العلاقة بين الأسرة والمدرسة.. مظاهر الترهل وأسبابه

تتطلب الرعاية المثلى للطفل المصاب بالسكري دعم الأسرة والمدرسة وتعاونهم مع الفريق الطبي المعالج. المصدر: مؤسسة حمد الطبية
الحالة بين الأسرة والمدرسة وصلت إلى نوع من المقاطعة والاستقالة التامة بالنسبة إلى أغلب الأسر في متابعة أطفالها في المدرسة (ناشطون)

يسود مفهوم قاصر بأن التربية والتعليم هي بناء الجيل علميا، أو من أجل النجاح والوظيفة وتجريدها من القيم والأخلاق والمهارات والفكر، كما أن الاعتقاد بأن المدرسة تتحمل وحدها مسؤولية التربية والتعليم مفهوم يحتاج إلى إعادة نظر.

التربية القويمة، هي التربية الشاملة، أي تنشئة وتربية وتكوين الأجيال روحيا وعقليا وبدنيا، وكذلك تربويا وعلميا وفكريا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا؛ فالإنسان كائن متكامل تؤثر جوانب شخصيته وتتأثر بعضها ببعض، وحين نجتزئ شخصيته ونتعامل مع جانب دون آخر نفقد جوانب جوهرية في تكوين الإنسان ونكون كائنا مشوها.

إن المهمة التي ينتظرها المجتمع من التربية والمدرسة أن تتجاوز مجرد الاكتفاء بالبناء العلمي إلى التربية الشاملة وبناء شخصية الطالب بناء شاملا، وهذه التربية تتطلب تحقق مواصفات وعناصر مهمة لبناء شخصية الطالب، وهذه المواصفات والعناصر غائبة عن التربية ومن يقوم بها بالمفهوم القاصر.

لقد وصلت الحالة بين الأسرة والمدرسة إلى نوع من المقاطعة والاستقالة التامة بالنسبة لأغلب الأسر في متابعة أطفالها بالمدرسة، وغياب التكامل والتنسيق بين الأسرة والمدرسة في الإحاطة بالمتعلم، أدى إلى حالة الاختلال المؤسسي والقيمي لكليهما، وتأسيس نموذج تربوي رديء.

وينبئ هذا التغيير والانحدار المتواصل في نسق التربية في مجتمعنا، بأن المدرسة أصبحت تعيش أزمة في جميع أبعادها التربوية والتعليمية، فالمدرسة ليست شجرة تثمر دون تربية نقية وماء مسكوب، وليست بمعزل عن الظروف المحيطة بها.

يتساءل الكثير، لماذا أصبحت معظم الأسر تنظر إلى رسائل ودعوة المدرسة بسلبية ولا تتفاعل معها؟

بالاستقراء، ومن خلال التجربة والملاحظة، نجد أن من أبرز الأسباب، غياب التواصل الإيجابي بين المدرسة والأسرة، فمعظم المدارس -مع الأسف- لا تتواصل مع أولياء الأمور إلا في الجوانب السلبية، من رسوم دراسية، مساهمة مجتمعية، مشاكل سلوكية، تحصيل الطلاب وعلاماتهم..

سنوات والأب والأم لا تصلهما رسالة إيجابية واحدة من المدرسة، رسالة شكر مثلا لتعاون الأب مع المدرسة، تكريم رمزي لولي الأمر لمشاركته في نشاط مدرسي، دعوة الآباء والأمهات لمشاورتهم لاتخاذ قرار تسعى إليه المدرسة.. ولعل هذا الأخير لو طبقته المدرسة واستطاعت أن تجعل الآباء والأمهات يشعرون بأنهم شركاء في صناعة القرار، ستكسب حب وتعاون الأسرة.

لقد وقع شرخ عميق في علاقة الأسرة بالمدرسة، وفي الكيان التربوي والتعليمي ككل، واتسعت فجوته في السنوات الأخيرة من خلال غياب التواصل الإيجابي بينهما، ما أدى إلى تغيير بشكل كبير في العلاقة القائمة بين المتعلم والفضاء المدرسي، وأدى إلى ظهور بيئة تواصلية جديدة في المدرسة. بيئة تحاول أن تنشئ الأفراد انطلاقًا من قيم ومعايير سياسية ضيقة.

والحقيقة أن هذا الفشل ليس فشلا مدرسيا فقط، وإنما سياسي ومجتمعي أيضا، فما العمل التربوي إلا ثمرة للعمل السياسي والتفاعل الاجتماعي.

هناك أزمة بنيوية حقيقية تعيشها مؤسساتنا التربوية نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها التدخل السياسي السلبي، ومحاولات التطويع، نتيجة التغير الجوهري في قيمها ومرجعياتها القانونية والاجتماعية والثقافية، ونتيجة ترهل بناها المؤسساتية والإدارية، واستلاب المعلم، ومكانته ودوره، وتهميشه وتجويعه.

فكيف يمكن لهذه المدرسة أن تكون فاعلة في إصلاح وتغيير المجتمع نحو مستقبل أفضل في وسط سياسي تسوده مظاهر التطويع والتهميش والإقصاء، والانحلال القيمي والأخلاقي، وفي غياب آليات المشاركة الحقيقية للفاعلين التربويين في التصدي لهذه الظاهرة وغيرها من الظواهر التي تتجاوز المدرسة؟

الفشل المدرسي ما هو إلا صورة تكونت على امتداد السنوات، نتيجة غياب الإرادة السياسية والرؤية التربوية المتكاملة للإصلاح التربوي، وفشل أغلب الخطط والمشاريع التربوية في مواكبة التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع.

وعليه فإن إصلاح المدرسة وتفعيل دورها التربوي لا يتحقق إلا بوجود إرادة سياسية صادقة، تعيد للمدرسة مكانتها ودورها الاجتماعي الفعال، واختيار قيادتها وفق الشروط التربوية، بعيدًا عن المحسوبية السياسية السلطوية والحزبية، والاهتمام بإعداد المعلم واختياره قبل الخدمة وتنمية مهاراته أثناء الخدمة، وتوفير الحقوق العادلة التي تكفل له حياة كريمة، وتفعيل التكامل التربوي بين وسائط التربية، الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام.