قصيدة إقبال "مسجد قرطبة" داخل مسجد قرطبة. وهو مسجد عظيم كان قلب مدينة قرطبة يوم كانت عاصمة الدولة الإسلامية في الأندلس، ثم حوله الصليبيون الإسبان كنيسة، بعد سقوط قرطبة بأيديهم عام 1236م ضمن الهجمة الصليبية الشاملة على قلب العالم الإسلامي وأطرافه في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين. بيد أنها كنيسة من نوع خاص: فهي مرصعة الجدران بآيات القرآن الكريم حتى اليوم، وفي خاصرتها الشرقية محراب مسجد، بل ولا تزال تسمى باللغة الإسبانية "المسجد-الكنيسة"! Mezquita-Catedral de Córdoba.

وقد اعترض منظمو المؤتمر على غيابي عن بعض الجلسات، واستكثر علي بعض زملائي السفر بضع ساعات من أجل قراءة قصيدة في مسجد قرطبة، لكني ضربت عرض الحائط بكل ذلك بعد أن تذكرت بيتا للشاعر الفارسي العظيم سعدي الشيرازي (606-694هـ/ 1209-1294م)، الملقب "بلبل شيراز"، أورده إقبال في "جناح جبريل"، حيث يقول سعدي في ذلك البيت:

من الفقر أن تأتي وفاضك فارغ .. وقد طفت في تلك الرياض جميعها[3]

وركبت الحافلة ميمما قرطبة، ودخلت المسجد، وقرأت قصيدة إقبال في المسجد، واستطعت التملص من شرطي إسباني -أراد منعي من قراءتها- بالاختباء خلف حشد من السائحين! ولم أمكث في قرطبة إلا قدر ما أقرأ تلك القصيدة في مسجدها التاريخي الفخم، ثم قفلت راجعا إلى غرناطة في الحافلة، وأنا أترنم بالأبيات الأخيرة من قصيدة إقبال "مسجد قرطبة":

كنخيل الشام وأعمدها .. شمخت في المسجد أعمده

تتألق زرقة قبته .. وتقيم الليل وتقعده

وتنهدها في وحدتها .. كالطور كواه تنهده[4]

ثم بأبيات من قصيدة "إسبانيا" التي ودع بها إقبال مسجد قرطبة، وهي قوله:

صوت المنائر في نسيمك يرقد .. وصداه في أرواحنا يتردد

يا توأم الحرم الشريف تطوفت .. بك ركع من عاكفين وسجد

سيماك من أثر السجود على الثرى .. طرب يفوح ونضرة تتجدد

يا طالما سفكت هناك دماؤنا .. ظلما ونحن المشفقون العود

خمدت حقيقتنا وزال بريقنا .. وبريق قرطبة الشريد مخلد

ووقفت لا نومي حمدت ولا السرى .. أتكبد الجرح الذي أتكبد[5]

ويا لها من ساعة مباركة تلك التي قضيتها في رحلتي العابرة إلى مسجد قرطبة، رغم الأسى الدفين الذي بعثته الذكرى في نفسي على ضياع قرطبة، التي كانت عاصمة الدولة الإسلامية في الأندلس، وحاضرة الثقافة العربية، و"دار العلوم" بتعبير الشاعر أبي البقاء الرندي (601-684 هـ/ 1204-1285م) في قصيدته الشهيرة في رثاء الأندلس:

وأين قرطبة دار العلوم؟ فكم .. من عالم قد سما فيها له شان[6]

ومن خلال محمد إقبال اكتشفت الشاعر الصوفي العظيم جلال الدين الرومي (1207-1273) الذي يعتبره إقبال أستاذا له وملهما، فاطلعت على بعض أعماله، ووجدت أفضل ترجماته هي الترجمة الإنجليزية البديعة بقلم الشاعر الأميركي كولمان باركس الذي اتخذ من ترجمة شعر الرومي والتعريف به رسالته في الحياة. أما الترجمات العربية للرومي، سواء ما كان منها نثرا مثل ترجمة سيد دسوقي شتا للمثنوي، أو شعرا مثل ترجمة الهاشمي للكتاب ذاته، فلم أجد فيها نفسا أدبيا يكافئ نفس الرومي وخياله الخصيب.

ولا يمكن أن أنسى أني أدين للرومي بعنوان ديواني الصغير "جراح الروح"، وبإحدى أهم قصائده، وهي قصيدة "أغاني الحجاز". فقد كنت مرة أقرأ قصيدة الرومي "حديث الليل" فصادفتني هذه العبارة الإنجليزية من ترجمة كولمان باركس للقصيدة: "تلك روحي الجريحة" That is my wounded soul[7] فأوحت لي العبارة على البديهة بقصيدة "أغاني الحجاز" التي بدأتها بعبارة "جراح الروح".. وهي العبارة ذاتها التي اتخذتها عنوانا للديوان، وكنت أبحث له عن عنوان مناسب لعدة أعوام، وغيرت العنوان أكثر من مرة، من "الفجر الصادق" إلى "دموع الندى" إلى "أغاني الحجاز"… لكني تخليت عن كل تلك المحاولات بعد قراءة كلمات الرومي المعبرة، واستقر قراري واختياري على عنوان: "جراح الروح". وكانت معرفة الرومي مدخلا لي للاهتمام بعظماء الأدب الفارسي، خصوصا سعدي الشيرازي، والفردوسي (935-1020)، وعمر الخيام (ت 515هـ/ 1121م). وإن لم يكن الخيام غريبا علي، نظرا لاطلاعي على ترجمة أحمد رامي لرباعياته قبل ذلك.

 

مراجع

  • [1] راجع القصيدة في ديوان إقبال، جناح جبريل، 1/478-480.
  • [2] راجع القصيدة في تقديم كتاب الحصري القيرواني، زهر الآداب وثمر الألباب (بيروت: دار الجيل، بدون تاريخ)، 1/9-10.
  • [3]  إقبال، جناح جبريل، 1/499.
  • [4]  إقبال، جناح جبريل، 1/480.
  • [5] إقبال، جناح جبريل، 1/485.
  • [6]  انظر: شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي (القاهرة: دار المعارف، 1960-1995)، 8/390.
  • [7] Rumi, The Essential Rumi, Translated by Coleman Barks (New Jersey: Castle Books, 1987), 77.