قراءة في العزوف السياسي.. تيار المستقبل نموذجا

سعد الحريري يعتزل العمل السياسي (رويترز)

جاء قرار الرئيس سعد الحريري بتعليق تياره عمله السياسي كالصاعقة على كافة المستويات، فعلى المستوى السياسي، أحدث قراره صدمةً بين صفوف الحلفاء والخصوم في آنٍ واحد، إذ كان تيار المستقبل أحد أركان السلطة والدولة العميقة، وانسحابه من المشهد السياسي سوف يؤدي إلى إعادة هيكلة الدولة العميقة بين الأركان الجدد، حتى انتخابيًا، وإن حصلت في موعدها، فإن الانسحاب سيغيّر من الأرقام والإحصائيات والتحالفات وأسماء المرشحين.

أما على المستوى الشعبي فلقد كان الاهتزاز أكبر وأعمق كونه يمثل الطائفة الكبرى في البلد، وبخروجه من المشهد السياسي شكّل حالةً من عدم التوازن الطائفي، ناهيك عن أن الانسحاب جعل الجمهور كالأيتام عند موائد اللئام في المعركة السياسية المقبلة، التي تُعتبر مفصلية كون المنطقة كلها قد تكون مقلبة على رسم خرائط جديدة تشبه سايكس بيكو أو عقدا اجتماعيا جديدا يجلس فيه الأقوى والمنتصر.

لا شك في أن خطاب الرئيس الحريري يحتاج إلى تفصيل على طريقة ميشال فوكو كي نفهم الرسائل المعتددة التي حاول إيصالها، ولا شك في أن وصف الحالة السياسية اللبنانية بعد الانسحاب يحتاج إلى قراءة مفصلة وعميقة كي نحدد النتائج والتأثير الذي سببه ذلك الانسحاب. ولكن قبل ذلك، لا بد لنا أن نتبحّر قليلاً ونفهم ماذا حصل؟ ولماذا الانسحاب؟ ما الذي أدى إلى ذلك الاضمحلال البنيوي في التنظيم والتراجع الثقافي في صفوف الكوادر والقيادة في التيار؟

الجميع كان تركيزه على الشق الخارجي باعتبار أن الضغوط الخليجية هي التي أدت إلى أخذ ذلك القرار المر وإنهاء حلم رفيق الحريري. ولكن الأسباب الداخلية هي التي أدت إلى الأسباب الخارجية، فذلك التيار العابر للطوائف والمناطق تراجع بسبب خمسة أسباب، وتلك الخماسية تشكل حالة التراجع الحتمي لكل الحركات السياسية والدول إذا مارست تلك الأسباب.

توسيد الأمر إلى غير أهله

في ضوء الصراع بين القوتين الجبارتين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية، اتبعت واشنطن سياسة توظيف الجواسيس داخل جسد الدولة، وهؤلاء قاموا بسياسة توسيد السيئ في المواقع الحساسة التي أثرت على اتخاذ القرارات. هذا تمامًا ما حصل، لقد تم تنصيب الأشخاص غير المؤهلين والأكفاء في مناصب حساسة، مما أدى إلى اتخاذ قراراتٍ كانت قاتلة وأظهرت التيار في حالةٍ من الضعف أثناء مواجهة الخصوم. وذلك كان على مستوى النيابة والوزارات والمنسقيات والبلديات وغيرها، وتلك كانت نتيجة عدم وجود مؤسسات داخل التيار تقوم بتخريج قيادات قادرة على تولي زمام السلطة والقيادة في الشأن العام.

استبعاد الصقور

عندما تولى جورج بوش الابن رئاسة الولايات المتحدة الأميركية وضع الصقور في القيادة من أجل وضع خطة اجتياح العراق، فوضع دونالد رمسفيلد وزيرًا للدفاع، وكولن باول وزيرًا للخارجية، وكونداليزا رايس مستشارة للأمن القومي. هذا ما لم يفعله التيار، فلقد استبعد الصقور والأقوياء ووضع مكانهم شخصيات هزيلة وانتهازية وشخصياتٍ نفعية لا تملك شيئا من الخبرات السياسية والتراكم المعرفي في كيفية التعاطي مع الشارع ومع الأعراف، آخذين بعين الاعتبار البعد الاجتماعي والديني والتقاليد.

دراسة وقراءة نقدية

إن غرقت سفينة أو تعرضت إلى خللٍ ما في بنيتها الخارجية بسبب اصطدامها بصخورٍ أو جبل جليد أو سببٍ آخر أدى إلى تسرب المياه إلى الداخل، فإن الخطوة الأولى التي يقوم بها فريق العمل من مهندسين ومختصين في مجال السفن بعد إنقاذ السفينة أو انتشالها من قاع البحر، هو فهم ما حصل بالضبط (Micro & Macro). إن فهم ما حصل لهذه السفينة أساسي لتجنب الأخطاء لاحقًا، وتدعيم السفن الأخرى كي لا تتعرض للمشكلة نفسها التي تعرضت لها تلك السفينة أثناء إبحارها في المحيط.

