ظل الديمقراطية الثقيل

الغرب الذي يتزعم الحرية في شكلها "الحضاري" تخاذل عن نصرة المظلومين والمهجّرين في شتى بقاع العالم (الأناضول)

سنوات عجاف من الحرب والدمار لم تكن كافية لتأبين نظام السرقة والاستعباد والقهر العالمي، بل إنّ سعي الإنسان لقتل الإنسان وسلب حريته ونهب هويته عزز من استمرار الحروب التي تورطت في إبادة جماعية وتهجير قلّ نظيره في التاريخ، تحت سطوة نظام معولم امتلك الحق في صورة الحياة "الإنسانية"، حيث العالم يخضع للون واحد غير متعدد شعاره الحضارة الغربية.

لحظات استثنائية ضربت ريحها المنطقة العربية صنعت من الحرية رمزا غير اعتيادي هو الشعب. هذه المرة بعد سنوات التيه التي قضاها العرب يلملمون جراح الاستعمار وأشياعه من "الكومبرادوريات" الهشة، لم تتقدم صفوف المنتفضين بالمنطقة العربية جموع النخب ولا الهويات ولا الأيديولوجيات ولا الزعامات التاريخية، بل كتب لأولئك الذين خضعوا للخطابات السياسية العبثية أن يوهموا شعوبهم بتخلّيهم عن كل النظم ليذوبوا في نهر جارف استطاع أن يشق طريقه الآمن والسلمي نحو حلم التغيير. مثقفون وسياسيون وعسكريون انشقوا، بعدما ظلوا عقودا من الزمن داخل تركيبة معقدة من الأوامر والتعليمات والبيروقراطية والتبعية، عن بنية الدولة العميقة لا ليتحللوا من ارتباطهم الوظيفي بنظام الخوف والعنف، بل ليتحللوا كما السم في الماء، فلا يجد المرء طعما له إلا الموت.

وفي عام 2019 أعاد الحراك السوداني والجزائري روح "الانتفاضة العربية" بعد عقد من الخطيئة والخذلان إلى نفسها الثوري الأول، بل إنّه جدّد خطاباتها وشعاراتها، ومنحها قوة تحررية فاعلة وهو يطوي صفحة مؤلمة من انحرافات الربيع العربي المخيفة والمدمرة، بدأت من تدخلات الخارج لتنتهي إلى جاهزية المعارضة الداخلية للعمالة والانبطاح لقوى الإمبريالية المتهافتة على نهب الثروة وسرقة الطموح الثوري في التغيير.

كانت الجماهير المنتفضة تحمل روح الثورة في مسيرتها وراياتها البيض، من دون حاجة إلى المعارضة ونُخَبها المتهافتة خلف المنتجعات الفندقية والصراعات الأيديولوجية.

لقد حققت الشعوب العربية اكتفاء سياسيا بصوتها الواحد يوم صدحت بأعلى ما تملك من قوة بدعوتها لإسقاط الطغم الحاكمة وقططها السمينة، تاركـة فضاءها الثوري للحظة التاريخية وهي ترسم الخطوط الفاصلة بين الحَرَكِي واللاوطني، والتحرر أو الانبطاح، والتغيير أو الاستمرار، ودولة المؤسسات أو نظام الدولة العميقة، بين العيش بكرامة إنسانية أو في زاوية من زوايا زنازين السجن الدكتاتورية.

كان الحراك يومئذ استجابة لدورة زمانية قدّر للشعوب العربية أن تستعيد بها كرامتها المهدورة وقيمة إنسانيتها المكلومة بقوارب الموت، بل إنّ الربيع العربي والحراك من بعده لم يفرّقا لو للحظة واحدة بين مكونات المجتمع العربي وهوياته المختلفة، كان بوصلة ترشد التائهين نحو نجاتهم وتنقذهم من ذهنية التطرف والتموقع ضمن الحكم المستبد والجماعات الاستئصالية؛ كان حقيقة بكل ما تحمله الكلمة من معان مختلفة سعى الجميع نحوها لتقديم قرابين خلاصهم من لاهوت سياسي ممسوخ بالقتل والبربرية حكمنا على مدى عقود يجرّدنا من أدنى مقومات البقاء الإنساني.

