الدبلوماسية الشعبية الفلسطينية بأميركا.. مغالطات واقتراحات

الدبلوماسية الشعبية الفلسطينية العربية بأميركا حققت نتائج قد تفوق نظيراتها الرسمية مجتمعة، ومنها الحفاظ على التراث والحق الفلسطيني من محاولات التشويه والطمس (مواقع التواصل الاجتماعي)

في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، عقد المجلس الفلسطيني الأميركي بشيكاغو ندوة بعنوان "الدبلوماسية الشعبية الفلسطينية في أميركا"، وحاضر فيها الدكتور أمجد أبو العز الحاصل على درجات: البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة النجاح الوطنية بفلسطين 1999، والماجستير في الإعلام الدولي من جامعة ليفربول البريطانية 2005، ثم الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة دورهام البريطانية 2011، وهو الآن مبعوث هيئة "فولبرايت" لجامعة "أيوا" (Iowa) الأميركية، في منحة ما بعد الدكتوراه.

ومهنيا، شغل أبو العز عدة مناصب منها: مدرس العلوم السياسية ومحاضر في جامعتي النجاح الوطنية والعربية الأميركية بفلسطين، ومدير شؤون دول الخليج العربي بالمجلس البريطاني الأميركي للمعلومات الأمنية بلندن (BASIC)، ومحلل سياسي في سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة بالعاصمة البريطانية لندن.

ورغم خلفيته الأكاديمية والمهنية هذه، جاء خطاب "أبو العز" بمغالطات مثيرة للدهشة. وفيما يلي بيان بعضها متبوعا باقتراح أو أكثر، في محاولة للإسهام البنّاء في تطوير الخطاب والعمل الشعبي الفلسطيني والعربي، وحتى لا يُعد هذا المقال هجوما على شخص أبي العز أو انتقادا له.

الذاتية مقابل الموضوعية

استهل أبو العز حديثه بالقول إن السبب الذي يدفعه لتقديم الندوة ومثيلاتها، هو "استيفاء متطلبات منحة فولبرايت" المشار إليها. ولأنه لم يذكر أي سبب آخر، فقد اعتبر البعض هذا القول مهينا، فيما تساءل آخرون عن مدى جدية وجدوى اللقاء، وما إذا كانوا مجرد "سد خانة".

وكان حريًّا بأبي العز أن يقدم ولو سببا موضوعيا واحدا يُشعر الحضور بدورهم كشركاء فاعلين. وليته قال مثلا إنه يهدف للتعرف على المجتمع العربي الأميركي، والوقوف على بعض خصائصه، وتصوراته حول ذاته كأقلية في بلاد المهجر وعن المجتمع المحيط به. أو أنه يحاول استقراء توجهات ومواقف العرب الأميركيين نحو قضايا بلادهم الأصلية ولا سيما القضية الفلسطينية، وجهود الدبلوماسية الشعبية التي يمارسونها. وكلها اعتبارات أكثر أهمية ومواءمة من السبب الذي قدّمه.

الممارسة الديمقراطية بين الكنيست الإسرائيلي والمجلس الفلسطيني الأميركي

أشاد أبو العز بالتجربة الديمقراطية التي يمارسها أعضاء الكنيست الإسرائيلي -على حد قوله- وكيف أنهم قد يختلفون في النقاش ولكنهم يتفقون على الهدف والعمل على تحقيقه. ولم يكن واضحا كيف ترتبط هذه النقطة بموضوع الندوة "الدبلوماسية الشعبية".

ويبدو أن أبا العز لم يكلف نفسه عناء البحث عن طبيعة الجهة المستضيفة للندوة. ولو أنه فعل، لاكتشف دون جهد أن المجلس الفلسطيني الأميركي بشيكاغو يمارس ديمقراطية لا تقل عن الإسرائيلية التي أشاد بها. ومن مؤشرات ذلك مثلا البث المباشر للانتخابات الداخلية بالمجلس في تطبيق عملي للشفافية، وكذا توزيع المهام والصلاحيات في إطار من لامركزية الإدارة، فضلا عن ممارسة الاختلاف الآمن في الرأي وحرية التعبير، وكلها من مؤشرات الممارسة الديمقراطية.

ناهيك عن أن المجلس الفلسطيني الأميركي بشيكاغو في نشأته وبنائه وعمله، قائم على أساس قانوني وأخلاقي سليم. وليس على أرض انتُزعت من أصحابها بقوة السلاح وبخيانات متعددة الأبعاد.

شبهات حول السلطة الفلسطينية

تحدث أبو العز عن مجموعة من الدبلوماسيين الفلسطينيين الشباب، ووصفهم بكونهم خامات مميزة وأنهم قد أُعدوا جيدا وتلقوا تدريبا متقدما، ولكنه أضاف في مفارقة عجيبة أنه تم تحجيم دور هذه العناصر الشابة نظرا لحداثة سنهم.

