لماذا عبّر القرآن والسنة عن لفظ الجلالة (الله) بالتذكير؟

مسجد آيا صوفيا الذي حوله محمد الفاتح من كنيسة الى مسجد عام 1453 - اسطنيول، تركيا تصوير : أحمد الجنابي
مسجد آيا صوفيا (الجزيرة)

جلست مع عدد من الأولاد أتحدث معهم في بعض القضايا الإيمانية، فسألني أحدهم هذا السؤال: لماذا يأتي لفظ الجلالة (الله) مذكرا؟! وكان هذا الأمر قد أثارته من قبل نوال السعداوي، وسوف أجيب مستعينا بالله على هذا النحو:

أولا: نقاط موجزة في عدم ذكورية الإسلام

  • الإسلام دين البشر جميعا نسائهم ورجالهم، والله تعالى يقول: "ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا" [النساء: 124]. ولئن قدم الله الذكر هنا فقد قدم الأنثى في آية أخرى: "يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور" [الشورى: 49]. ومن جميل ما ذكره القرطبي في التفسير تفضيل الأنثى على الذكر، حيث قال ربنا: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا" [الكهف: 46]، قال القرطبي: قال عبيد بن عمير: هن البنات، يدل عليه أوائل الآية، قال الله تعالى: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا"، ثم قال "والباقيات الصالحات" يعني البنات الصالحات هن عند الله لآبائهن خير ثوابا، وخير أملا في الآخرة لمن أحسن إليهن (تفسير القرطبي 10/ 415).
  • ذكورية الإسلام فكرة غربية: إذ هذه الفكرة فكرة غريبة على المجتمع المسلم والفكر الإسلامي، وهي ناتجة عن التأثر بثقافة الآخر، ويكفينا أن القرآن به سورة تسمى بالنساء وهناك أخرى وهي الطلاق وتسمى بـ"النساء الصغرى"، وليس في القرآن سورة الرجال. ويكفينا أن الإسلام جعل الجنة تحت أقدام الأمهات، روى ابن ماجه عن معاوية بن جاهمة السلمي، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، قال: "ويحك، أحية أمك؟" قلت: نعم، قال: "ارجع فبرها"، ثم أتيته من الجانب الآخر، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، قال: "ويحك، أحية أمك؟"، قلت: نعم، يا رسول الله، قال: "فارجع إليها فبرها"، ثم أتيته من أمامه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، قال: "ويحك، أحية أمك؟"، قلت: نعم، يا رسول الله، قال: "ويحك، الزم رجلها، فثم الجنة" (صححه الألباني). وإن الوصية بالأم كامرأة كانت 3 أضعاف الرجل كأب، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك"، قال: ثم من؟، قال: "ثم أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك".
  • الذنب الأول وصف به الرجل لا المرأة: وهذا من حماية الإسلام للمرأة وتكريمه لها، حيث إنه وصف الرجل الأول (آدم عليه السلام) بالذنب، ولم توصف به المرأة. فالقرآن حين تحدث عن معصية آدم وحواء، لم يقل إن حواء هي السبب كما تقول كتب أهل الكتاب، وإنما نسب المعصية إلى آدم، قال تعالى: "وعصى آدم ربه فغوى" [طه: 121]، على الرغم من أن كليهما أكل.
  • تقليد الأنثى واجب في أحد أركان الإسلام: وذلك أننا جميعا في الحج نقلد امرأة، وهي هاجر عليها السلام، والفقهاء على أن السعي ركن من أركان الحج وكذلك العمرة، لا يتم الحج ولا العمرة إلا به.
  • "التذكير" في النصوص الشرعية يشمل الجنسين، ولهذا فإن كل خطاب في القرآن يأتي بنداء (يا أيها الذين آمنوا) فهو للجنسين معا، مثل: "يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة" [البقرة: 153]، وقوله: "يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم" [البقرة: 172]، ولا يمكن أن يقال إن هذا الخطاب للرجال دون النساء.

ثانيا: لماذا أتى لفظ الجلالة (الله) مذكرا لا مؤنثا؟

وأما لماذا أتى لفظ الجلالة (الله) مذكرا في القرآن والسنة، فذلك لأمور، وبيانها كالتالي:

