شعار قسم مدونات

العلمانية الجزئية بوصفها طرحا إسلاميا جديدا

blogs العلمانية
مفهوم فصل الدين عن الدولة غير صحيح إطلاقا، والشواهد كثيرة، وعلى رأسها الحملات التبشيرية في شمال أفريقيا وبلاد الشام (مواقع التواصل الاجتماعي)

من أكثر الكلمات والمصطلحات جدلا في المعارك الفكرية والفلسفية هي كلمة العلمانية، فكل مدرسة فكرية وثقافية تفسرها تفسيرا يختلف عن الآخر، وباختلافات جوهرها الاصطلاحي اختلف جوهرها التطبيقي في رؤيتها لمفهوم بناء الدولة وفلسفتها. ولكن قبل تفسيرها علينا أن نفهم سياقها التاريخي والاجتماعي الذي انبثق منها ذلك المفهوم الذي لم يُعرف في الثقافة العربية الإسلامية وتراثها الحضاري من قبل.

كما هو معلوم فإن العلمانية جاءت ردَّ فعل على طغيان الكنيسة وسلطتها الدينية التي تعارض أي تقدم علمي وتحرر إنساني وازدهار اقتصادي، فجاءت الثورة الفرنسية وكرست العلمانية، ولكن بمفهومها الاصطلاحي فهي العالمية وهي فهم العقل للعالم بكل جزئياته وكلياته وإطلاقه بديلا عن الدين في فهم الكون والإنسانية، ولكن خلال السياق التاريخي والتجريبي فإن مفهوم فصل الدين عن الدولة غير صحيح إطلاقا والشواهد كثيرة على رأسها الحملات التبشيرية في شمال أفريقيا وبلاد الشام مثل الجامعة الأميركية في بيروت واليسوعية وغيرهم، ومن تلك الشواهد نستطيع أن نتوصل إلى مفهوم مفاده أن العلمانية هي فصل سلطة الدينية عن السلطة السياسية وليس ازدراء الأديان، ولكن العلمانية نماذج غير ثابتة وغير موحدة وهي مدارس تختلف بتطبيقاتها عن بعضها البعض.

العلمانية الملحدة والمحاربة للدين

يعتقد كثير من العلمانيين العرب أن العلمانية هي السبيل الوحيد للتطور الإنساني وأحد أسباب التطور بكل المقاييس، فلقد جرت عدة مناظرات بين محمد عبده وفرح أنطون لعرض تلك الإشكالية، وكان عرض فرح أنطون أقرب إلى كون العلمانية متطرفة ومحاربة للأديان، ولكن ذهب عن بال كثيرين أن العلمانية مدراس مختلفة، ففي فرنسا وتركيا سابقا هي علمانية متطرفة وملحدة ومحاربة للدين التي تتدخل وتبطش كل حركة دينية أو مظهر ديني ولو بسيط.

العلمانية المؤمنة

هذه العلمانية قد عرضها المفكر والفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز، أما النماذج التي تطبق العلمانية المؤمنة وتكون فيها محايدة مع الميول للدين -كما الحال في أميركا وبريطانيا- فهي علمانية متدينة نوعا ما، فإن الدولار الأميركي يُظهِر بوضوح العلمانية المتدينة حيث شعاره "نثق في الله" (in God we trust)، حتى أثناء الثورة الأميركية كان الثوار يطلقون شعار "إن إسقاط الظالم والطاغوت هو طاعة لله"، أما في الثورة الإنكليزية فلقد كان أحد شعارات الثورة هي "البروتستانت".

العلمانية والديمقراطية

المفهوم الأخطر والخاطئ للعلمانية عند العروبيين المثقفين أنهم ألصقوا العلمانية بالديمقراطية، بالمفهوم الأيديولوجي، فلقد تحولت العلمانية إلى أيدولوجيا أو دين جديد تتبناه الدولة وتقوم بفرض ثقافته وفلسفته، فمعظم الأنظمة التوليتارية والشمولية الدكتاتورية هي أنظمة علمانية على رأسهم الاتحاد السوفياتي واتحاد يوغوسلافيا، فهذان النموذجان يظهران أن العلمانية تميل أكثر إلى الأنظمة الدكتاتورية.

