شعار قسم مدونات

أزمة ثقافة ومحنة مثقف

جاءت الثورات العربية كخشبة خلاصٍ للشعوب العربية التي تعاني من الاستبداد والاضطهاد السياسي وانعدام العدالة الاجتماعية والتفاوت في فرص العمل وتوزيع الثروات وقمع للحرية والتعبير عن الرأي، فقامت الشعوب بتلك الثورات، أسقطوا الحكام ولكن بقيت الأنظمة والدول العميقة التي قامت بالثورات المضادة لاستلام زمام المبادرة مجددًا وإنهاء الحالة الثورية.

فتحوّلت الثورات بعيون أصحابها والمناصرين لها بعد أن كانت أملهم الوحيد في التخلص من القيود والظلم إلى سبب في تعاستهم وتعاسة البلاد، فزاد الفقر والظلم وزاد البطش، من خلال التأملات والتفكر، هل حقا أن الغرب والأنظمة العربية الموالية له هم من أجهضوا تلك الثورات أم أن هناك طرفا آخر؟ ما علاقة الثقافة في الثورات والتقلبات السياسية؟ أين دور المثقف من تلك الأزمات؟ هل فعلا أزمتنا أزمة ثقافة أم أزمة مثقف؟

لا نهضة دون إحياء الثقافة وبناء المثقف معا

لا يمكن أن نحمّل الغرب كل إخفاقاتنا وفشلنا في التغيير السياسي، فإن أولى علامات الانسداد الثقافي هو عدم فهمنا للصراع الحتمي بين الشرق والغرب ليس من مبدأ الديني، إنما من مبدأ صراع الحضارات وفرض الهيمنة الثقافية للفريق الأقوى، فإن الغرب بعد أن خرج من كبوته تحول إلى قوة عالمية في جميع الميادين بعد مسيرة وسيرورة من التراكمي المعرفي والثقافي، وأراد أن يفرض ثقافته وحضارته، فمن الطبيعي أن يساهم في إجهاض أي عملية تغيير سياسي تتعارض مع مبادئه وتنافسه مستقبلا وتشكل خطرا على طفله المدلل إسرائيل.

ولكن رغم كل ذلك علينا أن نعترف أن هناك ثقافة مغلوطة في منطقتنا ساهمت في تثبيت الأنظمة السياسية ودولها العميقة، وهناك دور كبير للمثقفين ساهموا أيضا، فالأزمة تتعلق بالثقافة الموجودة وبالمثقفين الذين ينقسمون إلى 3 فئات: مثقف منعزل، مثقف غارق في الكتب وبعيد عن الواقعية، ومثقف مؤيد للأنظمة القمعية من مبدأ المصلحة الخاصة.

دول الشرق الأوسط هي دول حديثة المنشأ والنشأة، ولم تنشأ بسبب الاستقلال كما يعتقد البعض، إنما نشأت بعد سقوط الدولة العثمانية

إن دول الشرق الأوسط هي دول حديثة المنشأ والنشأة، ولم تنشأ بسبب الاستقلال كما يعتقد البعض، إنما نشأت بعد سقوط الدولة العثمانية، فجاءت الدولة الأوروبية بمفهوم استعماري معلب ومغلف بمفهوم الانتداب، أي إعداد البلاد كي تحكم نفسها بنفسها. نظريا خرجنا من الاستعمار العسكري، ولكن ما زلنا مستعمرين ثقافيا، وهنا يكمن التحدي الحقيقي، لا يمكن لأي أمة أن تستقل إلا إن استطاعت أن تؤسس ثقافة جديدة تعبر عن هويتها وشخصيتها الجديدة.

ولكن لا ضير أن تكون هذه الثقافة ناجمة عن تلاقي وتلاحم الثقافات بالمعنى التفاعلي كما حصل في الأندلس بين المسلمين والأوروبي، وكما حصل بين الفينيقيين والإغريق فتكونت الحضارة الهيلانية التي هي عبارة عن مزيج ثقافي وحضاري، وهذا ما نفتقده في الحالة العربية، فإن البلاد تعيش على آثار ثقافات تساهم في تراجعنا، لأنه بكل بساطة المحتل لا يقدم إلا أسوأ ما عنده، والثقافة بالمعنى البنيوي فهي كلمة ذات أصول يونانية يعني زرع البذور، فالبذور الحالية إما تحتاج إلى علاج سريع وإما استئصال واستبدالها بمنظومة جديدة.

المثقف العالق في الكتب، يبقى غارقا في عالم غير موجود، تبقى نظرياته عالقة في ذهنه ولن تُحدث أي فرق لأنه لم يخرج من حالة التخندق في التاريخ والكتب إلى فضاء الشأن العام

هذه الحالة شكلت الحالات الثلاث من المثقفين، فالحالة الأولى، وهي حالة خطيرة، حيث إن المثقف يعتزل المجالس والحياة العامة مما يشكل فراغا هائلا في حالة التغيير في المفاهيم والمصطلحات والحالة العامة، والقاعدة الأحب إلى قلبي هي أن الطبيعة لا تقبل الفراغ، فيأتي الخبيث والجاهل والفاسد يملؤون الساحة بفسادهم، قد نعذرهم بعض الأحيان بسبب سياسة بطش السلطة السياسية لمن يعارضهم، ولكن قد لا نعذرهم في الكثير من الأحيان الأخرى عندما تُتاح لهم الفرصة كي يطرحوا ثقافة التغيير والتجديد النقيضة للثقافة السائدة.

أما المثقف العالق في الكتب، فيبقى غارقا في عالم غير موجود، تبقى نظرياته عالقة في ذهنه ولن تُحدث أي فرق، لأنه لم يخرج من حالة التخندق في التاريخ والكتب إلى فضاء الشأن العام والسياسة والمواجهة.

أما الفئة الثالثة، أي المثقف المصفق للسلطة، فهو جزء لا يتجزأ عن السلطة، ولا يعتب عليه، وهو أحد رموز المنظومة الثقافية التي تسعى إلى حماية السلطات المحلية المدعومة من الدولة العميقة والدول الخارجية التي تتعارض مع النهضة الوطنية والصحوة الفكرية التي تعتبر ممر إلزامي قبل أي تغيير على مستوى الاجتماعي والسياسي.

أزمتنا هي أزمة ثقافة أدت إلى تقزيم الحالة الثقافية العامة والتي ضربت النظام المعرفي الرباعي "المدرسة، العائلة، المجتمع والعولمة المتوحشة" والتي بطبيعة الحال ضربت أيضا المثقف ذاته، والأزمة الثانية هي أزمة مثقف بحالاته الثلاث التي ذكرتها أعلاه، فلا نهضة دون إحياء الثقافة وبناء المثقف معا، فإن نظام الأبستمولوجيا معطل حاليا بسبب الأزمتين التي نعيشهما.