فن الابتسامة

الابتسامة تجعلك تبدو ودودا أكثر. ويُعد الابتسام مضادا طبيعيا للإجهاد يُحسن تواصلك مع الآخر(بيكسابي)
أثبتت الأبحاث الطبية أن الابتسامة تحسن من الحالة المزاجية والنفسية للفرد (بيكسابي)

استكمالا لحديثي عن لغة الجسد -الذي تناولته في مقالتي السابقة "الإتيكيت ولغة الجسد"- أتحدث معكم اليوم عن إحدى لغات الجسد الشهيرة، بل الأكثر شهرة على الإطلاق، تلك التي يفهمها كل البشر في جميع أنحاء الدنيا على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وأشكالهم… إنها الابتسامة، ذلك الشيء الجميل الراقي.

تعد الابتسامة مفتاحا سحريا يفتح القلوب والعقول، فإن لها التأثير العجيب والكبير في استمالة النفوس وترغيبها.

أذكر أنني ذات مرة كنت أحضر فعالية في إحدى الخيام الرمضانية، وبينما أنا جالسة إذ توجهت إلي إحدى السيدات واقتربت قائلة: "هل يمكنني أن أتعرّف عليك؟" أجبتها والابتسامة على وجهي: " أهلا وسهلا بك!"، ثم استأنفت قائلة: "لقد تشجعت كثيرا وأحببت التعرّف عليك، لما وجدته من بشاشة وجهك وتلك الابتسامة المرسومة على شفتيك!"

فالابتسامة أداة فعالة في أيدي أصحابها تشعر الآخرين بالود والدفء، كما يمكن أن يستخدمها الشخص للتودد إلى الآخرين والاقتراب منهم.

عندما نتحدث عن "الإتيكيت" -وهو فن الذوق العام- نجد أن الابتسامة تعد ركيزة أساسية من ركائز هذا الفن؛ فالإتيكيت مثل الشمس، والابتسامة هي تلك الأشعة المضيئة التي تبعث بالنور والضياء والأمل، فمن لا يجيد الابتسامة لا يستطيع أن يحسن فنون التعامل، وبالتالي يفتقر إلى الإتيكيت.

في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-

لقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- بسّاما؛ فعن عبد الله بن الحارث -رضي الله عنه- قال: "ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله، صلى الله عليه وسلم".

كيف لا، وهو القائل -صلى الله عليه وسلم- "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة".

وفي حثه أيضا على طلاقة الوجه والابتسامة،  قال النبي -صلى الله عليه وسلم- معلما لنا في حديثٍ آخر: "لا تحقرنَّ من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق".

وقد روى أيضا سيدنا صهيب -رضي الله عنه- أنه قد قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين يديه خبز وتمر، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- "ادنُ فكُل"، فأخذ يأكل من التمر، فقال النبي -‏صلى الله عليه وسلم- "‏‏تأكل تمرا، وبك رمد!" فقال: "إني أمضغ من ناحية أخرى"، فتبسم رسول الله، ‏صلى الله عليه وسلم.

هذه الأمثلة وغيرها الكثير والكثير مما تعجُّ به سيرته العطرة -صلى الله عليه وسلم- عن تبسمه، وإنَّ ابتسامته -صلى الله عليه وسلم- حقا لتضيء؛ كونها تعلو محياه الوضيء -صلى الله عليه وسلم- فإنها والله لتأخذ من ذلك النور الذي يشع من وجهه الشريف، لتضيء هي بذاتها بعد أن استمدت إضاءتها من وجهه.. فداك أبي وأمي يا رسول الله.

صحتي في ابتسامتي

لقد أثبتت الأبحاث الطبية أن الابتسامة تحسن من الحالة المزاجية والنفسية للفرد كما أنها تخفف التوتر والإجهاد الذي قد يحدث نتيجة لذلك. تستخدم الابتسامة أيضا علاجا وقائيا لما قد يلاقيه المرء في حياته من هم وحزن.

وأيضا إليك أيتها المرأة الباسمة، إن تلك الابتسامة التي ترسمينها على شفتيك لهي سر من أسرار جاذبيتك، كما أنها تقلل من ظهور التجاعيد على الوجه وتجعلك تبدين أصغر سنا، كما أنها تعزز جهاز المناعة وتساعد على التخلص من الألم، وتعمل على هدوء الأعصاب.