وقد يثير هذا القول تساؤلات حول منهجية عمل السلطة الفلسطينية، فقد يفسره البعض بأن السلطة بهذا التحجيم تمثل عائقا أمام الأجيال الجديدة، أو أنها تحرم الوطن عمدا من طاقات شابة، في وقت يتوسع فيه العالم في تمكين الشباب. أو أنها بذلك تهدر المال العام. فإذا كان السبب في تحجيم دور هؤلاء الشباب هو صغر السن، فمن المتوقع حين تدخل طاقاتهم حيز التنفيذ بعد سنين، أن تكون تكلفة انتقائهم وإعدادهم قد ذهبت هباء، وأن يصبح التدريب الذي تلقوه غير مناسب في ظل عالم سريع التطور. وحينها، إما أن يُقدّم هؤلاء الدبلوماسيون للعالم بمهارات غير محدّثة، أو أن تضطر السلطة إلى إعادة تدريبهم بما يناسب متطلبات وقتهم حينئذ، وبتكلفة جديدة.

كما قد يثير هذا الحديث شبهة الازدواجية في عمل السلطة. فحين ترفع صور "ياسر عرفات" وتردد مقولاته، وتصفه بالقدوة، وهو من كان في الـ19 من العمر حين خاض لأول مرة الكفاح المسلح من أجل فلسطين عام 1948، وكان في الـ30 من العمر حين أسس حركة فتح، فكيف يمكن تفسير التناقض الحادث بتحجيم الطاقات الشابة؟!

ومن المثير للدهشة أن أبا العز الذي ذكر تحجيم هؤلاء الدبلوماسيين الشباب دون مبرر، هو نفسه من أشاد بتشجيع إسرائيل ورعايتها لشبابها وطلاب جامعاتها، والاستفادة بهم كجنود لدعم دبلوماسيتها.

وكان الأفضل لو تحدث أبو العز عن مدى إدماج هؤلاء الدبلوماسيين الشباب في العمل، وبيان أدوارهم، ومناقشة ما حققوه من نتائج. وكان الأولى به التركيز على "الدبلوماسية الشعبية" كموضوع للندوة، وإرجاء الحديث عن الدبلوماسية الرسمية البحتة لندوة أخرى. وبالطبع، كان من الأولى أن يبين ما فعله هو للتأثير على السلطة لتمكين هؤلاء الشباب.

التقليل من شأن الدبلوماسية الشعبية الفلسطينية في أميركا

في حديث أبي العز عن الدبلوماسية الشعبية الفلسطينية، قال "كل اللى بتعملوه (الذي تقومون به) ما يجيش (يساوي) 1% من الدبلوماسية الشعبية". وكان في قوله هذا إهانة أخرى لبعض الحضور والنشطاء.

وقد يدفع هذا القول للتساؤل حول مدى التزام أبي العز بالموضوعية، تماشيا مع خلفيته الأكاديمية والمهنية. وكذا حول الدوافع المحتملة لتقديمه لتلك الندوة وما جاء بها من مغالطات.

ومن تلك الأسئلة: هل ذلك القول مجرد رأي شخصي لم يقدم عليه صاحبه أي دليل أو نتاج عمل أكاديمي منضبط؟ وماذا يقصد بقوله "كل اللى بتعملوه (الذي تقومون به)"؟ ومن أين جاء بهذا الرقم؟!

باختصار، ما الخطوات المنهجية أو الحقائق التي استند إليها أبو العز للوصول إلى تلك النتيجة؟ وما الهدف من التقليل من شأن الجهود المبذولة لدعم القضية الفلسطينية، بدلا من تشجيعها؟

لقد كان جديرا بأبي العز أن يراعي موضوعية العرض، وأن يركز على أبعاد وأشكال الدبلوماسية الشعبية الفلسطينية العربية. ومقارنتها بنظيرتها لدى أقليات أخرى في أميركا، وبما حققته من نتائج، مقابل ما أنجزته كل الدبلوماسيات العربية الرسمية مجتمعة لفلسطين وللعرب.

ولو أن أبا العز درس حال الدبلوماسية الشعبية الفلسطينية في أميركا بموضوعية، لوقف على مدى اتساعها وتنوعها وكذا نتائجها، بدءا من تنشئة تحافظ على الهوية العربية والانتماء الوطني، ومرورا بممارسات تراثية وفنية ورياضية وإعلامية، في إطار من التفاعلية الرمزية، وكذا دبلوماسية الطعام والخدمات المجانية في سياق التواصل الشخصي والمؤسسي، ووصولا لدور الاتحادات الطلابية والمنظمات المجتمعية وما تعقده من شراكات ناجزة مع نظيراتها غير العربية.

وأخيرا، لاكتشف أهمية النتائج التي حققتها الدبلوماسية الشعبية الفلسطينية العربية في أميركا، لدرجة قد تفوق نظيراتها الرسمية مجتمعة. ومن مؤشرات ذلك، الحفاظ على التراث الفلسطيني من محاولات التشويه والطمس، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وحرب الرواية.

وكذلك أنها مؤخرا قد أزعجت إسرائيل، وكما أثبتت صواريخ المقاومة قصور منظومة القبة الحديدية، فقد أثبتت تلك الدبلوماسية بفاعليتها قصور نظيرتها الإسرائيلية. ومن دلائل ذلك ما قاله أبو العز عن دعم إسرائيل لدبلوماسيتها الشعبية مؤخرا بعشرات الملايين من الدولارات!