شعار قسم مدونات

نافذة على كتاب "النبأ العظيم" للدكتور محمد دراز

غلاف كتاب النبأ العظيم
غلاف كتاب النبأ العظيم (مواقع التواصل الاجتماعي)

حتى الحقائق الراسخة، رغم رسوخها تبقى الحاجة قائمة لإزالة اللبس عنها، وذلك إما لدفع كبر يريد إزاحتها وعناد يثير الشبهات حولها، وإما لإمداد حرص يسعى صاحبه ليرى الحقيقة نقية ناصعة لا تشوبها شائبة.

ومن أكثر ما ينطبق عليه هذا القول إثبات أن القرآن الكريم هو كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه كان وسيبقى المعجزة الخالدة التي لن يستطيع مخلوق الإتيان بمثلها أو محاكاتها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وهذه مهمة جليلة تصدى لها العلماء عبر القرون، وكان من الذين أدلوا بدلوهم فيها في العصر الحديث الدكتور محمد دراز في كتابه "النبأ العظيم"، وقد خاطب فيه أبناء هذا الجيل، الذين بعد عهدهم بكتب السلف الصالح والعلماء السابقين بأسلوبهم المعروف، فجاء هذا الكتاب جامعا بين ما أفاده السابقون وما يفهم ويحرك الحاضرين والمعاصرين. والكتاب حديث يبدأ من نقطة البدء، وكل ما يتطلبه من قارئه أن يعود صفحة بيضاء؛ إلا من فطرة سليمة، وحاسة مرهفة، ورغبة صادقة في الوصول إلى الحق في شأن هذا القرآن.

خصوصية القرآن تتجلى في كونه من الله بلفظه ومعناه.

خصوصية القرآن

في البحث الأول من الكتاب يوضح المؤلف خصوصية القرآن في كونه من الله بلفظه ومعناه، وهذا ما لا يتحقق في الحديث بنوعيه القدسي والشريف. ويقف مع سر اختصاص القرآن بالخلود وعدم التحريف، دون الكتب السابقة، وذلك أن سائر الكتب السابقة جيء بها على التوقيت لا التأبيد، وأن هذا القرآن جيء به مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، فكان جامعا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادًّا مسدها، ولم يكن شيء منها ليسد مسده، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرا يسر له أسبابه، وهو الحكيم العليم.

سمع العرب القرآن وهم أهل البلاغة والفصاحة، فلمسوا فيه من بلاغة القول خلاف ما عرفوه، وفوق ما عرفوه، فآمنت طائفة بصدق النبي وبحقيقة القرآن المعجزة، وعلى خطاهم سارت عبر القرون أجيال، وأعرض آخرون وكذبوا، ولحقهم بتتالي الأزمنة أقران.

مبلغ أمين

عرفت قريش محمدا صلى الله عليه وسلم، وعرفت فيه صدق الحديث، وعظمة الأمانة، وعرفت فيه الطهر والمروءة ومكارم الأخلاق. ولما بلغ الأربعين جاءه وحي السماء بالرسالة، وبقرآن تنزلت آياته منجمة على مدى 23 عاما، وصار يتلو ما يتنزل عليه معلنا للناس أن القرآن كلام الله، وأنه يوحى إليه به ولا صنعة له فيه، والقرآن يقول: {وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [سورة الأعراف: 203].

وسمع العرب القرآن وهم أهل البلاغة والفصاحة، فلمسوا فيه من بلاغة القول خلاف ما عرفوه، وفوق ما عرفوه، فآمنت طائفة بصدق النبي وبحقيقة القرآن المعجزة، وعلى خطاهم سارت عبر القرون أجيال، وأعرض آخرون وكذبوا، ولحقهم بتتالي الأزمنة أقران. فأي حجة لهؤلاء في إعراضهم وإنكارهم لكون القرآن كلام الله، ومعجزة نبيه الباقية؟ ومع ما قيل أو ما يمكن أن يقال في هذا الشأن يسير بنا المؤلف مناقشا ومحاججا.

ألا وإنه لا يمكن الفصل بين سلوك ما وطبيعة وأخلاق الشخص الذي يصدر عنه هذا السلوك، ولهذا يعود بنا الدكتور دراز إلى التاريخ، ليعرض طرفا من السيرة العامة لمحمد صلى الله عليه وسلم، فيرينا إنسانا الطهر ملء ثيابه، والجد حشو إهابه، يأبى لسانه أن يخوض فيما لا يعلمه، وتأبى عيناه أن تخفيا خلاف ما يعلنه، ويأبى سمعه أن يصغي إلى غلو المداحين له. وليس ذلك محض ادعاء، وإنما أشياء يسوق لها صاحب الكتاب من سيرة النبي الكريم ما يؤكدها، ليتركنا مع التساؤل: أنى من مثل محمد الختل والتزوير، أو الغرور أو التغرير؟ حاش لله!

