25 يناير.. رضوى عاشور وحُلم الثورة!

ذكرى 25 يناير.. صمت بطعم القمع في مصر
ذكرى ثورة 25 يناير.. صمت بطعم القمع في مصر (الجزيرة)

رحمك الله يا خالد سعيد، لمثلك أنت وكل المظلومين تقوم الثورات، ويرتقي أول شهيد إلى السماء كشهيدنا الأندى دما مصطفى رجب محمود، ويضحي الشباب بأعز ما يملكون كفقيد البصر "أحمد حرارة".. فهل سننساكم؟!

حرية مُتقدة

كُنت صغيرًا حين انطلقت المُظاهرات في يوم الـ25 يناير/كانون الثاني 2011، تحمل شعارًا واحدًا: "عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية" وهتافات مُنددة بالظلم. وكما هي عادة الطُغاة، استقبلت المسيرات بهجوم مُكثف من قِبل عناصر الأمن. وما هي إلا أيام حتى اندلعت جمعة الغضب، وصارت مطالب الثوار "الشعب يريد إسقاط النظام"، ولأول مرة في حياتي أرى الشعب يتجرأ على الحاكم الذي كُنا نخشى السخرية منه في المدارس، حيث كنا نرى صورته في كل مكان، كأنه عين تُراقبنا ولا تُفارقنا، فأخذتني الدهشة، هل حقًا سيرحل فرعون؟

علا صوت الحرية في أنحاء بلادي، ولم يعد هناك شيء ممنوع، لا حذر ولا خوف بعد الآن، تحول ميدان التحرير كما وصفه الأديب علاء الأسواني إلى جمهورية صغيرة مُستقلة: أول أرض مصرية يتم تحريرها من حُكم الدكتاتور.

كان حدثا أشبه ما يكون بالحلم، لم تكن ثورة ضد نظام فحسب، بل ضد كل ما هو قديم، ما هو متجمد بليد، ثورة تغيير، تغير كل شيء؛ ما قبل الثورة ليس كبعد الثورة، فأدركت حينها أنني لن أعود ولا ذويّ كما كنا قبل صيحة الحرية.

ضجت الميادين بالهتافات، وعمت النداءات المُضمخة بالحرية أرجاء الجمهورية، حتى أن الكبار أصحاب الصالونات الثقافية، ثاروا على ذلك العهد، وعرفوا أن المجد كل المجد لتلك الثورة الأبية، فنزل الميدان جمعٌ حافل منهم، وكان على رأسهم رضوى عاشور وعلاء الأسواني وصُنع الله إبراهيم.

بينما ظل النظام (الجليدي) آبيًّا أن ينصاع ويذعن بالهزيمة المُنكرة، ففي 6 فبراير/شباط، رفض عُمر سليمان مطالب الشعب، وفي 10 فبراير/شباط شاهدنا الخطاب الثالث للرئيس وهو يأبى التنحي، وفي 11 فبراير/شباط انزاح الغَمُّ كله عنا، وسقط مُبارك. لكن النظام لم يسقط، كما قالت الدكتورة رضوى عاشور([1]).

هل أخطأنا؟

كبرتُ، ومرت ذكرى الثورة سنة تلو الأُخرى، وأنا أسأل نفسي: هل أخطأنا؟ أيُّ خطأ نجم عن أناس صاحوا بحناجرهم طالبين الحرية وهي أبسط حقوقهم! لقد كانت ثورة 25 يناير لحظة انتشاء وفيضا من الكرامة، فهذا عاطف الجندي الشاعر يقول كل ما في نفوسنا من كلام:

ثلاثون عامًا

وما من جديد

سوى أن رجعنا

لعصر الجليد

فقدنا البكارة في كل شيء

وعدنا عبيدًا

وما من عبيد

عُدت أبحث عن السبب منذ عام ونصف العام من الآن، فوجدته في مقال لعلاء الأسواني تحت عنوان "هل أخطأت الثورة المصرية؟"، وكذلك في حوارات الدكتورة رضوى عاشور، وكلاهما أجمعا على أننا أخطأنا في ترك الميدان.

فنشوة الخبر -خبر التنحي- أسكرتنا وغيّبت عقولنا عن الحقيقة، وهي أننا لا يجب أن نثور على شخص (الواجهة) بل على النظام نفسه، ذلك النظام المُتجذر منذ 1954م إلى يوم الناس هذا، نظام يُبدل وجهه يومًا بعد يوم، وفي كل مرحلة يضع تمثالًا أو دمية "ماريونيت" تقوم بما يُطلب منها، وإن ثار الشعب، فيثور على الدمية لا النظام!