قدمت شعوبنا العربية تضحيات كبيرة تفوق أحلامها التي لطالما سعت لتحقيقها، وكان التحامل عليها واتهامها بالتخلف والعنف والتهور شريعة اللاهفين على غنيمة مزجاة تلقيها لهم يد المستبد، لا تختلف كثيرا عن صورة المستشرقين الذين وسموا أمتنا وشرقنا بالخرافات والصور المنمطة.

ومثلما وصفتنا المؤسسة الاستشراقية بالشهوانيين والاندفاعين والمتخلفين، فإنّ أرباب التنويم لا التنوير الحقيقي ببلداننا العربية لم يختلفوا كليا عن حراس المعرفة الغربية، فقد سخروا من الديمقراطيات الناشئة ومن الممارسات الحضارية الإنسانية لمجتمعاتنا، فراحوا يجهزون على كل انتفاضة شعبية من شأنها أن تطيح بالذي ساد سنينا طوالا، وكانوا بمنزلة مخبرين دفعهم حقدهم على الإرث العربي والإسلامي إلى تحالف مخز مع الاستعمار الجديد، وأسلموا أقلامهم له وهم يعيّرون الأرض التي شهدت آهات أجدادهم، بل يسبّون تاريخ نضالهم وثقافتهم غير آبهين بمعاناة مجتمعاتهم وشعوبهم، كأنما فقدوا الحكمة والحقيقة وخلاصهم الإنساني يوم ألقت السمـاء من جنان الخلد زهرة الحياة.

لم تسلم شعوب منطقتنا العربية من البراميل المتفجرة والقنابل الحارقة وقوارب الموت حتى تتبعها جحافل الكتبة التنويميين، القائمين على تبييض صورة القتل وتبريرها وإلباسها ثوب الدفاع عن الهوية والوطنية والحدود الجغرافية، لتخوين شعوبهم وتسفيهها وحملها على الانصياع "للعسكارتية"، ولتنبري مع ذلك التحامل المجحف خطابات تاريخية يدرك العاقلون مدى خطورتها على أي ثورة شعبية، فراح بعضهم ينفخ في الهويات والثقافات ليجعل منها بالونات سياسية وألعوبة في يد القوى الخارجية، لبث الخوف والرعب في نفوس من نادوا بالحرية والعدالة والكرامة، حتى غدت أقدس القضايا الإنسانية محل مزايدات ومضاربات بين أدعياء مناهضة الاستعمار وخطباء التنوير الزائف، فكل فريق منهم راح يلقي التهم جزافا على تركة الأنظمة الثقيلة زاعما أنّ الشعوب ليس بمقدورها أن تتخلص من انقيادها وانصياعها للمستبد، وكانت فكرة العبث الثوري ككرة يتبادل رميها بملعب شعبي خطاب يساري وديني لا لتمكين الأفراد ومجتمعاتهم من العدالة والحياة، بل بتقديمهم قربانا لمشاريع واهنة وأيديولوجيات واهية لا تمت بصلة للقيم التي تأسست عليها كل دعوة إنسانية، فلا الرجعية ولا الاستئصالية، كما ينادي كل منهما، قدّمت السبق في عدم تأزيم الحالة الثورية والاستعجال بإيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها المنطقة المنتفضة بعدما وضعت بعض الثورات أوزارها، بل جعلت كل منهما حلم الديمقراطية والحريات الفردية قميصا ملطخا بدماء الثائرين لتحقيق مكاسب شخصية.

يكفي أنّ الخوف من الوقوف ضد الفقر والخذلان لم يعد له وجود بين من هجّروا وعُذّبوا وأوذوا في سبيل أن يحيوا كرماء أعزة لا أذلة.

