قراءة نقدية.. تاريخ انتفاضة 1919 المصرية (1)

مدونات - ثورة 1919
صورة من أحداث "ثورة" 1919 (مواقع التواصل الاجتماعي)

يُنسب إلى "ستاندال" أحد العلامات البارزة في الأدب الفرنسي في القرن الـ19، واسمه الحقيقي ماري هنري بيل مقولة: "أولى مؤهلات المؤرخ، عجزه عن الاختراع".. مقولة بليغة حاكمة، تعني فيما تعني: إذا وُجد الاختراع في "الرواية التاريخية"، فإننا أمام "مؤلِّف" بكسر اللام وتشديدها لا "مؤرخ"، وأمام "مؤلَّف" لا "تاريخ".

ومنذ اكتظاظ وسائط التواصل والاتصال (على اختلاف مسمياتها) بالروايات المتضاربة حول الحدث الواحد، إبان انتفاضة 25 يناير/كانون الثاني 2011 وما تلاها من أحداث، كنت شاهدا على بعض منها، قررت (قبل 5 سنوات) أن أعيد قراءة التاريخ المصري قراءة نقدية، تميز بين "التأليف" و"التأريخ".. فكم هو مؤسف ومخجل ومعيب إخضاع طفل غض لا حول له ولا قوة لعملية "برمجة قسرية" وتشويه ثقافي ومعرفي متعمد، ومِمَّن؟! من أولئك "المستأمنين" على تنشئته وتربيته!

كيف لي أن أنسى الصفحة الأولى من كتاب "التربية الوطنية" التي طُبعت عليها صورة عبد الناصر وقد كُتب تحتها: "الزعيم جمال عبد الناصر.. أول رئيس لمصر"؟! هذا وقت أن كان محمد نجيب، أول رئيس لمصر، يعيش مع تشكيل من الكلاب في فيلا السيدة زينب الوكيل (حرم مصطفى النحاس باشا) بمنطقة المرج على أطراف القاهرة!

وإن كنت أنسى فلا أنسى تلك العبارة التي حفظتها الأجيال عن ظهر قلب، ليس في مصر وحدها، وإنما في الوطن العربي كله: "لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا؛ فوالله الذي لا إله إلا هو لا نُورَّث ولا نُستعبَد بعد اليوم".. تلك العبارة التي وضعها عبد الرحمن بك الرافعي، على لسان القائمقام أحمد عرابي في "مواجهته" مع الخديو توفيق، أمام قصر عابدين!

عبارة لم ترد على لسان عرابي نفسه في مذكراته!.. فقد حكى عرابي ما دار بينه وبين الخديو توفيق، في هذا الموقف المهيب، بأسلوب مهذب للغاية، وكانت لهجته أقرب إلى الرجاء بقبول المطالب التي تقدم بها إلى "المقام السامي" نيابة عن ضباط الجيش من المصريين والنخبة الوطنية!

والأستاذ عبد الرحمن الرافعي (الذي كان قاضيا وحاز لقب شيخ المؤرخين) هو الأبرز والأغزر إنتاجا بين المؤرخين المصريين.. فهو كاتب "تاريخ الحركة القومية في مصر القديمة.. من فجر التاريخ إلى الفتح العربي".. لاحظ! "الفتح العربي"!.. إلى جانب كتب أخرى عن حقب وأحداث وشخصيات تاريخية مثل: "عصر محمد علي" و"عصر إسماعيل" و"الثورة العرابية" و"ثورة 1919″ و"ثورة 23 يوليو 1952″ و"بطل الكفاح الشهيد محمد فريد" و"الزعيم الثائر أحمد عرابي" و"مصطفى كامل" و"جمال الدين الأفغاني" والقائمة تطول..

في هذه السلسلة، سأقرأ معك (عزيزي القارئ) كتاب الرافعي "ثورة 1919.. تاريخ مصر القومي من سنة 1914 إلى سنة 1921" الذي يقع في 640 صفحة، قراءة نقدية، لنرى معا إلى أي مدى انطبقت عبارة "ستاندال" التي صدّرت بها هذا المقال على الأستاذ الرافعي.. والكتاب المذكور..

سأجتهد ما استطعت (عزيزي القارئ) أن تعيش أبرز أحداث هذه الانتفاضة التي امتدت لأكثر من عامين دون ملل، فالإحاطة بأهم تفاصيلها ضرورة، لمن يريد أن يفهم الحالة المصرية، منذ فرضت بريطانيا حمايتها على مصر سنة 1914م، والتي آلت (أي الحماية) إلى أميركا، مع بداية أفول شمس الإمبراطورية البريطانية، وحتى كتابة هذه السطور.

فلا تزال مصر (وأمصار أخرى) تحت الوصاية الأجنبية، حتى يومنا هذا، وما الحكام والمجالس النيابية والجيش والشرطة إلا (أقنعة وطنية) للدول الاستعمارية التي قررت (بعد الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة) سحب جيوشها من مستعمراتها، بعد أن توصلت إلى صورة أخرى من صور الاحتلال، أقل كُلفة وأكثر "تحضرا"، فعمدَت إلى الاحتلال "الناعم" الذي يقضي بسحب تشكيلاتها العسكرية، مع استمرار وصايتها على مستعمراتها "السابقة".

