شعار قسم مدونات

تعلم الظلم من أبيه فأساء للعثمانيين

رئيس بلدية إزمير التركية تونش سوير (الصحافة التركية)

بينما أتصفح هاتفي لمتابعة آخر الأخبار التي تردني عبر تطبيقات بعض الصحف التركية التي أتابعها بشكل دوري، أثار دهشتي خبر عاجل يحمل تصريحًا شديد اللهجة لرئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي موبِّخًا رئيس بلدية إزمير وكان نص توبيخه له: "لقد تعلّم الظلم من والده فأساء لأجدادنا من دون خجل". توقفت كثيرًا أمام هذا التصريح وأثار فضولي لمعرفة أبعاد تلك المشاجرة الكلامية الملتهبة وأسباب استدعاء بهتشلي لأبيه في معرض رده عليه، فأخذت أبحث في تفاصيل الأمر على مدى أيام متتالية حتى كانت النتيجة المذهلة والمدهشة لي بكل المقاييس.

تطاول وإساءة

استهدف تونش سوير رئيس بلدية إزمير -التابع لحزب الشعب الجمهوري المعارض- العثمانيين بكلمات مسيئة خلال كلمة له في احتفال تحرير إزمير من اليونانيين، إذ قال في الاحتفال "أولئك الذين حكموا هذه الأراضي قبل 100 عام كانوا في غفلة وضلالة بل حتى خيانة، لم يفكروا قط في الشباب والنساء والأطفال، لقد رموا كل الناس في النار للحفاظ على السلطنة".

بهذه الكلمات شارك رئيس بلدية إزمير في احتفالية تحرير إزمير المئوية من اليونانيين بمناسبة مرور 100 عام على تحريرها، وهو الاحتفال الذي يُقام في التاسع من سبتمبر/أيلول من كل عام بمناسبة الذكرى السنوية لانتصار المقاومة التركية على الجيش اليوناني المحتل وتحرير مدينة إزمير. والحقيقة أنه لم يتوجه بكلمة عتاب أو لوم واحدة لليونانيين المحتلين لأرضه في هذا الاحتفال، ولكنه صبَّ جام غضبه على العثمانيين فقط، كأنهم لم يحققوا انتصارًا واحدًا طوال 6 قرون حكموا فيها العالم بأسره بعد مسيرة حافلة من الفتوحات الإسلامية ترويها لنا كتب التاريخ الإسلامي حتى يومنا هذا.

الحقيقة التي ترويها لنا كتب التاريخ أن السلطان العثماني محمد السادس المُلقب بـ"وحيد الدين" هو الذي أرسل مصطفى كمال باشا وقتئذ إلى الأناضول وفوَّض إليه الصلاحيات ومدّه بالآليات العسكرية والجنود، وذلك ما أدى إلى تحرير إزمير من الاحتلال اليوناني

العثمانيون في مرمى النيران.. ولكن

لقد أراد سوير بتصريحه هذا مدح أتاتورك على حساب إهانة السلاطين العثمانيين بوجه عام والسلطان العثماني وحيد الدين بوجه خاص إذ وقعت إزمير تحت الاحتلال اليوناني في عهده، والحقيقة التي ترويها لنا كتب التاريخ أن السلطان العثماني محمد السادس المُلقب بـ"وحيد الدين" هو الذي أرسل مصطفى كمال باشا وقتئذ إلى الأناضول وفوَّض إليه الصلاحيات ومدّه بالآليات العسكرية والجنود، وذلك ما أدى إلى تحرير إزمير من الاحتلال اليوناني يوم التاسع من سبتمبر/أيلول 1922.

ردود الفعل والإدانات

توالت ردود فعل كبيرة من قبل السياسيين الأتراك ردًّا على إساءة سوير للعثمانيين التي كان أشدها على الإطلاق من نصيب دولت بهتشلي رئيس حزب الحركة القومية الذي صرّح قائلًا "تقييم تاريخنا بعين العدو جهل لا يمكن علاجه ومرض لا يمكن شفاؤه"، كما صرَّح أيضًا مدافعًا عن السلطان العثماني وحيد الدين بقوله "حتى إن كان لديه أخطاء وقصور إلا أنه ليس خائنًا".

