أسلمة الشذوذ الجنسي!

الحرب على الواجهة الأخرى.. الشذوذ الغربي
التراضي بين الطرفين على فعل الفاحشة لا يُحلّ الحرام ولا يجعل من الفاحشة أمرًا مقبولًا تقرّه الشريعة (الجزيرة شارك)

الشذوذ الجنسي تحوّل من ميل فردي ومعصية فردية إلى قضية عالمية لها منظمات تدافع عنها وقوانين تحميها، والنتيجة أن البشرية انتقلت من الزنا إلى الإباحية إلى الشذوذ الجنسي، وستنتقل في المستقبل إلى انحرافات جنسية لا نعلمها ولا نتخيلها، والمشكلة التي نحن بصددها هي محاولة إضفاء الشرعية الدينية على هذا الانحراف الجنسي!

الشذوذ في مقابل الإسلام؟!

دعاة الشذوذ الجنسي والمدافعون عنه يريدون نقل معركة الشذوذ الجنسي إلى داخل الفضاء الإسلامي، على الرغم من كونها معركة غربية بامتياز يخوضونها ضد العالم بأسره، وهناك من يعطي أمثلة على وجود إمام مسجد شاذ جنسيًّا في ولاية كذا ومقاطعة كذا في الغرب، وكما يبدو فإن المواجهة الشرسة لنشر الشذوذ الجنسي ستكون بالعالم الإسلامي.

فمن البديهي ومن المعلوم من الدين بالضرورة كما يقول العلماء أن الإسلام يحارب الفاحشة، وينهى عن الاقتراب منها، ووضَع لها حدودًا شرعية، ولكن البعد عن جوهر الإسلام الصحيح وعن النبع الصافي للدين، وهما: الكتاب وصحيح السنة، أنتج لنا أنواعًا ومسميات عديدة من الإسلام كـ"الإسلام الغربي" أو "الليبرالي" أو "الإسلام الأميركاني".

وضمن هذا الإسلام الجديد المخترع والملفّق تأتي افتراءات الدكتورة "كيشيا علي" على القرآن والسنة، ومحاولة إيجاد مسوّغ إسلامي للشذوذ الجنسي.

والفهم السقيم والمغالطات المنطقية جعلا الدكتورة "كيشا" تضع الشذوذ الجنسي في مقابل الإسلام، وتطرح سؤالًا خاطئًا: هل يبقى المسلم الشاذ جنسيًّا على الإسلام أم يترك الإسلام ويبقى على شذوذه الجنسي حتى لا يشعر بالذنب والحرج؟!

والحل الذي تقترحه "كيشيا" في هذه الحالة هو ضرورة أن يتسامح الإسلام ويقبل بممارسة أتباعه للشذوذ الجنسي، لأنه كما تزعم ميل فطري ويقع بالتراضي.

وهي هنا تضع مسألة الإيمان والاعتقاد، وهي المسألة الرئيسة في حياة المسلم، في مقابل معصية الانحراف الجنسي، ولا وجه للمقارنة بينهما.

وقد اختلف الفقهاء في حكم الشذوذ الجنسي وجاءت آراؤهم على النحو الآتي:

  • أولًا: قول الجمهور: قتل الفاعل والمفعول به، لحديث "اقتُلوا الفاعلَ والمفعولَ به في عمَلِ قومِ لوطٍ والبَهيمةَ والواقعَ على البَهيمةِ ومن وَقعَ على ذاتِ مَحرَمٍ فاقتُلوه". أخرجه أبو داود (4462)، والترمذي (1456)، وابن ماجه (2561) بنحوه، وأحمد (2727) واللفظ له.
  • ثانيًا: حد الزنا، لحديث "إذا أتَى الرَّجلُ الرَّجلَ فهُما زانيانِ، وإذا أتَتِ المرأةُ المرأةَ فهُما زانيتانِ". أخرجه البيهقي  (17490).
  • ثالثًا: يُحرق بالنار إلى أن يموت، وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
  • رابعًا: لا حدّ عليه، ويعزّر عند أبي حنيفة ولم يتابعه عليه تلاميذه.

هذا هو حكم الشاذ جنسيًّا من الناحية الفقهية، ولكن المشكلة تكمن في الاعتراض على أحكام الإسلام الثابتة الواردة في القرآن والسنة، وإنكار معلوم من الدين بالضرورة مُخرج من الملة كما يقول الفقهاء، ومن استحلّ الحرام فقد كفر، يقول ابن تيمية رحمه الله "من فَعَل المحارِمَ مُسْتَحِلًّا لها فهو كافِرٌ بالاتِّفاقِ؛ فإنَّه ما آمن بالقُرآنِ من استحلَّ محارِمَه، وكذلك لو استحَلَّها بغيرِ فِعلٍ، والاستحلالُ اعتقادُ أنَّها حلالٌ له، وذلك يكونُ تارةً باعتقادِ أنَّ اللهَ أحَلَّها، وتارةً باعتقادِ أنَّ اللهَ لم يحَرِّمْها، وتارةً بعَدَمِ اعتقادِ أنَّ اللهَ حَرَّمها، وهو يكونُ لخَلَلٍ في الإيمانِ بالربوبيَّةِ، أو لخللٍ في الإيمانِ بالرِّسالةِ".

