خبز النيوليبرالية

النيوليبرالية وتأليه السوق!
النيوليبرالية وتأليه السوق! (الجزيرة)

الحرية عنوان للحياة والكرامة والعدالة، ولولاها لما استوفى الإنسان شرط وجوده كونه آية الدهر الأبدية ونهاية التاريخ، كما أنها معنى آخر للمعاناة والألم والظلم حالما يفتقد العالم قيمه وأخلاقه، فأن تمتلك لونا أسود لبشرتك أو تكون من طبقة العمال والمهمشين، أو حتى من أقلية عرقية ودينية مضطهدة، فهذا لا يمنعك من أن تخطو بجرأة نحو الحقيقة.

وأن تستبدل بلون بشرتك السوداء لونا آخر أبيض عبر عملية تبييض للجلد مكلفة، كالتي قام بها المغني والراقص الأميركي ذو الأصول الأفريقية مايكل جاكسون لتوحيد لون بشرته بسبب الحالة المرضية التي كان يعاني منها، لهو أمر غير اعتيادي ضمن عالم سعى لتوطين الحرية والعدالة لمجتمع تنفح منه الحداثة.

كانت عملية "توحيد لون البشرة" مع ما تعتريه من مخاطر ونتائج صحية صعبة، ترمز إلى حقبة تاريخية تنامت فيها "عقدة العنصرية" لتغدو مرضا اجتماعيا تتوارثه الأجيال المتعاقبة من الأميركيين، وباتت التعابير والملامح الجسدية لذوي البشرة السمراء، تبحث لها عن لغة تلتقط الابداع الجسدي المتحرر من سطوة الأبيض.

اكتساب لون معين لم يكن يوما ضمن شروط الحرية في الاعتراف بإنسانيتنا، ولا قيمة أخلاقية تستدعي التخلي عن تقاليد جنس ما، إنّها معضلة تشابكت خيوطها مع وفرة الحياة المادية التي ينعم بها الأميركيون، فليس أصحاب البشرة السمراء من هم مدعوون لتغيير لون وشكل ثقافتهم وهوياتهم.

الصينيون والعرب والروس هم ضمن لائحة الهيمنة الغربية وسلعها الثمينة، وما اصطنعته النيوليبرالية من فجوة تاريخية بين ما كان إنسانيا وما هو حضاري، تلخصه العولمة في نموذج الثقافة الغربية الأخطبوطية في العالم، ولا تنته عند تغيير البشرة فحسب، بل إلى الميولات العابرة للجنس والثقافة ومعايير الجمال والتحضر والحياة والموت.

حينما يرتبط مفهوم الحرية مع الاختيارات الفردية المطلقة، فإنه يصعب التفكير في مآلات الهويات المنبثقة عن ثقافة غربية تسلب الإنسانية طبيعتها ورمزيتها، بل إنّ اغترابا نجم عن أقليات مستحدثة في مجتمعات تكافح لنيل حريتها، فإلى وقت غير بعيد كان اعتبار المثلية الجنسية أحد سجالات التقدميين والحداثيين، وهي اليوم ضمن تفريعات القانون الغربي للظفر بها كـ"تعبير تجاوز الحدود الطبيعية" للحضارة.

في المقابل ومع إشكالات الغرب تحت إطار "قانوني" لا "أخلاقي" تتقدم المحكمة الأوروبية بالنظر في جرائم اعتداءات جنسية اتهم فيها قساوسة الكنيسة الكاثوليكية، في تناقض صارخ يبرز خلل الحضارة الغربية في تعاطيها مع الإنسان كسلعة لا تملك مركزا أخلاقيا.

بل إنّ حرية التعبير والاختيار تتوقف مع ما تقتضيه مصلحة النيوليبرالية في استغلالها للإنسان، وفي اللحظة التي يتم التصريح فيها بالغرائز الحيوانية كتعبير عن الحرية المطلقة، يفتقر الملايين من الناس إلى أدنى مستويات العيش الإنساني، فالفقر والجوع لم يكونا سوى نتاج تراكم غير أخلاقي اختزله الغرب في خطابات تفتقد إلى الرغبة الحقيقية للاعتراف بمكامن انحداره اللاحضاري.

قد نختلف في تحديد معنى معين للحرية، مثلما نحتار في أيّ زاوية تكمن الحقيقة، فالإنسان بطبعه ميّال لأن يكون هو الحقيقة الخالدة والوحيدة ضمن عالم متقلب وطبيعة متهيجة.

وعلى هذا يتشايع الناس فيما بينهم على ما يألفونه ويعتقدون أنه الحق من أمرهم، ويعادون كل من خالفهم ورأى في شأنه الصدق لدعوته ومسيرته، فيقع منهم الاختلاف آملين أن يتوافقوا على شيء يمكن من خلاله تقاسم المصلحة ودفع المفسدة، فجبر الناس على العمل والإقامة بمكان محدد والاقتصار على طريقة حياتية معينة هو بمثابة "وأد للاختلاف" الذي مُنح للطبيعة -ابتداء-  كونها عالما جماليا يحيط بنا كي تمنح البشرية تألقا وتنوعا.