بالإضافة إلى تلك الفوائد الصحية، فإن للابتسامة فوائد أخرى عظيمة؛ فهي تزيد من إنتاجية الفرد وتعطيه دافعا للعمل بجد واجتهاد. كذلك اعتبرها العلماء حديثا أسهل طريقة للنجاح وكسب ثقة الآخرين، فالابتسامة تعمل على صفاء الذهن وتزيد من القدرات الإبداعية.

إن الأشخاص الذين يحرصون على الابتسامة هم أناس إيجابيون لهم تأثير إيجابي في من حولهم بما ينشرونه من عبق ابتساماتهم.

جاذبة.. أم طاردة

حكى لي أحد الزملاء بأنه ذات مرة ذهب لإحدى المؤسسات، وحينما دخل إلى المكان كان عليه أن يسأل إلى أي الطوابق يصعد وذكر لي بأنه كان هناك رجلان يقفان أحدهما كان مبتسما والآخر كان متجهما، فإلى أيهما -برأيكم- توجه الرجل بالسؤال؟

نعم.. بالتأكيد هذا ما حدث بالضبط، فقد توجه زميلي إلى الرجل المبتسم وسأله عن الطابق، فقد كان هذا الرجل -بابتسامته- جاذبا، في حين كان الرجل الآخر طاردا لمن حوله بوجهه الجاد العابس.

لذا، احرصوا على أن ترسموا دوما ابتسامة خفيفة على وجوهكم، وبذلك تكونوا جاذبين لمن حولكم، فكم من ابتسامة تلقيها تدفع ألما وتبعث أملا في قلب من يتلقاها، وكم من مريض سُعد بابتسامة أمل، وما لبث أن تماثل للشفاء.

لياقة الابتسامة

إن للابتسامة لياقة وأصولا، لا بد من أخذها في الاعتبار كي لا تفهم بشكل خاطئ أو تأتي بردود فعل عكسية، نوجزها كالتالي:

  • عند التعارف وملاقاة الغرباء، احرص على أن ترسم ابتسامة خفيفة على شفتيك بحيث تظهرك بمظهر الودود، ثم بعد التعارف تجنب إصدار الضحكات العالية كي لا تؤثر على الانطباع الذي سوف يؤخذ عنك، وتذكر دوما أن "الانطباعات الأولى تدوم"، ولا شك في أن الابتسامة المعتدلة سوف تترك انطباعا إيجابيا عنك.
  • عند الخروج في الأماكن العامة، تجنب الضحك بصوت عال ولا مانع من بعض الضحكات الخفيفة والمعتدلة التي لا يكون فيها إزعاج للآخرين، كي لا تعطي عنك انطباعا ليس في صالحك.
  • في الزيارات الاجتماعية أو عيادة المريض، من المهم أن نبعث بالأمل لمن نزورهم -خاصة المرضى- عبر الابتسامة التي تعلو وجوهنا، فترفع معنوياتهم، ونتجنب الضحك المبالغ فيه، كما نراعي الصوت يجب أن يكون معتدلا لا مزعجا، أما في الزيارات الاجتماعية واللقاءات العائلية والأصدقاء، فجميل أن نرسم الابتسامة على الوجوه وأن تعلو الضحكات قليلا -مع تجنب السخرية- فإن ذلك مما لا شك فيه يضفي جوا من البهجة والسرور على الموجودين.
  • في اللقاءات الرسمية، كالتقدم لوظيفة أو حضور اجتماع، لا بد من تجنب إطلاق الضحكات الرنانة والمتواصلة أو المبالغ فيها؛ لما قد تسببه من فقدان للهيبة، كذلك لا بد من أن تعلو الابتسامة الوجه، خاصة في اللحظات الأولى لأي مقابلة.
  • تجنب الابتسامة المتعجرفة أو الساخرة، فهما مرفوضتان، أما الأولى فتكون بإطباق الشفتين معا مع رفع الشفة العليا قليلا إلى أعلى، وهذه توحي بالغرور والغطرسة والاعتداد بالنفس. أما النوع الثاني، فهي الابتسامة الساخرة فهذه لا بد من تجنبها، إلا إذا كانت في سياق الفكاهة لجذب انتباه الطرف الآخر.

لا تبخلوا بابتسامتكم على من أمامكم، فإن الابتسامة وإن كانت تأخذ حيزا صغيرا على فم صاحبها، ولكنها تأخذ حيزا أكبر في قلوب الآخرين.