وفي شأنه صلى الله عليه وسلم إزاء القرآن نقرأ آيات فيها مخالفة القرآن لطبع الرسول، وعتابه الشديد له في المباح، ونعلم بطء الوحي في حادثة الإفك التي آلمته صلى الله عليه وسلم أشد الإيلام، ونعلم توقفه أحيانا في فهم مغزى النص حتى يأتيه البيان، ومنهجه في كيفية تلقي الوحي أول العهد به إذ ينزل عليه القرآن فيتلقفه متعجلا فيحرك به لسانه وشفتيه طلبا لحفظه، وخشية ضياعه من صدره.. ونتأمل ذلك كله لنعود إلى التساؤل: أتكون الحال كذلك مع إنسان يأتي بالقرآن من عنده، كما يحلو للبعض أن يقول؟!

لا مناص للباحث عن مصدر القرآن من توسيع دائرة بحثه، فإذا لم يظفر بمطلبه عند صاحب القرآن في ناحية عقله وفراسته، وجب أن يلتمسه وأن يجده حتما في ناحية تعليمه ودراسته.

مصدر القرآن

حتى لو تجاوزنا ما أشير إليه من قيم أخلاقية تنزّه صاحبها عن أن يفتري على الله الكذب، وكان البحث مجردا في إمكانية أن يكون القرآن إيحاء ذاتيا من نفس محمد صلى الله عليه وسلم، إذن لوقفنا أمام تناقضات وتناقضات.. فطبيعة المعاني القرآنية ليست مما يدرك بما يمكن أن يتوفر لبشر من الذكاء وصدق الفراسة، فالتفاصيل الدقيقة من الغيب الماضي للبشرية، والحقائق الدينية الغيبية التي تصف بدء الخلق ونهايته، والجنة ونعيمها، والنار وألوان عذابها، كأنهما رأي العين، ثم الإخبار عن وقائع وأحداث ستأتي في المستقبل، وحدوثها بعد ذلك طبقا لما ذكر.. ذلك لا يمكن أن يكون من وحي العقل. ويكفي مثالا على ذلك والأمثلة كثيرة أن تنزل الآيات: {الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم} [سورة الروم: 1-5] فتكون هذه الآيات بالغة الدقة في وصف ما حدث، والإعلام بما سيحدث.

لا مناص إذن للباحث عن مصدر القرآن من توسيع دائرة بحثه، فإذا لم يظفر بمطلبه عند صاحب القرآن في ناحية عقله وفراسته، وجب أن يلتمسه وأن يجده حتما في ناحية تعليمه ودراسته. ولأن محمدا صلى الله عليه وسلم عاش أميا، فلا بد له من معلم يكون قد وقفه على هذه المعاني لا بطريق الكتابة والتدوين بل بطريق الإملاء والتلقين. وذلك المعلم لا يمكن أن يكون من قومه الأميين لأن الجهل لا يكون مصدرا للعلم، وبالبحث خارج دائرة قومه سنجد التاريخ شاهدا على أن محمدا لم يجلس إلى فلان من العلماء يستمع من حديثه عن علوم الدين، ومن قصصه عن الأولين والآخرين.

ومتابعة البحث عن مصدر القرآن تدفع إلى دراسة الأحوال المباشرة التي كان يظهر فيها القرآن على لسان محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فقد كانت ظاهرة عجيبة تبدو على وجهه الكريم في كل مرة حين ينزل عليه القرآن، وكان أمرها لا يخفى على أحد ممن ينظر إليه، فكانوا يرونه قد احمرّ وجهه فجأة، وأخذته شدة الكرب، وتفصّد جبينه عرقا، وثقل جسمه، وسمعوا عند وجهه أصواتا مختلطة تشبه دوي النحل؛ ثم لا يلبث أن تسري عنه تلك الشدة، فإذا هو يتلو قرآنا جديدا وذكرا محدثا. ولا يستطيع عاقل منصف أن يتصور أن هذه الظاهرة كانت شيئا متكلفا مصنوعا، بل إن النظرة المتعقلة ستقود إلى تأكيد وجود قوة خلف هذه الظاهرة، هي قوة خارجية، لأنها لا تتصل بهذه النفس المحمدية إلا حينا بعد حين، وهي قوة لا محالة عالمة لأنها لا توحي إليه ظلما، وهي قوة أعلى من قوته لأنها تحدث في نفسه تلك الآثار العظيمة، وهي قوة خيرة معصومة لا توحي إلا بالحق، ولا تأمر إلا بالرشد. فماذا عسى أن تكون هذه القوة إن لم تكن قوة ملك كريم أرسله الخالق جل في علاه وحيا إلى نبيه!

