نافذة على كتاب "أسئلة الثورة" للدكتور سلمان العودة

النيابة العامة في السعودية تطالب بإعدام سلمان العودة
سلمان العودة (الجزيرة)

تطالعنا أحيانًا بدايات حدث ما، فتتشكل رؤيتنا لما ستؤول إليه تبعاته، ونضع تصوراتنا لما يناسب ذلك من سلوك وأفعال، ثمَّ نعيش حقيقة تداعيات ذلك الحدث ومآلاته، التي تضع ما سبق لنا من رؤى وتصورات على المحك. وعندئذ قد يكون من المفيد أن ننظر مجددًا في الذي ارتأيناه سابقًا، لنرسخ ما أكدته التجربة، ونستبعد ما نفته الوقائع.

عندما أصدر الدكتور سلمان العودة كتابه "أسئلة الثورة" لم يكن قد مضى على حادثة البوعزيزي في تونس، التي عُدّت الشرارة الأولى لانطلاق ثورات الربيع العربي، إلا ما ينيف قليلًا على عام واحد. وفي كتابه هذا قدّم قراءته للحاضر المَعِيش والقادم المُنتظر، وأبرَزَ ما يجول في الأذهان من خواطر وتساؤلات موضحًا ردوده وتعليقاته عليها.

في البداية سارع الكاتب إلى بيان أن الثورة تأتي مثل قَدَر لا يُردّ حينما يتعذر الإصلاح الجذري الجاد، وأكد أنه لا يوجد ما يدعو إلى تشجيع الثورة بذاتها، فهي محفوفة بالمخاطر؛ إنما القمع والظلم والفساد والتخلف والفقر وحدها داعية للثّورة. ويبدو أنّ الدكتور العودة حين قدّم كتابه كان متمسكًا ببقية أمل في إمكانية استعادة السيطرة على التوتر الحادث، فذكّر بأن المهمة الملحّة والمجدية أمام الأنظمة العربية للخروج من الأزمات التي حلّت هي السير قدمًا نحو الانفتاح على الناس، وتقديم تنازلات جريئة على صعيد حقوق المواطنة والعدالة وسيادة القانون بشكل يتجاوز الشعارات المكرورة ليصل إلى الفعل الحقيقي، لا سيما أن شواهد التاريخ أكدت سلامة النتائج التي حققتها الحكومات الواعية في الغرب، التي كانت تقيس النبض الشعبي حتى إذا ما رأت بوادر الاحتقان والسخونة الاجتماعية سعت بجدّية إلى الحلول وليس إلى المسكّنات؛ عبر إصلاح داخلي صادق، أكثر أمانًا وضمانًا للمستقبل من الثورات.

لكن الأنظمة المستبدة غالبًا ما يصعب عليها ذلك، ويفوّت مصالح بعض المتنفذين فيها الإقدام على تعاطٍ عقلاني مع الواقع والتفاعل مع تطوراته، إذ ترى الإصلاح تراجعًا خطرًا. ومع سيطرة هذه النّزعة نتج عن سابق إصرار اغتيال للمواطنة من المحيط إلى الخليج لتحويل المجتمعات العربيّة إلى شعوب محرومة من الحريات الأساسيّة، بل من فرص التنمية التي تشمل التعليم والصحة والعمل والمشاركة في تقرير المصير، وشُوّهت قيمة الوطنية المرتبطة بالبلاد وتحولت إلى ولاء سياسي لشخص أو أفراد أو عائلة.

ولأن العمل المنظم الممانع والمراقب والمحتسب في معالجة الواقع الفاسد لم يكن قائمًا، لأسباب محلية وتاريخية، صار الناس بين خيارين: إما التسليم للسلطة أو الثورة.

وفي مواكبته لمسار الثورة، شعر الدكتور العودة أن هناك حالة تيه يعانيها المثقفون، تيه في تصور الواقع وفهمه، وتيه في البحث عن مخرج. ورأى أن الحاجة ماسّة في ظل المتغيرات العربية إلى ظهور فقهاء ذوي نظر سديد وثقافة حديثة، فضلًا عن العدالة والانضباط الأخلاقي، وأن واجب الدول والمجتمعات والمؤسسات السعي في صياغات عادلة أكثر من التوجه للاستحواذ على السلطة.

والثورة التي تفجرها نقمة شعبية يغلب عليها الغضب وعدم وضوح الأهداف، فهي تعرف جيدًا الأوضاع التي ترفضها ولا تريدها، ولكنها غالبًا لا تعرف ما الذي تريده بالضبط إلا كشعارات عامة، لكن الطريق إليها ليس واضحًا في جميع الأحوال.

ومن يواكب مسار الثورة لا بد أن يتأمل متسائلًا عما سيأتي بعدها، ولهذا وجدنا مؤلف الكتاب قد أظهر مخاوف من مخاطر قد تأتي، فأعلن محذّرًا أن المحاكمات الصورية والمحاكم الميدانية التي تعقد وتنفذ الإعدامات دون تحرٍّ مرفوضة، وأن من يحلم بإقامة جمهوريته المستبدة على أنقاض حكم مستبد سابق ليس وفيًّا للثورة، وسيصاب بخيبة أمل حين لا تساعده الظروف والأسباب على تحقيق حلمه.

وبالنظر إلى جانب سياسة الحكم، أشار الدكتور سلمان العودة إلى أن الاستبداد والظلم اللذين طبَعا سلوك الدول في المرحلة الماضية، وعانت منهما الشعوب معاناة مادية ونفسية هما من أسباب تعلق الناس بالإسلاميين كمنقذ أو بديل. والسياسة سوف تجعلهم عمليًّا على محك الاختبار والتجربة، لكن مشروع الأمة الذي سيعقب الثورة لن يقوم به فصيل واحد من فصائلها، بل مجموع أفراد الأمة، بإسلامييها وغير إسلامييها، من جميع تياراتها واتجاهاتها الفكرية والمذهبية، ومن غير المسلمين الذين هم جزء من شعوب عربية وكانت لهم أدوار تاريخية. وهذه الدعوة استدعت التذكير بالفعل النبوي الذي لم يكن مشروعًا إقصائيًّا ولا دمويًّا، ولم يستبعد أحدًا من أهل المدينة، حتى أهل الكتاب والمنافقين وحديثي العهد بالإسلام، فقد كان شعاره الاستيعاب والتكامل والتطمين؛ وكان من ثمرات هذه السياسة أن حزب المنافقين تلاشى تأثيره مع الوقت بعد أن كان حزبًا كبيرًا مؤثرًا.

وتوقف الكاتب عند مسألة تطبيق الشريعة ليبيّن أنها من أهم المسائل التي تحتاج إلى فقه متمكن لا يجافي القواعد الشرعية والنصوص القطعية، ولكنه لا يتنكر للوقائع المشهودة والمصالح الظاهرة.

أما ما ينبغي أن تكون عليه علاقة الحاكم بالمحكوم، فمثاله بيعة الصحابة الإيمانية التي جمعت بين الطاعة وعدم المنازعة بغير حق، وبين الجهر بالحق حينما كانوا لا يخافون في الله لومة لائم.

وفي الإشارة إلى الثورة والتدخل الخارجي، ذكر مؤلف الكتاب أن الدول العظمى كثيرًا ما تقدم نفسها للثائرين كمنقذ، وهي في الوقت نفسه تساعد الدكتاتوريات وتدعمها حفاظًا على مصالحها، وأن المؤسسات الدولية ليست محايدة دائمًا، ولكن القوى المدنية العاقلة تستطيع أن تفرض نفسها لتضع العالم في موقع لا يسعه إلا دعمها فيه.

وفي سبيل الختام يتساءل المؤلف: مستقبل الثورة إلى أين؟

هو حذّر هنا من أننا أحيانًا نسمح للطاغية أن يحكمنا من منفاه أو من سجنه أو من قبره حين نستسلم للمعارك والقضايا التي فرضها علينا في أيام حكمه، وأكد أهمية العمل على منع ظهور دكتاتوريات جديدة، لا سيما أن هذا ممكن جدًّا في ظل حالة الضعف التي أوجدتها أنظمة الحكم المستبدة وما زالت تسيطر على الشعوب ومؤسسات المجتمع المدني.

ثم إنه لا بد من الانتقال من "الثورة" إلى "الدولة" التي عليها أن تتجاوب مع المطالب والتوقعات الكبيرة، لكن الثائرين في الوقت نفسه ينبغي لهم أن يتحلّوا بالواقعية والعقلانية، فلا يتصوروا إمكانيّة نقل البلاد إلى جنة وارفة الظلال بين عشية وضحاها.

ومن الأهمية بمكان كسر المعادلة التي تشترط الاستبداد لتحقيق الاستقرار، وأن نثبت إمكانيّة وجود استقرار وازدهار ورخاء اقتصادي في ظل الخلافات والتعددية الديمقراطية، كما الحال في معظم دول العالم.

وهنا نترك تساؤلات الكتاب لتفسح الطريق لتساؤلنا: لو أن الدكتور سلمان العودة أراد اليوم كتابة "أسئلة الثورة" من جديد بعد 10 سنوات على كتابته السابقة، أيخرج الكتاب في شكله الأول؟ أم إن تغييرات ستطرأ عليه؟