هل التراضي يضفي الشرعية على الشذوذ الجنسي؟

الدكتورة "كيشيا" في كتابها "الأخلاق الجنسية والإسلام.. تأملات نسوية في القرآن والحديث والفقه" تطرح إشكالية التراضي بين الطرفين كمبرر للقبول بالشذوذ الجنسي والتطبيع معه، أو على الأقل التغاضي عنه، ومن وجهة نظرها أن ممارسة الشذوذ الجنسي بالتراضي أفضل من ممارسة الجنس بغير رضا حتى إن كان مع الزوجة أو مع ملك اليمين كما تقول، وهو غير موجود في العالم حاليًّا، ولكنها تركز عليه لوروده في القرآن الكريم، وتستشهد بافتراء إسراء نعماني (الأم العزباء) على الإسلام بقولها "يُعطي الإسلام المرأة الحق في أن تُعفى من التجريم أو العقاب في مسألة العلاقة الجنسية بين البالغين بالتراضي"!

وتزعم الدكتورة "كيشيا" أن عذاب قوم لوط لم يكن نتيجة الفاحشة وإتيان الذكور، فقد كان هناك توافق وتراض فيما بينهم على ذلك الفعل، ولذلك لا يوجد -من وجهة نظرها- مبرر للعقاب؛ وإنما عقابهم كان نتيجة محاولة فعل الفاحشة من دون تراض مع ضيوف لوط عليه السلام من الملائكة!

وعن إشكالية التراضي بين الطرفين على فعل الفاحشة نقول إن الزنا مجرّم في الشريعة حتى لو كان بالتراضي، يقول الله عز وجل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة النور: 2].

وفي هذه الآية رتّب الشرع عقوبة على قضاء الشهوة الجنسية الفطرية خارج إطار الزواج، ومن باب أولى أن تكون العقوبة أشد في حالة الانحرافات الجنسية.

والتراضي بين الطرفين على ممارسة الفاحشة قد يعفي من المساءلة القانونية، ولكنه لا يُعفي من المحاسبة عليها أمام الله عز وجل، لأن فيها مخالفة لأوامر الله عز وجل.

والتراضي بين الطرفين على فعل الفاحشة لا يُحلّ الحرام، ولا يجعل من الفاحشة أمرًا مقبولًا تقرّه الشريعة ولا يحاسب عليه الإنسان.

لماذا حرّم الله الشذوذ؟

الله عز وجل هو الذي خلق الناس ويعلم ما يصلح معاشهم ومعادهم، وجميع ما حرّمه الله عز وجل فيه الخير والنفع للبشرية، يقول الله عز وجل: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [سورة الملك: 14].

والشذوذ الجنسي مُحرّم لأسباب كثيرة منها: مخالفة الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها، ومنها ميل الذكر إلى الأنثى وميل الأنثى إلى الرجل، وسنّة الزوجية التي وضعها الله عز وجل في الكون، والتزواج بين الذكر والأنثى.

ومنها الأمراض النفسية، فالشواذ جنسيًّا يعانون من أمراض واضطرابات نفسية خطيرة، ومنها الأمراض العضوية التي تصيب الشواذ جنسيًّا مثل: الإيدز والهربس والكلاميديا والزهري والسيلان وسرطان الشرج وغيرها من الأمراض.

ومنها الأمراض السلوكية والجريمة، فانحرافات الشواذ جنسيًّا لا تقتصر على الجانب الجنسي، فقد رصدت العديد من الدراسات وجود انحرافات أخرى تتعلق بالسلوك والميول العدوانية تجاه الآخرين.

حكم الشذوذ في الإسلام

افتراءات بعض المسلمين الذين يعيشون في الغرب على الإسلام ومحاولة علمنته أو أمركته، بخاصة في ما يتعلق بمخالفة الفطرة السوية كالشذوذ الجنسي، يردّ عليها القرآن الكريم بتحريم الفاحشة بكل صورها، ووصف مرتكبيها بالعادين، يقول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)} [سورة المؤمنون: 5-7].

ويقول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}[سورة المعارج: 29-31].

وابتغاء {وَرَاءَ ذَٰلِكَ} في الآيتين، الذي عدّه القرآن الكريم اعتداء وظلمًا ومجاوزة للحدود يشمل جميع الانحرافات الجنسية والممارسات غير السوية كالاستمناء والزنا والسحاق واللواط وغيرها.

وفي التشنيع على قوم لوط، يقول الله عز وجل: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166)} [سورة الشعراء: 165-166].

والتراضي بين الطرفين لا يُحلّ الحرام، ولا يُعفي من العقوبة، فقد أهلك الله قوم لوط مع أنهم تراضوا فيما بينهم على فعل الفاحشة، يقول الله عز وجل: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)} [سورة هود: 82-83].