وإذا ما أراد المنصف أن يأخذ حجة القرآن لنفسه من نفسه، فله أن ينظر فيه من أي النواحي شاء؛ من ناحية أسلوبه، أو من ناحية علومه، أو من ناحية الأثر الذي أحدثه في العالم وغيّر به وجه التاريخ، أو من تلك النواحي مجتمعة، ثم ليسأل نفسه: هل يجد فيه إلا قوة شاذة تغلب كل مغالب، وتتضاءل منها قوة كل عالم، وكل زعيم، وكل شاعر وكاتب، ثم تنقضي الأجيال والأحقاب ولا ينقضي ما فيه من عجائب، بل قد تنقضي الدنيا كلها، ولما تحط الناس بتأويل ما فيه؟ إنه القرآن الذي تحدى خصومه، وكرر عليهم ذلك التحدي في صور شتى، وجاء فيه: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [سورة الإسراء: 88]. ثم لم يظهر من أولئك إلا عجز عن المعارضة، رغم وفرة وتضافر الأسباب الباعثة لدى المنكرين.

أفيكون بعد ذلك شك في أنه كلام الله؟!

إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة يحسبها الجاهل أضغاثا من المعاني حشيت حشوا، وأوزاعا من المباني جمعت عفوا؛ فإذا هي لو تدبرت بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول، على كل أصل منها شعب وفصول، وامتدت من كل شعبة منها فروع تقصر أو تطول.

من أوجه الإعجاز في القرآن

يبيّن الكاتب هنا أنه معني بتناول الإعجاز اللغوي في القرآن، ولا يتعرض للنواحي الأخرى كالإعجاز العلمي والإصلاحي التهذيبي. وفي لغة القرآن يقف ويوقفنا مع تأملات في القشرة السطحية للفظ القرآن، ثم تأملات في المعاني التي يختزنها اللب.

فأول ما يفجؤك ويلاقيك في نظم القرآن هو ذلك النظام الصوتي البديع الذي قسمت فيه الحركة والسكون تقسيما منوعا يجدد نشاط السامع لسماعه، ووزعت حروف المد والغنة توزيعا بالقسط يساعد على ترجيع الصوت به وتهادي النفس فيه آنا بعد آن، إلى أن يصل إلى الفاصلة الأخرى فيجد عندها راحته العظمى. وهذا النحو من التنظيم الصوتي أعجز العرب عن تقليده، وهم من هم في الشعر وفي اللغة.

فإذا اقتربت بأذنك قليلا قليلا، فطرقت سمعك جواهر حروفه خارجة من مخارجها الصحيحة، فاجأتك لذة أخرى في نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها، فتجد كلاما ليس بالحضري الفاتر، ولا بالبدوي الخشن، بل تراه وقد امتزجت فيه جزالة البادية وفخامتها برقة الحاضرة وسلاستها، وقدر فيه الأمر تقديرا أن لا يبغي بعضها على بعض. ومن هذه الخصوصية والتي قبلها تتألف القشرة السطحية للجمال القرآني، وليس الشأن في هذا الغلاف إلا كشأن الأصداف مما تحويه من اللآلئ النفيسة التي تشكلها أسرار القرآن ومعانيه وعلومه.

فإن كشفت الصدفة عن درّها، فنفذت من هذا النظام اللفظي إلى ذلك النظام المعنوي، تجلى لك ما هو أبهى وأبهر، ولقيك منه ما هو أروع وأبدع. وإذا ما تدبرت عندها القرآن في قطعة قطعة منه عجبت كيف تلتقي عنده نهايات الفضيلة كلها على تباعد بين أطرافها، إذ يلتقي القصد في اللفظ مع الوفاء بحق المعنى بغير فترة ولا انقطاع، ويتناغم خطاب العامة مع خطاب الخاصة، حتى يسمع كل منهم كلاما يفهمه ويبدو له مقدرا على قدره، ويجتمع إقناع العقل مع إمتاع العاطفة بلا تنافر ولا خصام؛ ثم تجد البيان إلى جانب الإجمال حتى إنك ترى للجملة الواحدة أو للكلمة الواحدة في القرآن الكريم وجوها عدة، كلها صحيح أو محتمل للصحة، كأنما هي فص من الماس يعطيك كل ضلع منه شعاعا، فإذا نظرت إلى أضلاعه جملة بهرتك بألوان الطيف كلها، فلا تدري ماذا تأخذ عينك وماذا تدع.

فإن كنت قد أعجبك من القرآن نظام تأليفه البياني في القطعة منه، حيث الموضوع واحد بطبيعته، فإنك سترى ما هو أدخل في الإعجاب والإعجاز إذا نظرت إلى السورة منه حيث الموضوعات شتى والظروف متفاوتة، إذ ترى في السورة انتقالا من وصف إلى قصص، إلى تشريع إلى جدل، إلى ضروب شتى.. حتى إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة يحسبها الجاهل أضغاثا من المعاني حشيت حشوا، وأوزاعا من المباني جمعت عفوا؛ فإذا هي لو تدبرت بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول، على كل أصل منها شعب وفصول، وامتدت من كل شعبة منها فروع تقصر أو تطول. ومع ذلك تلتحم المعاني في السورة كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان. ولتكون من ذلك على بينة، لا بد أن تسير مع المؤلف في دراسة تأخذ نحوا من ربع الكتاب، يستعرض فيها نموذجا يؤكد ما ذهب إليه في تأملات الصورة السورة.. سورة البقرة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.