صراع الهويات داخل المؤسسات في غفلة الإدارات

ميدان - الإدارة إدراة تحفيز مدير موظفين شركة
تعلم الإدارات أنه يوجد في معظم المؤسسات ما يُعرف بـ"اللوبي" (مواقع التواصل الاجتماعي)

في لحظة استياء من الواقع الوظيفي داخل المؤسسات الإعلامية، وآلية التوظيف والطريق إلى الامتياز داخلها، تساءلت عبر حسابي على تويتر عن ما إذا كان هناك حساب من الله تعالى لمن يعمل على احتكار الامتيازات والوظائف وحصرها بالمقرّبين إليه سواء من الناحية الوطنية أو الفكرية أو حتى محيطه بالعلاقات الإنسانية، فأجابني أحد المتابعين بحديث نبوي شريف، يقول فيه النبي محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم: "مَن وليَ من أمرِ المسلمين شيئا فأمَّرَ عليهم أحدًا محاباةً فعليه لعنةُ اللَّه لا يقبَلُ اللَّهُ منه صرفًا ولا عدلًا حتّى يُدْخِلَه جهنَّمَ".

قرأت الحديث أكثر من مرة، وقلت في نفسي: هل يعلم الناس بهذا الحديث ويعملون كما تشاء نفوسهم أم أن لهم تبويبا يجعلهم يفكرون أن "الأقربين أولى بالمعروف"؟. ثم سلمت أمري لله وأكملت ما تبقى من يومي وعاد كل شيء إلى وضعه الطبيعي، عسى أن يحدث الله بعد ذلك أمرا.

وبعد هذه المقدمة التي لا تخلو من السرد الروحاني الصوفي، أعود إلى الموضوع وأهميته في مختلف جوانبه، على المستويات المهنية والأخلاقية والإنسانية والنفسية وحتى السياسية.

بداية لنتفق على أن كل ما نتحدث عنه سببه رأس الهرم (الإدارة) المسؤولة عن فرض نظام المؤسسة على الأفراد، والتي لا تضع معايير ولا مقاييس واضحة للهوية العامة الخاصة بنوعية الأفراد وخلفياتهم وآلية توظيفهم وكيفية تنقلهم بين سلالم السلم الوظيفي، مما يجعل الهوية المؤسساتية غائبة تماما في هذا الجانب، وأي غياب سيمنح الفرصة لمنافس بديل، وهنا جاءت الهوية "الفردية" لتفرض نفسها واقعا على المؤسسة، حيث يقوم الأفراد بـ"حيل شرعية" لخلق نظام توظيف وعمل يناسب تطلعاتهم وآلية عملهم وخلق بيئة تكون هوية خاصة بهم.

لا يمكن للهوية الفردية أن تكون "جماعية" لأنها ستحصر التوظيف بمحيط أفراد، كما ستقيّد أي تطوير للعاملين على مختلف المستويات بطبيعة العقلية الفردية، ولأن هذه العقلية هي الهوية الواضحة للعاملين في المؤسسة، سيكون الولاء للأفراد وسيخلق ذلك جماعات ولاء للأفراد وسعيا حثيثا للتودد والتقرب يقابل ذلك بامتياز لا يحصل عليه الغير. وبذلك يكون الفرد بسياسته وعقليته وإرادته حدد شكل ونوعية وطبيعة عمل المؤسسة، وسبب ذلك "الإدارة" التي غيّبت نفسها عن أهم المشاهد وأخطرها بسبب إهمال أو تقاعس أو عدم إدراك.

تعلم جميع الإدارات أنه في معظم المؤسسات يوجد ما يُعرف بـ"اللوبي"، وفي الوسط الإعلامي وخصوصا في المؤسسات الكبيرة، توجد لوبيات دولية على مستوى عالٍ جدا، يسهل على الجميع التعرف إليها بمجرد النظر إلى هويات العاملين في تلك المؤسسات، والتدقيق في كيفية التوظيف والتوزيع وسنوات الخبرة وحتى المرتبات، بل يكفي أن تسأل بطريقة عشوائية بعض العاملين في أي مؤسسة لتعرف من المسيطر وكيف تُدار الأمور؟ فهل يجري ذلك دون علم الإدارة؟ لا طبعا، فتكوين اللوبي يبدأ من رأس الهرم.

تاريخ ما يعرف بالمحسوبية أو الإقطاعية الوظيفية حافل، ودُوّنت كثيرٌ من القصص حول هذا الأمر، ويقرّ الجميع بأنه لا أحد سلم من التكتلات داخل المؤسسات، بل صنفت دراسات حديثة "العلاقات" للحصول على وظيفة أو ترقية في العمل على أنها مهارات فردية يجب أن يتحلى بها الشخص في العمل الوظيفي.

وبتجربة شخصية خلال سنوات لا بأس بها من العمل في مجال الصحافة والإعلام، أيقنت أن أكثر من 90% من الوظائف في مجال عملي مبنية على العلاقات والجهات المتنفذة داخل المؤسسات وقناعة أفراد بحد ذاتهم في الشخص المتقدم للعمل، حيث تبدو السيرة الذاتية مجرد ورقة معنوية تشبه شهادة خبرة يعلقها متقاعد سبعيني على جدار غرفة الضيوف في منزله، التي لا يدخلها كثير من الناس بعد ضعف تأثيره في المجتمع وعدم الاستفادة من زيارته.

تكمن خطورة همينة محور أو لوبي أو جماعة أو قومية أو طائفة أو جنسية، أو أي مسمى كان، على مؤسسة إعلامية بأنها صارت تسيّر وفقا لهوية الأفراد المهيمنين، ولا يمكن لأي إدارة أو حتى مؤسسة العثور على أي خيوط رخوة في بيت العنكبوت؛ لأن النسيج يتهاوى إذا سحب أحد خيوطه، وهذا ما تدركه الإدارة جيدا، ولأنها تعلم كل العلم أن الأمر يسير وفقا لما تعتقده هي مناسبا، لا تمانع أن تكون مؤسستها تحت إدارة أي محور كان. وبهذا هي مخطئة فيما تراه، فمن ظهرَ في المؤسسة أريدَ له أن يَظهر، وما لم يُرَ أكبرُ بكثير من الظاهر.

وعلى الرغم من أني بدأت سطوري بنسج مستند إلى أدلة شرعية، فإنني أبحث عن جانب مهني هنا، ولكن أردت بذلك تنبيه الأفراد قبل المؤسسات، فالإنسان يخطئ وأخوه الإنسان يصحح له ويدعمه حتى يستقيم. أما المؤسسات فهي مسؤولة عن إدارتها، والإدارات مؤتمنة على المؤسسات، والمسؤولية تحتم على هؤلاء تحمّلها أو تركها لمن هم أجدر بحملها.

فهل من متّعظ وعاقل يعي أن الأنظمة السياسية ليست وحدها ظالمة، وأن لكل شيء نظاما حتى الأسرة ومكان العمل، ولا فرق بين مسؤول سياسي ظالم وفاسد، وبين موظف أو أب أو مدير ظالم وفاسد، إلا بطبيعة الظلم والفساد ونوعه، وأن المسؤولية تقع على كل راع ويجب عليه تحمُّلها.