عندما نتحدث عن الحياة الكريمة يتبادر للكثير من الناس البيوت الفارهة والحسابات البنكية المكتنزة بالملايين من الأوراق النقدية والسندات الربحية، إلى جانب سيارة من طراز رفيع وأشياء أخرى لا حصر لها من نمط الاحتكار والاستهلاك اللذين ابتلي بهما التفكير الغربي.

إلا أنّ تلك الحياة التي تحلم بها طبقات المجتمع المحرومة، المقهورة بالعمل الشاق والكد في سبيل إنتاج مزيد من المداخيل والأرباح لأرباب المصانع والشركات الضخمة، لا تجد لها مكانا ضمن لوائح يشهرها الثوريون في وجه الاستبداد والظلم، الثائرون ضد طغيان الشركات المتعددة الجنسيات والمؤسسات الأمنية الاستخباراتية.

بل إنّ المناهضين لأشكال العنف والقهر والعبودية سرعان ما تتداعى دعواهم وشعاراتهم الحقوقية بأنسنة مطالبهم إلى نوع من التمييع الممنهج الذي يسلب "الحق في الثورة" دوره في تأسيس مطلب حقيقي للمنتفضين، وما يلبث أن يصطدم بنخب متحيزة تجعل من الحرية غاية لا معنى لها، بينما تتبعها جحافل من الجوعى والمرضى والمحبطين والحالمين الآملين في تحقيق مكاسب كفلتها لهم الثورة يوم نادوا بسقوط الدكتاتورية.

الحرية أو الخبز، اختيار بين أمرين كان لزاما على الإنسان أن يقتات منهما ليحيا حياة كريمة، فالخبز بقدر ما هو منحة إلهية مكرّمة، إلا أنّه يصبح سببا لكل "انتكاسة تاريخية" من شأنها أن تطيح بأي موجة إصلاحية وثورية.

ولعل الخبز الذي باركته الديانات لم يكن بالمعنى الذي أريد له أن يكون ما يقتاته الإنسان من رغيف تتكففه أيادي البؤساء، بل هو الحقيقة المفضية لأمن البشر في إيمانهم بإنسانيتهم، لذلك نجد على هامش واقعنا العربي من يتمسك بشيء من معاشه وهو فاقد لكرامته، أو أن يتوهم بعض المرجئين المناهضين لآمال شعوبهم في التغيير أنّ الحسابات المتدفقة بالأوراق المصبوغة بالإثم والخذلان، هي من ستحفظ أسماءهم ومواقفهم بين ظهراني مجتمعهم.

ولنقل أنّ ثمة معادلة بسيطة بين أن يكون الإنسان حرا في اختياره أو أن يجبر على فعل ما لا يملك عواقبه بسبب تعلقه برغيف الموالاة والإذعان، وهي أن يدرك المرء لِمَ عليه أن ينتفض ومن أجل من يثور وعلى من يرفع شعار "ارحل"؟ّ!

وذلك حتى يتسنى له إدراك غاية ما تسعى له الشعوب طيلة سنوات عجاف وتخوض حروبا بائسة وهي بعد تتجرع الويلات في سبيل حريتها، ولا تجد رغيفا يسد رمق أبنائها الجوعى والمرضى.

من أجل ذلك كان على كل ثورة لا توقد أفرانها ضد منتفضيها ولا تمنع عنهم الغدر والخذلان، هي ثورة مغشوشة بائسة منقوصة الحيلة والسيادة، تقتات من بقايا خبز النيوليبرالية الآثم، وسرعان ما تلاحق بنيها لعنات أجيال متعاقبة بسبب ما اجتره الثوار من خطايا التاريخ، فالناس إن يهرعوا إلى الميادين إنما على أمل أن تستقر العدالة والكرامة بمجتمعاتهم، لا أن تئد الحريـة رغبتهم في الحياة.

ولعل نضال شعوبنا العربية ضد الاستعمار وأطرافه المستعارة ما زال مستمرا إلى يومنا هذا، وإن بدت موجة الربيع العربي عام 2010 تنبئ ببزوغ فجر جديد بالمنطقة العربية التي عاثت فيها يد الصهيونية فسادا وخرابا، انتخابات بتونس ومصر تفرز رئيسين مدنيين، ومجالس منتخبة ودعوة لاستعادة الأموال المنهوبة وتلاحم عربي فلسطيني وتطلع جماهيري لمزيد من الحرية والعدالة.

ولكن سرعان ما تبددت تلك الأحلام بعدما قضت المؤسسة العسكرية على تجربة الديمقراطيات العربية الناشئة، ليحل محلَّها أنظمة توليتارية (شمولية) مأزومة بنيويا، ولتمسي آمال شعوب عالمنا العربي بعدما نادوا بالحرية والديمقراطية مجرد دعوات لوقف آلة القتل الأسدية والاعتقالات السيساوية ومكائد العواصم المتصهينة، ضد حلم تحرري يأبى العيش داخل الجدران!