الدنيا حظوظ.. فاقبل بحظك منها!

الدنيا حظوظ فلا تنظر للآخرين في حظوظهم وارضَ بقليلك (بيكسلز)

لست بداعِ الشباب إلى اليأس والقنوط، فتكفيهم أرواحهم المُثخنة بالجراح، ونفوسهم التي أثخنها قدرٌ حازه الاستبداد. لكني أقول إن الدنيا حظوظ، وحظك منها لو كان قليلًا، فليس عليك الندب والسؤال والشكوى، إنما عليك القبول والتسليم.

أهلنا فعلوا بنا الأفاعيل

كم مرة سمعت أُمًا تقول لابنها معاتبة إياه "فلان أفضل منك! لماذا؟ انظر لحالك، اجتهد لتصير مثل فلان أو عِلان!". وما إن تمر الأيام حتى يصير الولد غير راضٍ عن ذاته وحياته (لماذا؟) لأن الأم غرست فيه الذنب واليأس وتأنيب الذات وقلة الثقة، فمع كل خطوة يخطوها في حياته، يقف غير مرتاح، وعن طريق اللا وعي يصير مُقصرًا وسيئًا أمام نفسهK وهو ليس كذلك.

فماذا لو كانت الأم أكثر رحمة وشفقة على ابنها، ووجهت له (نفسه) كمثال، وليس فلان أو عِلان، ووضعت ذاته أمامه كهدف لابد وأن يُحققه؛ كأن تقول له "أنتظرُ منك الأفضل، لأن فيك الأفضل، أنت جيد، ولك ما يُميزك عن الآخرين، ولابد أن تبحث عن ذلك الشيء".

فينشأ الطفل وهو يبحث عن ذاته حتى يلقاها، ويستكن لها، فقد وجه والداه له نفسه معيارًا لنجاحه، فحين يُقارن نفسه، لن يُقارنها بغيرها، بل بنفسه فيما مضى وفيما يود أن يُقبلَ عليه ويُحققه.

أنت أفضل مما تظن

لا أُحدثك هنا بلسان أهل التنمية البشرية والذاتية، فأنت تعلم أنني أعلم أنهم مجموعة من المُخادعين الذين يقتاتون المال من جيوب الضعفاء والمساكين المُحطمين حتى يسمعوهم بعض الكلمات المُخدرة كـ "أحسنت، أنت أفضل، أنت الأجمل، أنت استثنائي"، والإنسان خُلق ضعيفًا مسكينًا، يُصدق كل ما قيل له، فيصير كما الصلصال هشًّا لا يتحمل الكسر.

وإنما أُحدثك بلسان شاب رواقيّ، يؤمن بتيار فلسفي اسمه الرواقية، أقول لك: إن الدنيا حظوظ، فلا تسعَ سوى لحظك، فلا تنظر للآخرين في حظوظهم، وارضَ بقليلك، فتراه يكثر في عينيك إن رضيت، ولا تقل الحمد لله كأداء للواجب، بل قُلها ثقة وحمدًا فعلًا، فحين أقول -أنا- الحمد لله أتذكر كل شيء يستحق الحمد؛ صحتي، شبابي، صديقي، كلماتي، كتاباتي، مكتبتي، كتبي، عُزلتي ووحدتي. كل شيء أنظر إليه من زاويتين، الإيجابي منه والسلبي، وأُمعن وأُطيل النظر في السلبي، وأتركه ليتمادى حتى يتضخم ويصل إلى ما لا نهاية، فأجد نفسي راضيًا وأقول الحمد لله على ما أنا فيه.

اعلم يا هذا أن الله لم يخلقك فنسيك، ولم يُلقِ بك في اليم مكتوف اليدين، ولا تركك تلّطم الأمواجَ بيمينك ويسراك وهو يُشاهد، ولما ابتسم حين رآك تذوب كالملح أمام لُجّ البحر. بل أعانك ومدّ يدًا فأُخرى، وجعل لك الأسباب لتبقى وتُحارب في دنياك، أليس هو القائل "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ"، فسُنته في الأرض التعب، والنهاية والموت. في الدنيا عليك أن تُعفّر نفسك حتى تنهض من جديد، واعلم أنه لابد من نهاية لكل شيء سيئ أو جيد، فتكيّف مع تلك النهاية.

إيبكتيتوس ينصحك

هل سمعت من قبل عن إيبكتيتوس، أحد الفلاسفة الرومان، سأُخبرك بقصته، كان ذلك الفيلسوف عبدًا لسيد ساديّ مجنون، وفي النظام الروماني، ومن قبله اليوناني، من الصعب أن يصير العبد فيلسوفًا، فتلك مهنة الأحرار. وفي يوم من الأيام أراد السيد المجنون أن يلهو بعبده، فربط ساقه بعجلة، وبدأ يُديرها، والعبد في هدوء يقول لسيده (قدره): "ستكسرها"، والسيد المجنون في غِنى عن سماعه، فكسرت ساق المسكين، فماذا فعل؟ هل ندب حظه من الدنيا، هل بكى، هل لامَ الإله؟ بل رضي بما حلّ به وقال في عتاب بسيط "ألم أقل لك ستكسرها"، فما كان من المجنون إلا أن ذُهل من صبر العبد، فحرره، وصار ذلك العبد فيلسوفًا عظيمًا لدى الرومان، الفيلسوف الأعرج، الذي مازالت ذكراه تُلهم العالمين.