ولا تزال النخبة (في بلادنا) تقتفي أثر سعد زغلول باشا الذي توسل الاحتلال البريطاني "استقلالا شكليا" بلغة منكسرة لا تليق بزعيم وطني، ودون تفويض من أحد، كما سنرى، متجاوزا الحركة الوطنية الحقيقية المتمثلة في الحزب الوطني بزعامة محمد فريد الذي كان منفيا في ألمانيا وقتئذ!

سأنقل (في هذه السلسلة) عن الأستاذ عبد الرحمن الرافعي بتصرف، وسأضع توضيحا بين هذين القوسين [….] داخل النص المقتبس لِما اعتقدت أنه بحاجة إلى توضيح، وسأقوم بالتعليق بين القوسين ذاتهما [….] خارج الاقتباس، كلما دعت الحاجة إلى ذلك.. وللأسف، فقد دعت الحاجة إلى التعليق مرارًا، بدءًا من السطور الأولى في مقدمة الطبعة الثانية التي كتبها الرافعي بنفسه سنة 1955.

يقول الرافعي في مقدمة هذه الطبعة

".. وعندي أنّ الحقائق التاريخية لا يجوز أن تكون موضع التعديل والتبديل، ولا أن تعاد كتابتها بأسلوب جديد كلما تغيرت الظروف والعهود، والتاريخ هو التاريخ، وحقائقه وحوادثه يجب أن تكون بمنأى عن مثل هذا التغيير والتبديل، فالحقائق التاريخية الثابتة يجب ألا تتغير، وقد يتغير تفسيرها والتعليق عليها…".

كلام رائع وجميل، يبعث على الثقة بأن الرجل يحترم "الواقعة التاريخية"، إلا أن الرافعي قام بـ3 تعديلات في هذه الطبعة التي صدرت في عهد "ثورة يوليو المباركة" كما أُطلِق عليها! ذكرها من باب "الأمانة العلمية" حسب تعبيره، فعلَّل واحدا منها؛ لأنه يتعلق بما وصله (بعد الطبعة الأولى) من مشاركة أهالي دمياط في هذه الانتفاضة فأثبته، في الطبعة الثانية، أما التعديلان الآخران فسكت "المؤرخ" عن تعليلهما!

يستطرد الرافعي في المقدمة نفسها فيقول: "ثم إني في الحديث عن زواج السلطان (الملك) فؤاد، وعن مولد الملك السابق فاروق، وكلاهما في الجزء الثاني، قد غيرت عنوان الحادثين، فبعد أن كان عنوان الحادث الأول "القران السلطاني السعيد" جعلته "زواج السلطان فؤاد"، وكان عنوان الحادث الثاني "مولد الفاروق"، فجعلته "مولد فارق"، وأوجزت في كليهما، ولم أوجز القول ولم أغير شيئا في غير هذين الموضعين…".

إنه لأمر مؤسف حقا يا شيخ المؤرخين!

فسبب تعديل عنوانَي الحدثين، واختصار الرافعي ما كتبه تحتهما يعود (في تقديري) إلى أن الطبعة الثانية خرجت في عهد "ثورة يوليو المباركة" على "النظام البائد" وهي التسمية الرسمية التي تم اعتمادها (آنذاك) للإشارة إلى النظام الملكي الذي أطاح به "ثوار" يوليو، ولم يكن "منطقيا" أن تظهر الطبعة الثانية من الكتاب وبها ما يشير إلى أن الزواج السلطاني كان "سعيدا"، وأن فاروق الذي انقلب عليه ضباط يوليو كان "الفاروق" الذي يفرق الله به بين الحق والباطل، كما أراد أن يوحي الرافعي للقارئ، باستخدامه لفظ "الفاروق" في الطبعة الأولى!

كبوة كبيرة للرافعي؛ لأن أمرا كهذا (على تفاهته) أجبر "شيخ المؤرخين" على تعديل العنوانيْن، واختصار أحداثهما، لدرجة أن كليهما لم يحتل سوى "سطرين اثنين" في الطبعة الثانية من الكتاب الذي أنقل عنه!

فهل أراد الرافعي "مجاملة" النظام الجديد، بتجريد الحدثين من تفاصيل كانت (بالقطع) تحمل مدحا لصاحبيهما؟! أو أنه تلقى اتصالا من ضابط في "مجلس قيادة الثورة" يحثه على هذا التغيير فلبَّى واستجاب؟! أو أن مسؤول دار النشر طلب إليه "ارتكاب" هذه التعديلات؛ حتى يتمكن من إعادة طبع الكتاب؟! أو أنه يريد منا أن نستنتج "وقاحة وصَغَار" ضباط يوليو، واضطهادهم لأناس أصبحوا من الماضي؟!

لا أعرف على وجه اليقين، ولكن كلها احتمالات منطقية ومقبولة.. إذ لا يمكن أن يكون الرافعي قد اكتشف بعد موت السلطان فؤاد بعقود، أن زواجه "لم يكن سعيدا" ولا يمكن أن يكون قد أضاف "أل" التعريف إلى اسم فاروق (في الطبعة الأولى) جاهلا بمدلولها!

بعد هذه البداية التي وجدتني مضطرا إليها، أبدأ معك (عزيزي القارئ) استعراض أهم أحداث انتفاضة 1919، والأسباب التي أججتها، مطمئنا إلى أننا سنقرأ معا بعين الناقد الموضوعي، لا بعين الشخص الذي تعرض لـ"غسيل دماغ"، في صِغَره بمسحوق "الوطنية" المغشوش!