إشكالية الحداثة

ميدان - الحداثة توشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. لقد آن الأوان لمراجعة عالمية للحداثة ككل
الحداثة أضحت -بما لا يدع مجالا للشك- نقمة على البشرية بقدر ما كانت نعمة يتطلع إليها الإنسان (مواقع التواصل الاجتماعي)

بينما يتقدم هذا العالم خطوة في التقانة والمعرفة والحداثة المادية يكون قد تراجع ألف خطوة في جانب القيم الإنسانية، وبقدر ما يشيّده من مظاهر العمران يهدم أضعافها من المُثُل العليا والأخلاق التي تحفظ كيان البشرية، وكأن قصارى طموحه أن تصير الحياة مجرد غابة يقرر فيها القوي مصير المستضعف المقهور بعد أن يسلب إرادته ويحدد مساره ويشكل قناعاته وهويته، ويتحكم بمصيره ويضع له حدود تفكيره وسقف تطلعاته.

فتحْت لافتات الحداثة وشعارات التنوير صار العالم ملكا لعصابة سياسية إمبريالية همجية كسبت -بخبث- معركة الإنسان مع الراديكالية لصالحها، صانعة واقعا بائسا يهدد حياة الشعوب المستضعَفة وينذرها بالخطر إن لم تكن تعيشه الآن بعدما قدمت مشروعها الفاحش للإنسان البسيط في حلة مزخرفة كالمنقذ البطولي من مخالب التخلف والكهنوت وظلام المؤسسات الدينية، حيث تنطوي شعاراتها الزائفة على كل أشكال استعباد الإنسان وابتذاله.

لم تعد نقمتنا على مشروع التنوير مجرد عصاب فكري ديني أو تُهَم سافرة مغلفة بالجهل أو مبطنة بالدوغمائية الهشة، بقدر ما تعد هذه المشاريع نفسها طوية السريرة تباع في أسواق الأغبياء والعبيد، مستغلة فراغ الروح وغياب الوعي ولعنة الحاجة وارتكاس الهوية وتأزم حياة الإنسان وحيرته وموقفه المضطرب من المؤسسة الدينية، تحت غطاء من الإعلام المزيف للحقيقة، عدا عن خذلانها الإنسان وانصرافها لتلك العصابات السياسية بوقا يهتف لهم ويمهد طريقهم إلى السطوة العالمية.

إن تحرير الإنسان من ضلال الفكر إلى ظلام القيم ليس إلا تقويضا لكافة النظم والقوانين التي تحكم سير الحياة، بحيث تختل الموازين وتفقد المجتمعات نعمة الأمن النفسي؛ فيستحيل معظم البشر -تحت غطاء الحرية المعطوبة- وحوشا ضارية تفترس بعضها بعضا متأسية بوحي النظام العالمي الذي يكشف -كل يوم- شيئا من فلسفته البشعة وجوهره الدموي المادي المشؤوم، ولك أن تتأمل واقع المجتمعات مقارنة بماضيها في مستوى الجريمة الأخلاقية والانفلات الروحي.

وكقارئ لما يستجدّ من الحياة لا أرى في زمار الحداثة والتنوير وعواء الحرية إلا شرعنة مقننة لكل أشكال التمرد والتنمر، وتحريرا لكل ما هو استثنائي من الشر حين لا يبقى هناك أي وازع أخلاقي أو ديني أو عقلاني يقمع جموحه، وهذا على الصعيد الشعبي الخاص عدا عن تعبيده طريق النظام العالمي لإحكام قبضته على الكوكب، وترك الأبواب مشرعة لكل ما هو همجي وتافه ومبتذل من القيم والمثل.

ولك أن تتساءل عن قيمة الإنسان في ظل موجات العصرنة والحداثة والتنوير ولاسيما إنسان العالم الثالث، ذلك الكائن البائس الحظ والذي ألقت به الأقدار في هذا العالم!

إنه لا يحتاج إفراغ روحه من القيم والفضيلة والأمن الذي توفره اعتقاداته الروحية بقدر ما يحتاج الإحساس بالكرامة الإنسانية والعدالة والحرية المنطلقة من تكريم الله إياه كإنسان.

فما جدوى ارتياد الفضاء وحرث المحيطات وكل تجليات العلم والمعرفة ونشاطات الفكر والانتصار على الرجعية حين تزهق روح الشعوب أو تفقد كرامتها أو تسلب حريتها؟!

ما نفع التنوير الذي لا يضيء سوى طريق الظلم والبذاءة والتفاهة والاستبداد والاستعمار الفكري والجغرافي؟ ما قيمة الحرية التي تعطي الفحش والإجرام والتوحش والتطرف والإرهاب الحق والسلطة تحت ذرائع ساذجة؟!

لقد أضحت الحداثة -بما لا يدع مجالا للشك- نقمة على البشرية بقدر ما كانت نعمة يتطلع إليها الإنسان المحكوم بقوانين أخيه الإنسان الاستبدادية. وأضحت تلك الرؤية البشرية طريقا سالكا للحيرة والقلق الروحي والتأزم النفسي، لأنها أولا وأخيرا اندفاع بشري محموم نحو المجهول.

في اعتقادي ليست هذه الفكرة -في موقفها الأخلاقي- سوى انتحار فلسفي محض؛ لعدة حيثيات ليس آخرها أنها تتناقض مع الطبيعة البشرية، فهي تجرد الإنسان من إحساسه باختلافه عن سائر المخلوقات وترفع عنه غطاء المسؤولية ليعيش حياته أنانيا فوضويا كأي كائن؛ فهو بشكل أو بآخر لا يستطيع العيش دون طبيعة روحية أو أفق مادي يجتهد في بلوغه. فالطبيعة الروحية تحميه من شرور النفس ونزواتها وتجعله إنسانا صالحا والبعد المادي يجعله إنسانا منتجا وعنصرا فعالا ذا مسؤولية وواجبات.

أخيرا، كما أن الحداثة ليست محض شر هي أيضا ليست محض خير للمجتمعات ويقع على عاتق المعنيين في قراءة ونقد المفاهيم أن يعيدوا للجيل فلسفة التنوير بشكل يضمن احترام إنسانيتهم وأخلاقهم ومجتمعاتهم، مسلطين الضوء على قيمة الإنسان في وجه مشروع الحداثة المنحرف عن مساراته وغاياته الأخلاقية.