أما على المستوى الإنساني الفردي، فمن منّا لم يمر بتجربة سيئة إما على الصعيد العملي وإما على صعيدٍ آخر؟ من منّا لم يقع في أخطاءٍ وأغلاط تجبره على إعادة النظر في مساره وخططه؟ ولكن الإنسان اللبيب والحكيم هو من يقرأ المشهد والتجربة بشكلٍ موضوعي وعلمي مُتبعًا منهاجا معينا كي يصل إلى الحقيقة، فهذه القراءة النقدية للتجربة من أهم الخطوات التي لا بد من اتباعها لفهم مجريات الأحداث التي أحاطت تلك التجربة وسبب فشلها. كذلك الأمر بالنسبة للتجارب السياسية والاجتماعية، لا بد من نقد الحركة ذاتيًا كي تتم إعادة المسار، حتى لو كانت التجربة ناجحة، فهذه العملية تُشخص أسباب النجاح ومدى نسبة نجاحها. هذه القراءة النقدية لم تحصل بتاتًا مما جعل التيار يقع في أخطاءٍ كثيرة ومتكررة.

تغيير الخطاب السياسي

كل مرحلةٍ تحتاج إلى خطابها السياسي المتماشي مع السياق التاريخي والاجتماعي للظروف التي تعيشها أي حركة سياسية، فهناك الثابت والمتغير، ولكن هناك قاعدة ثابتة تقول إن الثابت الوحيد في الكون هو التغيير، والتغيير يجب أن يطال الخطاب السياسي الذي ينبثق من العقيدة السياسية والوثيقة التي تحتاج إلى إعادة الدراسة في كل فترةٍ زمنية معينة حسب الظروف والمعطيات والتوازنات السياسية والجيوسياسية والإقليمية، ولكن للأسف لم ينتج التيار إلا خطابات منذ عهد المؤسس الأول أي رفيق الحريري، غير مدركين أنه كان لو رفيق الحريري بينهم لغيّر الخطاب السياسي متماشيًا مع الظروف.

الهوة بين القيادة والجمهور

مما لا شك فيه أن تيار المستقبل من زاوية تصنيفٍ اجتماعي نستطيع أن نصف قيادته بأنها برجوازية وسطية وأرستقراطية، تلك الطبقة لم تسع إلى التواصل مع طبقة العاملين (البروليتاريا)، مما شكل هوة كبيرة، فلقد كان الرئيس رفيق الحريري رجلا بحجم دولة، قادرا على أن يكون أرستقراطيا ولكنه في الوقت نفسه فهو من أصولٍ فقيرة قادر على التواصل مع الطبقات الاجتماعية السفلى، مما جعله حالة فريدة كقيادي سياسي ناجح.

هذه الميزة لم يكتسبها ابنه الذي ورث المال والزعامة السياسية ولكنه لم يرث تلك الفطنة وفن التعامل، على العكس فلقد عزز الوريث صفته الأرستقراطية، وأحاط نفسه بشخصياتٍ رأسمالية كرّست الفلسفة المادية والنفعية من أجل مكتسبات سياسية ومادية شخصية. تلك السلوكيات أدت إلى زيادة حجم الهوة بين الناس، وفي الوقت نفسه عززت ثقافة الكرتونة، وهي ثقافة تقوم على إعطاء جزء من السمكة دون إعطاء الصنارة التي تهدف في نهاية المطاف للصندوقراطية.

الهوة لم تقتصر على التواصل، إنما امتدت إلى بروز هوة اجتماعية بشكلٍ قوي، مما عزز من نفور الشارع في ظل انتشار مواقع التواصل الأجتماعي والعولمة الإلكترونية التي فضحت تلك الطبقة التي تعيش في الترف والثراء والنعيم والناس تعيش المأساة والبؤس.

إضافة إلى تلك العوامل التي ذكرناها، هناك عوامل أخرى مثل التضخم التنظيمي غير المجدي، والفساد المالي ضمن الجسد السياسي، وصفقات المال والاغيتالات السياسية، واندلاع الثورة وغيرها. ورغم صعوبة تلك العوامل، فإنها تبقى سياسية تؤدي إلى ضعفٍ وتراجع، ولكنها لا تقود إلى مشاكل بنيوية قادرة على إنهاء حالة التيار ولو بعد حين. كل تلك الأمور أدت إلى العزوف عن المشهد السياسي، إضافةً إلى العوامل الخارجية التي كانت نتيجة العوامل الداخلية التي انعكست على طبيعة الصراع في لبنان.