جذور الصراع بين الشرق والغرب.. "الدولة العثمانية وأسرة آل هابسبرج"

ميدان - الدولة العثمانية
التاريخ العثماني يشكل وحدة مترابطة تمكننا من فهم الخلفية اللاحقة لنشاطاتها بشمالي أفريقيا (مواقع التواصل الاجتماعي)

يكتسب البحر المتوسط أهمية جغرافية واقتصادية وحضارية كبرى باعتباره مهدًا للعديد من الحضارات التي قامت على ضفافه، وساهمت في وجود علاقات بينها كانت نواة لوجود عدة منافذ وطرق للسيطرة والهيمنة عن طريق أساطيلها. واعتبارًا من بداية القرن الـ16 الميلادي ظهرت تغيرات کبرى على المستوى العالمي، وذلك باكتشاف العالم الجديد وتغير موازين القوى بين الشرق والغرب، ونشأ صراع كبير بين الدول البحرية؛ إذ إن طبيعة المعركة التي ميزت ذلك العصر تجعل من القوة البحرية قوة عسكرية أساسية للصمود.

وبظهور الدولة العثمانية كقوة في الحوض الغربي للبحر المتوسط، وتشكيل حضور عثماني في الجزائر بداية من القرن الـ16 الميلادي، تشكّل انبعاث للنشاط الملاحي الإسلامي، إذ تمكنت الجزائر عن طريق إعلان تبعيتها للدولة العثمانية من توسيع نطاق حدودها السياسية إلى المجال البحري عن طريق أسطولها، فتصادمت هذه القوى البحرية بزعامة الدولة العثمانية بالأساطيل الأوروبية بزعامة المملكة الإسبانية، فنشأ صراع دولي بين ضفتي حوض البحر المتوسط بين القوى الأوروبية والقوى الإسلامية في حوض البحر المتوسط.

خلال القرن الـ16 واصل السلاطين العثمانيون الأقوياء، ولاسيما السلطان سليم الأول والسلطان سليمان القانوني، السياسة بعيدة المدى التي ابتدأها جدهما السلطان محمد الفاتح، في محاولة تكوين قوة عالمية. وقد تمكن السلطان سليم الأول، بإخضاعة الصفويين في معركة جالديران سنة 1514، والمماليك في سوريا ومصر 1516-1517، فضلا عن مناطق واسعة من أوروبا، من تحقيق جانب كبير من هذا الهدف.

يقول المؤرخ ستانفورد شو: جاء السلطان سليم الأول بطموح لتجديد السياسات القوية لتحقيق هدف السلطان محمد الفاتح في تأسيس إمبراطورية عالمية، ولكن السلطان سليم اهتم بالجانب البري أكثر من اهتمامه بالجانب البحري، ربما بسبب ظهور الخطر الصفوي في الشرق. ولكن في عهد ولده السلطان سليمان القانوني، بلغت الدولة العثمانية أوج عظمتها، برًا وبحرًا؛ وتمكنت جيوشه البرية من الوصول إلى مشارف فيينا، عاصمة الإمبراطورية الرومانية. في حين تمكنت أساطيله من مد النفوذ العثماني إلى غربي البحر المتوسط وإخضاع معظم المناطق والمواقع الممتدة على سواحل شمال أفريقيا وانتزاعها من الهيمنة الإسبانية، ولكننا يجب أن نتساءل هنا ما إذا كانت الإنجازات البحرية التي حققها السلطان سليمان جاءت نتيجة لسياسة بحرية، وضعت أسسها في العاصمة العثمانية؛ استمرارًا لتلك السياسة التي ابتدأها السلطان محمد الفاتح، أو أنها كانت استجابة للمتغيرات التي حدثت في الجانب الغربي من البحر المتوسط.

وهنا يظهر لنا تساؤل عن الكيفية التي تمكنت بموجبها الدولة العثمانية من مد سيطرتها على أجزاء واسعة من سواحل شمال أفريقيا في وقت لم تكن فيه السفن العثمانية مصممة للإبحار لمسافات بعيدة، هذا من جانب. ومن جانب آخر لا بد لنا أن نفهم إلى أي مدى أدت السياسات التوسعية الأوروبية، التي بلغت ذروتها في عهد الإمبراطور شارل الخامس، أبرز منافسي السلطان خلال القرن الـ16، دورًا في إثارة ردود الفعل العثمانية فيما يخص الجانب البحري من الصراع بين الإمبراطوريتين.

ونلاحظ أن التاريخ العثماني يشكل وحدة مترابطة تمكننا من فهم الخلفية اللاحقة لنشاطاتها في شمالي أفريقيا، والتي تفسر لنا، إلى حد بعيد، السهولة التي تمكنوا بمقتضاها من توجيه حماتهم هناك، وذكرنا سابقًا عدة وثائق تثبت ذلك. فحينما اعتلى السلطان سليمان القانوني العرش، بدأ مثل جده السلطان محمد الفاتح، يدعو بزعامته للعالم الإسلامي، وكثيرًا ما كان يصرح بطموحاته بالملكية العالمية.