  • التأنيث والتذكير سنة كونية: فقد جعل الله التأنيث والتذكير سنة كونية، إذ الكون كله قائم على التزاوج والثنائية، ذكر وأنثى، موجب وسالب، قال تعالى: "وخلقناكم أزواجا" [النبأ: 8]، وقال: "والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا" [فاطر: 11]، وقال: "فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" [الشورى: 11]، وقال: "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون" [الذاريات: 49].
  • معظم لغات العالم قائمة على الثنائية: وهذا أصل في لغات العالم، ففيها الذكر والأنثى، تقول للمفرد المذكر "هو"، والمفردة المؤنثة "هي".. وهكذا. إلا ما يقال عن اللغة التركية وبعض اللغات التي ربما لا تفرق بين الذكر والأنثى في الخطاب.
  • الثنائية والازدواجية في عالم المخلوقات فقط، وهذا لا ينطبق على الخالق سبحانه، فهو المتفرد في كل شيء، قال سبحانه: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" [الشورى: 11]، وقال جل وعلا: "قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد" [الإخلاص]، وتذكير الضمير العائد على الله، وحتى أسماء الله الحسنى، لا يعني وصف الله بالذكورة حاشاه سبحانه.
  • التذكير والتأنيث يتداخل في اللغة العربية: وهذا من عجيب اللغة العربية، حيث نجد ذوي التذكير ينالهم جانب التأنيث والعكس كذلك. ففي عالم النساء ناهد وكاعب وناشز وطالق وفاتن، ومثل ذلك أسماء بعض البلدان مثل: الشام ومصر ودمشق والطائف.. فهذه كلها أسماء مذكرة لكنها تصف مؤنثا. وفي المقابل تجد من المذكر ما يكون ظاهره التأنيث، مثل: طلحة وعبيدة ومعاوية وحمزة وأمية وقسورة وأسامة.. فهل دل ذلك على انتقاص من الرجل؟ أبدا لم يقل بذلك أحد قط.
  • أعضاء الجسم فيها المذكر والمؤنث: حيث تجد كل ما كان متكررا عومل معاملة المؤنث، بالرغم من أنه لا يحمل علامة للأنثى، مثل: يد وفخذ وعين ورجل وأذن وساق وكتف. بينما ما كان فردا عومل معاملة المذكر، ومن ذلك: قلب ولسان وفم وأنف وبطن وظهر وعقل وفرج ودبر.. فليس ما جاء مذكرا أفضل مما جاء مؤنثا، بل نجد القرآن في الآية الواحدة يجمع بين المذكر والمؤنث لفضلهما، دون النظر إلى نوع التذكير أو التأنيث، قال تعالى: "وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة" [المؤمنون: 78]. وقد صح أن القلب (الفؤاد) هو أساس صلاح الإنسان، وأنت تراه هنا جمع على التأنيث. روى الشيخان عن النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
  • اللغة العربية لفظة مؤنثة: ومما يثير العجب ولم يتحدث عنه الرجال مثيرين زوبعة أن اللغة العربية يقال لها "لغة"، فهي مؤنثة، ولم نر من الرجال من شنع على هذا الأمر، وقال يا لها من لغة أنثوية حيث جعلوها مؤنثة لا مذكرا!
  • الرجولة والذكورة نالهما التأنيث: حيث لم يسلم عالم (الرجال) من الدخول تحت مظلة الأنثى، وها هو وصف (الرجولة) وكذلك (الذكورة) لحقت بهما (تاء التأنيث)، فهل يعد ذلك من النقص؟ اللهم لا. والحق إنها مجرد استخدامات لا ينبغي الوقوف عندها، وقد أحسن المتنبي حين قال:

ولو كان النساء كمن فقدنا .. لفضلت النساء على الرجال

وما التأنيث لاسم الشمس عيب .. ولا التذكير فخر للهلال

  • الشيطان مذكر والملائكة تعامل معاملة الأنثى في اللفظ: فلماذا لا يقال إن الإسلام دين أنثوي لأنه جعل الشيطان مذكرا، وهذا هو رأس الهم والغم لبني البشر، قال تعالى: "فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى" [طه: 117]. والملائكة عوملت في اللفظ معاملة الإناث، قال تعالى: "وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك" [آل عمران: 42]، هذا على الرغم من أن الله تعالى قال: "أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما" [الإسراء: 40].
  • الأنثى تنفرد بكثير من الخير والذكر ينفرد بكثير من الشر في الألفاظ: ومن ذلك: الرحمة والطمأنينة والسعادة والحكمة والاستقامة والهداية والقوة والفتوة والراحة، وفي المقابل هناك: الضلال والمنكر والفساد والباطل والتزييف والغش والتدليس والجهل والانحراف.. فهل ذلك يعد نقصا في عالم الرجال أو عالم الذكورة.
  • القرآن استخدم اللغة التي يتحدث بها الناس الذين نزل فيهم القرآن، وذلك أن القرآن نزل عربيا لقوم العربية لغتهم وصنعتهم، قال تعالى: "إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون" [يوسف: 2]، والعرب تستخدم المذكر لسهولته، فإذا نادى أحد رجلا كان أو امرأة فيكون الجواب: من المنادي، وإذا أخبرت المرأة أن أحدا زارها فيقال لها: من الزائر (رجلا كان أو امرأة)، وهكذا هي اللغة، ومن ثم نزل القرآن بها.

خلاصة القول

هذه طبيعة لغوية، وليس فيها أي نوع من أنواع التحيز تجاه جنس معين، ولا يعد ذلك تكريما لجنس الرجال ولا تحقيرا لجنس النساء، وإنما كان ذلك لسهولة استخدام المذكر في اللغة التي نزل بها القرآن. وينبغي الإيمان بأن الله تعالى لا يوصف بذكورة ولا بأنوثة، وإنما هي الضرورة اللغوية في التعامل والبيان.

والحمد لله أولا وآخرا.