ما مكاسب الثورة؟

لرضوى عاشور لقاء تلفزيوني على قناة الجزيرة مُباشر (على مسؤوليتي)، عددت فيه مكاسب الثورة، وأولها: الشهداء، لا ريب أن الأمر مؤلم، لكن هناك جانبا آخر من ذلك الألم كما تقول الدكتورة:

رغم أننا فقدنا شهداء كُثرا، فإن ذلك يُعد مكسبًا، لأن هؤلاء الشهداء دخلوا بعنفوان في سجل تاريخنا الوطني وحكايتنا مع التاريخ والجغرافيا

سقط الشهداء، لتحيا اللحظة وتحل الذكرى كل عام، فبهؤلاء الشهداء ستظل الثورة أملًا تتوارثه الأجيال -الخلف عن السلف- حتى يأتي جيل قد تعلّمَ من أخطاء سابقيه ويحقق حلم التائقين إلى الحرية. لذا لابد من أن نخسر، حتى نتعلم ونفوز، وفي كل عثرة أمل جديد، وحلم وليد، وفي دفع الثمن قال السياب:

بأقدام أطفالنا العارية

يمينًا وبالخبز والعافية

إذا لم نُعفّر جباه الطُغاة

على هذه الأرض الحافية

فلا ذكرتنا بغير السباب

أو اللعن أجيالُنا الآتية!

وأنا من جيل عاصر الثورة في صغره، أي أنني من جيل مكلوم ورث آلام جيل الثورة السابق، لكن أقول لهم: هنيئًا لكم، وما كانت ثورتكم عبثًا، فقد تعلمنا منها الكثير، وعرفنا حين نثور مستقبلًا؛ على من نثور، وكيف نثور، ومتى نرحل عن الميدان، ومتى نجتمع فيه من جديد.

فرحم الله رضوى عاشور حين قالت:

هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا

لماذا التعب؟

بلاؤنا هو الاستبداد، لكن الأشد هو اليأس، فلماذا يا تميم البرغوثي، يا ابن الأحرار والأبرار، يا ابن رضوى ومريد، يا ابن الأهرام وقدس الأقداس، لماذا التعب؟ أولم يقل أبوك: "سنصعد هذا الجبل أنا وأنت"، وليس الجبل سوى مجاز -في رأيي- فالدنيا وعرة في تقدمها كصعود الجبال. تمنيتَ جيلًا يحمل عنك الراية، فأرسل بصرك إلى السماء وانظر منها، سترى ذلك الجيل؛ جيل قست عليه الدنيا لكنه كافحها وما زال يُكافح، وغدًا سنصعد جميعنا -نحن العرب- الجبل.

فانفض عنك غبار القنوط والتعب؛ إن مرِضَ الطبيبُ فينا، فمن يداوينا!

يعالجنا الطبيب إذا مرضنا .. فكيف بنا إذا مرض الطبيب

شهادة حق

أذكر ساعة فتح السجون، وانتشار الفوضى في البلاد إبان الثورة، في تلك الأيام، شعرت ولأول مرة -حقًا- بالأمان، لأني محميٌّ من الشعب وأبناء بلدي، الذين وضعوا المتاريس والسياج ووقفوا يحرسون الكنائس والمساجد والبيوت، وينظمون إشارات المرور، وينظفون الشوارع.

في لحظات شعرنا أننا أحرار، وأننا نملك البلاد دون أن يكون علينا جلاد، فلن ألوم شعبنا مثل غيري، بل سأظل فخورًا مُعتزًا به، فقد صَدع بما في نفسه مرة، بينما تموت شعوب دون صياح. فحالي لشعبي كقول الشهيد اليمني محمد الزبيري:

كفرتُ بعهد الطُغاة البغاة .. وما زخرفوه وما زيغوه

أنا ابن لشعبي، أنا حقده .. الرهيب، أنا شعره، أنا فوه

فأنا ابن لشعبي، وقلم لشبابه ما حييت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تحدثت الدكتورة رضوى عاشور عن الفرق بين سقوط مُبارك وسقوط النظام في برنامج على مسؤوليتي والذي عُرض على الجزيرة مُباشر مصر.