ونرى أن هذه الثقة العالية كانت متأتية من كونه زعيمًا للعالم الإسلامي، وحاكمًا لأقوى دولة إسلامية في ذلك الوقت. وكما يؤكد خليل إينالجك، فقد كان العثمانيون بعد سنة 1453م قد أعلنوا هذا التفوق المستند إلى زعم مفاده أن أي حاكم مسلم آخر منذ عهد الخلفاء الراشدين، لم يحرز قط مثل هذا النجاح في حماية مصالح العالم الإسلامي وتعزيزها، وأن السلطان العثماني خليفة المسلمين وحامي حمى الدين، فضلاً عن ذلك، فعندما تلاشت دولة المماليك نتيجة التوسع العثماني بين سنتي 1516 و1517م، أصبح العثمانيون سادة العتبات المقدسة في القدس والحجاز. وطبقًا لخليل إينالجك أيضًا، كان السلطان سليمان يتحدث بكل عزة وغرور عن هذا، ويقول: "أنا عبد الله وسيد العالم.. أنا سليمان، اسمي يتلى في صلوات المدن المقدسة في العالم الإسلامي.

ولكننا حينما نتحدث عن الطموحات العالمية للسلاطين العثمانيين عامة، والسلطان سليمان خاصة، ينبغي أن لا ننسى حقيقتين أساسيتين ساهمتا في تصاعد طموحاته وبلوغها أوجها، وأولى هاتين الحقيقتين هي التطور الكبير الذي حدث في ميدان التقنية العسكرية العثمانية، البرية منها والبحرية، التي جعلت من الدولة العثمانية الدولة الإسلامية الوحيدة القادرة على تحدي العالم المسيحي. أما الحقيقة الثانية فهي الدعوات المستمرة للتدخل العثماني من جانب الحكام المسلمين، الذين كانوا يشعرون بالخوف نتيجة خطر التوسع المسيحي، الذي تمثله إمبراطورية آل هابسبورج، أي إسبانيا وحليفاتها، بل وحتى أبعد من ذلك، حينما بدأ المسلمون في الهند وآسيا الوسطى يتطلعون إلى العثمانيين بوصفهم ورثة الإمبراطورية الإسلامية التي نشرت الإسلام في تلك المناطق.

وقد انسجمت تلك الدعوات مع طموح العثمانيين في وراثة الإمبراطورية الرومانية، التي لم تكن مقتصرة على الجزء الشرقي منها، وإنما على الجزء الغربي أيضًا. ولكن تلك الطموحات لم تكن وليدة عهد السلطان سليمان، وإنما تزامنت مع بداية الفتوحات البحرية العثمانية في النصف الثاني من القرن الـ15.

فمنذ سنة 1453م كان مفهوم "روما" يلوح في خيال سياسة الدولة العثمانية، ويعد خليل إينالجك الدعم العثماني لفرنسا والحركة البروتستانتية خطة لسياسة بعيدة المدى كان الهدف منها فتح روما وتوحيد شطري العالم الروماني، وهذه السياسة الموجهة ضد كل من إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة والبابوية هي التي منعت توحيد أوروبا المسيحية ضد العثمانيين.

من جانب آخر، كانت فكرة وجود إمبراطوريتين في آن واحد غير مقبولة لدى العثمانيين. من هنا، فإن شارل الخامس لم يكن إمبراطورًا من وجهة نظرهم، وإنما ملكًا على إسبانيا فقط، وقد تجسد ذلك في سنة 1530 عندما توج شارل الخامس إمبراطورًا على الإمبراطورية الرومانية المقدسة، إذ زادت حدة الصراع بينه وبين السلطان سليمان القانوني. وعلى هذا الأساس، فإن أرضية صالحة للصراع كانت موجودة لدى الطرفين، فهناك المزاعم الدينية، وهنالك الطموحات التوسعية أيضًا، ولم تكن تلك الطموحات مقتصرة على البر، وإنما على مناطق النفوذ في البحر أيضًا، وكان البحر المتوسط واحدًا من ميادين الصراع بين الإمبراطوريتين، ولكن كلا العاهلين كان يتجنب المواجهة المباشرة. في هذه المرحلة من الصراع ظهر القباطنة عنصرًا فاعلاً في الحرب بين الطرفين؛ ليمثلوا ما يسمى في المصطلحات السياسية الحديثة "الحروب بالنيابة".