أما في المجتمعات العربية فلقد كانت تجربة العلمانية الشمولية -التي مورست في مصر أيام عبد الناصر وفي العراق وسوريا من خلال حزب البعث الذي يقوم على العلمانية أصلا- تجربة سيئة جدا، فلقد أغرقت البلاد في بحر من الدماء والقتل.

العلمانية والإسلام

أما في المفهوم الإسلامي والإسلاميين، فإن العلمانية تعادي الدين وتحاربه، وهي منتج غربي يحمل ثقافته ويبطن الكره للإسلام. وهذه العدائية هي طبيعية بسبب العرض الشمولي والإلغائي الذي يحمله العلمانيون أنفسهم، ولكن في الواقع هو شيء آخر، حيث هناك طلاق بين الإسلام والعلمانية في مكان والتقاء في مكان آخر، فإن أول عرض إسلامي علماني بدأ مع الشيخ علي عبد الرزاق، فلقد أثار كتابه "الإسلام وأصول الحكم" ضجة رهيبة وصلت إلى حد طرده من الأزهر الشريف، فلقد كانت أراؤه تنص على أن الإسلام نظامٌ لاهوتي وليس دين ودولة كما يعتقد البعض، تلك كانت البداية في عرض العلمانية كحل لمشكلة التراجع الحضاري والتقدم، ولم تقف عند تلك الحدود، فلقد أثار عدة كتّاب آخرون تلك النظرية، ولكن النقلة النوعية أو نستطيع أن نقول العرض الوسطي الجامع هي نظرية عبد الوهاب المسيري الذي عارض الشمولية ووافق على الجزئية نوعا ما من خلال كتابه الشهير "العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة".

من هذه النقطة -وهي جزئية العلمانية كطرحٍ إسلامي جديد- علينا أن نبدأ، فنقول إن العلمانية هي إطلاق العقل الكلي في حل الجزئيات والكليات، ولكن إطلاقه الكلي أنتج هيروشيما وناغازاكي.

وفي الإسلام، يوجد أصول الفقه الإسلامي، وهي 4؛ الكتاب والسنة والقياس والاجتهاد، فالاجتهاد يقوم على إطلاق العقل كمرجع أساسي للأمة في عرض الإشكاليات وحلولها عندما لا نجد حلا في النص القرآني والسنة النبوية، فهناك الكثير من الآيات التي توجب استخدام العقل، كقوله تعالى "أفلا يَتَدَبَّرُونَ"، وغيرها من آيات كريمة، فهنا تكمن علمانية الإسلام وهي استخدام العقل، ولكن الإشكالية تقع في فهم النصوص وتعارض تفسيرها مع المنطق والعقل، مما يحتم قراءة فقهية وواقعية حديثة، فإن تأويل النصوص ووجود سلطة النصوص والخطاب الديني الجامد هو الذي أدى إلى صراع فكري رهيب في كل العصور والأزمنة، ففي عصرنا الحالي دارت معركة فكرية بين نصر أبو زيد صاحب كتاب "نقد الخطاب الديني" مع السلطة الدينية.

ولكن في هذه الجزئية -أي الاجتهاد وعدم تعطيل العقل- تبدأ العلمانية الجزئية، ولكن المشكلة إذا تعارضت مع تفسير النص إن كان ظني الدلالة. هنا يبدأ المبحث كيف نخرج من تلك الإشكالية؟ هل تكون بطرح محمد عبده الذي صرح أنه عندما تتعارض المصلحة مع النص تتقدم المصلحة على النص أو هذا طرح مخالف لشرع الله؟.