لقد استطاعت شعوبنا العربية أن تهدم جدار الصمت عن الفساد السياسي والاقتصادي اللذين لم يتركا مجالا لبناء دولة ذات سيادة بين الأمم، فراحوا يشيرون بحراكهم في موجة ثانية من الربيع العربي "لا للعصابة ولا للحكم الشمولي"، متمسكين بمؤسسات دولتهم يرجون إصلاح ما أفسدته يد الاستبداد، فهم ضمن عالم متكالب على الثروة، ومتى وجد سبيلا لنهبها اتخذ له منبرا يمتهن الحرية تارة وتارة أخرى يخوّف الناس باسم الإرهاب، ليخضع بذلك اللوائح الإنسانية والقيم الحضارية لرؤيته التحديثية لمفهوم السيادة والديمقراطية والحرية، ولولا الربيع العربي ومن قبله "الحركة الخضراء" بإيران ومن بعده "السترات الصفر" في الاتحاد الأوروبي، وكثير من حركات التحرر العالمية كـ"منظمة احتلوا وول ستريت"، لأصبح العالم ذا طابع أكثر وحشية وإفقارا للفرد وجحودا للإنسانية.

تلك الحركات وغيرها التي انبرت للدفاع عن حقوقها وحقوق غيرها ساق لها الغرب النيوكولونيالي اتهامات بالشعبوية كان الزمن كفيلا بإثبات عدم أفول دعوتها وإسكات صوتها، إلا أنّ العالم الذي جعل من كل شيء سلعة استهلاكية سرعان ما وقف صامتا يدافع عن رؤوس أموال شركاته الناهبة وهو يرى كيف تعيد الطبيعة رسم حدود الرأسمالية المتوحشة، المتغلغلة في الحياة البشرية.

والمواثيق التي تخطّها المؤتمرات الدولية غير فعالة وملزمة لأحد بتنفيذ القرارات والتوصيات المتعلقة بـ"الهجرة غير النظامية"، كاتفاق مراكش عام 2018 الذي عقد في 21 ديسمبر/كانون الأول بالمغرب وحضرته كل من فرنسا وألمانيا، وقاطعته الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب معارضة كل من أستراليا ودول أوروبا الشرقية لقراراته، وأهم ما جاء في الاتفاقية التخفيف من العوامل السلبية التي تعيق الأشخاص عن تحقيق العيش المستدام. تزامن ذلك مع خروج الطلاب الفرنسيين في مظاهرات حاشدة ضد سياسات الرئيس الفرنسي ماكرون ودعما لحركة السترات الصفر، وكان السبب فرض مزيد من الضرائب على الطلاب الأجانب غير الأوروبيين، في يوم حمل عنوان "الثلاثاء الأسود" لما شهده من أعمال عنف على يد الشرطة الفرنسية ضد الطلبة المتظاهرين.

تخاذل الغرب الذي يتزعم الحرية في شكلها "الحضاري" عن نصرة المظلومين والمهجّرين في شتى بقاع العالم، مطلقا عنان قوى الشر الصهيونية لجر المنطقة نحو الفوضى والحروب الأهلية، فبينما هو منهمك بعقد المؤتمرات للحد من الهجرة غير النظامية، كانت شركات التسليح تزيد من تدفق الأسلحة نحو مناطق الصراع العالمي، فقد أمست المنطقة العربية أهم بؤر توريد الأسلحة، وعُوّضت صفقات التسليح النظامية مع الغرب بأخرى غير قانونية مع منظمات دولية ورجالات مافيا كشركة فاغنر الروسية، لتزداد وتيرة الحرب وتتراجع مؤتمرات التسوية بسبب تدخل عربي-غربي لتجزئة المنطقة، وليسمح ذلك بعودة الأنظمة الدكتاتورية وإعادة إنتاج ذاتها.

ومن مكافحة الإرهاب والتيارات الدينية المتطرفة انبرت السلطوية العربية كجدار يحمي الغرب من ارتدادات الربيع العربي، غير أنّ ضحايا التخاذل العالمي لم يكونوا الثمن الذي دفعه المنتفضون من قتل وتهجير، بل إنّ التهافت الغربي على استتباب حكم العصابات بالانقلابات والثورات المضادة فضح زيف "الدولة الوطنية" و"استقلالها عن المستعمر"، ليعايش المجتمع العربي نتائج ثورته، ليس في تعزيز الحريات الفردية والثقافات المختلفة فحسب، إنّما في استعادة اللحظة التي من شأنها أن تكون "منعطفا تاريخيا" حاسما نحو التغيير الشامل.