بدأ هذا الصراع بعد سلسلة الهجمات التي شنتها إسبانيا على المواقع الساحلية في شمال أفريقيا لتعقب المسلمين الناجين من الاضطهاد الإسباني في شبه الجزيرة الإيبيرية، الذين بدؤوا ينظمون تقسيم أنفسهم للانتقام من مضطهديهم، وكانت أول حملة إسبانية على المنطقة قد توجهت إلى ميناء المرسى الكبير بوهران سنة 1505.

بدأت هذه الحملات في وقت كانت فيه القوى الأخرى في البحر المتوسط مشغولة بالمضاعفات المحتملة لظهور البرتغاليين في المحيط الهندي والبحر الأحمر، أما العثمانيون فقد كان اهتمامهم الرئيسي مقسمًا على جبهتين: الخطر الصفوي من جهة، وفرسان القديس يوحنا في جزيرة روال من جهة أخرى. وحتى ذلك الوقت كانت القوة البحرية العثمانية قد أمنت الهيمنة على الشطر الشرقي من البحر المتوسط عندما بلغت أوترانتو على الساحل الإيطالي سنة 1481م، وتمكنت من تحييد البندقية بحريًا بعد حرب 1499-1503، ولكن تلك الهيمنة ظلت منقوصة بسبب وجود فرسان القديس يوحنا في قلب الجزء الشرقي من البحر المتوسط، وكان هؤلاء يغيرون على السفن التجارية الإسلامية، ويهددون طريق الحج إلى الأماكن المقدسة بطريقة لم يعد بمقتضاها السلطان سليمان يستطيع استساغة الأمر مدة أطول.

لذلك، اتخذ السلطان قراره بفتح جزيرة رودس كجزء من هدف إستراتيجي للسيطرة على الشطر الشرقي من البحر المتوسط وإخضاعه للنفوذ العثماني، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تطلب نجاح البرتغاليين في الالتفاف حول أفريقيا وتأسيس قواعد لهم في الهند سيطرة أقوى على المناطق الخاضعة للنفوذ العثماني، ولاسيما مصر والحجاز، اللتين كانتا هدفًا للتوسع البرتغالي، خاصة وأن وصول الكثير من المنتجات الشرقية التي كانت تصل إلى أوروبا عبر قنوات متعددة أصبح موضع خطر؛ خشية وقوعها تحت سيطرة البرتغاليين، ومن ثم التحكم في أسعارها.

من هنا أصبح الاستيلاء على المعقل المسيحي في ريوداس، الواقعة في منتصف الطريق التجاري بين الإسكندرية وإسطنبول، يحتل أهمية خاصة في السياسة العثمانية العليا خلال السنوات الأولى من حكم السلطان سليمان.

هاجم أسطول السلطان سليمان جزيرة ريوداس، وبعد حصار طويل استسلم من بقي حيًا في الجزيرة يوم 18 ديسمبر/كانون الأول 1522، ووافق السلطان على السماح للفرسان بمغادرة الجزيرة، وأمهلهم 12 يومًا للانسحاب منها. وتم إخلاء الجزيرة نهائيًا في الأول من يناير/كانون الثاني 1523. وقد غادرت 50 سفينة محملة بالفرسان والجرحى أثناء الحصار و5 آلاف من سكان الجزيرة مع أمتعتهم، كما غادر الأستاذ الأعظم للفرسان فاليري دي أسلي آدم والموظفون الكبار الآخرون. وبعد مرحلة عدم استقرار استمرت نحو 8 سنوات، استقر الفرسان أخيرًا في جزيرة مالطا، لكن فتح رو لاسل لم يكن بالإمكان أن يتم لولا الخطوة التي سبقته بفتح كل من سوريا ومصر، إذ أصبحت الطريق بعد هذين الفتحين ممهدة لفتح الجزيرة، وبذلك استكمل تأمين الحدود الشرقية للبحر المتوسط الصالح العثمانيين.

في هذه المرحلة التاريخية الحساسة ظهر التحدي الإسباني في غربي البحر المتوسط يفرض على العثمانيين مهمة جديدة تمثلت في حماية المسلمين في مناطق بعيدة عن مركز قوتهم البحرية. وفي هذه المرحلة أيضًا، ظهر قادة بحريون أقوياء أخذوا على عاتقهم مهمة حماية السواحل الإسلامية في شمالي أفريقيا التي فر إليها المسلمون هربًا من الاضطهاد الإسباني. وهنا لنا أن نتساءل: ما الدور الذي أداه القادة البحريون الجدد في تعزيز النفوذ العثماني في تلك المناطق؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل يقودنا للحديث عن شخصيتين بارزتين في التاريخ البحري العثماني، هما الأخوان عروج وخيرالدين بربروس اللذان أخذا على عاتقهما مهمة مواصلة عمليات الفتح العثماني في شمالي أفريقيا وحماية المسلمين فيها.