الرئيس التركي أردوغان أيضًا لم يدع الأمر يمر مرور الكرام، فقد كان رده على سوير واضحًا ودقيقًا ويحمل تعريفًا لهذا الرجل الذي فقد صوابه حتى أهان أجداده في معرض الاحتفال بتحرير أرضه من عدوه، فقد علّق أردوغان ردًّا على إساءة سوير فقال "هذا الرجل ليس له اتجاه؛ فقد أضاع البوصلة وهو بعيد كل البعد عن الأخلاق، فالشخص الذي يحاول التقليل والتحقير من تاريخه لا يمكن أن يكون من أبناء هذا الشعب".

علاقة مشبوهة مع اليونان

دانت أيضًا نائبة حزب العدالة والتنمية عن إزمير، جيدا بولونمز تشانكيري، واقعة إساءة سوير للعثمانيين، موضحة وفاضحة علاقته الجيدة والوطيدة باليونانيين التي أسهمت في إساءته للعثمانيين، فقالت "سيد سوير، أجد أنه من المفيد أن أذكّرك أننا لم نستعد إزمير من أجدادنا العظماء العثمانيين بل من اليونانيين الذين لديك معهم صداقات قديمة".

والحقيقة التي تخبرنا بها سجلات استقبال الضيوف الرسميين الحافلة لسوير تقول إنه قد استقبل في وقت سابق من هذا العام كوستاس باكويانيس رئيس بلدية أثينا، وعقب لقائهما نشر كوستاس صورته مع سوير وعلّق عليها قائلًا "لن نسمح لأردوغان أن يأخذ العلاقات بين الشعبين رهينة، وعلينا أن نعمل لأجل الاستقرار والسلام، هذا ما اتفقنا عليه اليوم مع سوير".

تعلّم الظلم من والده!

لقد أدهشني كثيرًا أحد تصريحات دولت بهتشلي رئيس حزب الحركة القومية، في معرض رده على إساءة سوير للعثمانيين، إذ قال في مؤتمر جماهيري في مدينة قيصري "أيًّا كان ما تعلَّمه رئيس بلدية إزمير الساخط المصاب بجروح عقلية خطيرة، فقد تعلَّمه من والده الظالم". وهذا التصريح حقيقة هو الذي دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع، بعد أن بحثت كثيرًا في الأرشيف التركي لأعلم مَنْ هو والده وما الظلم الذي فعله وما الذي تعلمه منه ابنه؟! لأجد نفسي أمام حقيقة صادمة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، فبعد البحث الدقيق المتأني، وجدت أن والده هو نور الدين سوير الذي عُيّن في منصب المدعي العام العسكري لأنقرة بعد أحداث انقلاب 12 سبتمبر/أيلول 1980، وهو الانقلاب الذي أطاح من خلاله العسكريون بحكومة البروفيسور نجم الدين أربكان، ونور الدين سوير المؤيد لانقلاب 1980 هو الذي حكم على أربكان ورفاقه بأحكام مشددة حينئذ.

مفارقة عجيبة وصادمة

على الرغم مما قام به المدعي العام العسكري نور الدين سوير بالانتقام من أربكان جراء انقلاب 1980 عبر إعداد مذكرة بحقه مع 33 من قياديي الحزب، قضت حينئذ بحبس أربكان ورفاقه، فإن التحالفات السياسية في تركيا شهدت مفارقة عجيبة من نوعها قبيل انتخابات البلديات عام 2019، فقد عبَّر حزب "السعادة" -آخر حزب سياسي أسسه القيادي الراحل أربكان- بقيادة تمل قره ملا أوغلو عن دعمه لمرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض في إزمير "تونش سوير" لمنصب رئيس البلدية في تلك الانتخابات، وكان دعم حزب السعادة لسوير أحد الأسباب التي ساعدت في نجاحه وفوزه بهذا المنصب.