ما رأيك الآن؟ حالك أفضل من حال إيبكتيتوس حسب رأيي، فلماذا العجلة وأنت تعلم أن كل شيء إلى زوال لابد منه! ولماذا الحُزن وأنت تعلم أن سُنةَ الله في خلقه "الدوام من المُحال"، أليس أصدق بيت شعر قيل كان للبيد:

أَلا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا اللَهَ باطِلُ

وَكُلُّ نَعيمٍ لا مَحالَةَ زائِل

النبي داود مُعلمًا

في سفر صموئيل الثاني من الكتاب المُقدس ذُكرت قصة للنبي داود (عليه السلام)، أتمنى أن تنتفع بها؛ فكما قيل: في يوم من الأيام مرض ابن النبي، فصار الولد بين الحياة والموت؛ يوجد بعض الأمل الباقي ليحيا، فاستمسك النبي داود بذلك الأمل، وأثناء استمساكه به، انفصل عن واقع الحياة؛ فصار ينام على الأرض دون فراش، وصار رثَ الثياب، كثَ الشعر، فكان في مظهر لا يليق بنبي ملك ولا بإنسان عادي، كأنه ميت يُنازع للحياة. وفي يوم من الأيام مات الابن، فاحتار الخدم والمستشارون أن يخبروا النبي داود بموت الابن، فأقبل أحدهم عليه وفي شجاعة أعلمه الخبر، فما كان من النبي سوى أن قام واستحم وتعطر وبدل ثيابه ودخل بيت الرب يشكره على نعمه، ثم جلس وطلب الطعام، فتعجب ذووه من فعلته فقالوا له "ما هذا الأمر الذي فعلت، لمّا كان الولد حيًا صُمت وبكيت، ولمّا مات الولد قمت وأكلت خبزًا". فقال: لمّا كان الولد حيًا صُمت وبكيت لأني قلت مَن يعلم رُبما يرحمني الرب ويحيا الولد، والآن قد مات فلماذا أصوم هل أقدر أن أرده بعد، أنا ذاهب إليه وأما هو فلا يرجع إليَّ" ([1]).

أيُ تشابه تلحظه بين قصتيْ الفيلسوف والنبي؟ التسليم التام والصبر الكامل، فالأول صبرَ فكان جزاء الصبر ذكرا باقيا، والثاني استمسك بالأمل، فلما انقطع عاد يضرب على أوتار الحياة مُسلّمًا.

فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ

قال النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) "وارْضَ بما قسم اللهُ لكَ تَكُن أَغْنَى الناسِ".

وفي سيرة النبي العِبر، فقد عاش يتيمًا، وطُرد من وطنه، ومات جميع ولده في حياته، واُتهم في عِرضه، وتعرض لأهوال من العذاب والحروب، وظل رغم ذلك شامخًا راضيًا قنوعًا.

وَإِذا ذَكَرتَ مُحَمَّداً وَمَصابَهُ

فَاذكُر مُصابَكَ بِالنَبِيِّ مُحَمَّدِ

وانظر في القرآن إلى سيرة النبي موسى (عليه السلام)، لتأخذ العِبرة وتكون من أُولي الألباب، فرُبيَّ الكليمُ بعيدًا عن أمه، في بيت عدوه، واُتهم بالقتل عمدًا، وعاش هاربًا سنينَ، ولمَّا عاد، كُلف بما لا يطيقه إنسان أبدا، لكنَّ اللهَ برّر له ذلك بأنه اصطنعه وخلقه وسخّره لذاته العُليا، فابتلاه بما لا تُطيقه الجبال فصار مثالًا على الصبر، فيقول الله "إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)". ويقول مُوضحًا سر الابتلاءات التي لا تنتهي، إنه -أقصد النبي موسى- صار مملوكًا بشكل كامل لإرادة الله وقدره "وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي".

لِذا يقول النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عن الصبر في الدنيا والقبول بها "خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا: من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله الله عليه".

في الأخير

ولو سألتني عن نفسي أقول لك، أنا ابن الـ 22 عاما، حين أشَبُّ على أطراف أصابعي لأُحضر شيئًا من أعلى الدولاب (مثلًا) أحمدُ الله حمدًا كثيرًا على ما أملكه، فلي بيت، ودولاب، وسرير، ومكتبة، وفقرات ظهرٍ لا تنحني صلبة.

ملحوظة: لا أقول لك استسلم للحياة، فهناك فارق بين الاستسلام والتسليم، فالاستسلام منبوذ مكروه، أما التسليم فهو القبول بعد محاولات كثيرة فهمت منها أن لا شيء سيتغير. فعليك بالتسليم، وما أدراك، قد يُحدث الله أمرًا كان مفعولا.