حادث 4 فبراير 1942 بعد 80 عاما.. هل ممكن أن يتكرر؟

الملك فاروق - الموسوعة - الصورة من ويكيبيديا وليس عليها حقوق
الملك فاروق

كان حادث 4 فبراير/شباط 1942 باختصار شديد: أن السفير البريطاني خيّر الملك فاروق بين أن يعيد الحكم للأغلبية بقيادة الوفد والنحاس باشا، أو أن يتنازل عن العرش، فاختار الملك أن يتنازل عن نزواته بدلا من أن يتنازل عن العرش، لكن التوظيف السياسي للحدث جعله -ولا يزال- يقدمه بمثابة نقطة مفصلية يتكئ عليها العسكريون في تبرير قيامهم بحركة 23 يوليو/تموز 1952 من منطق وطني، ذلك أنهم -على حد وصف الأدبيات التي نقلت وروّجت أقوالهم- اكتشفوا في ذلك اليوم أن قرار مصر ليس بيدها، وأن في وسع البريطانيين أن يغيروا حاكم مصر بالقوة العسكرية، ومن ثم فالأولى بهم هم أنفسهم أن يغيروه بالطريقة نفسها.

ومع أن الوثائق المختلفة التي تكشفت بعد مرور الزمن قد أبانت عن أن عداء الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس أنور السادات للنحاس باشا لم يكن وليد 4 فبراير/شباط 1942، وإنما كان قبلها بسنوات منذ أن كانوا طلبة في التعليم الثانوي وقبل أن يدخلا المدرسة الحربية، وقد نشر الأستاذ محمد الصباغ عددا من الوثائق الرسمية الدالة بكل وضوح على هذا المعنى؛ فإن المؤرخين الذين ارتبطوا بما أتيح لهم في الستينيات لا يزالون يتحدثون عن أثر حادث 4 فبراير في تأجيج وطنية جمال عبد الناصر وزملائه ضد النحاس باشا والبريطانيين على حد سواء، مما دفعهم إلى القيام بحركتهم في 1952.

لكن الناقد الأدبي الذي يعنى بتاريخ الفكرة، يستطيع بشيء من القراءة أن يدرك حقيقة مذهلة وطريفة، وهي أن الضابط المصري الوحيد الذي اعترض على حادث 4 فبراير/شباط 1942 لم يكن جمال عبد الناصر ولا أنور السادات ولا أحدا من الذين نالوا الحظ معهم، وإنما كان هو الرئيس محمد نجيب نفسه الذي بلغ به الحد أن قدم استقالته من العسكرية التي لم تمكنه -على حد تعبيره- من حماية ملكه في تلك اللحظة.

ومن زاوية أخرى، فإن عبارة أحمد ماهر باشا التي وجهها للنحاس باشا في ذلك اليوم بعد أن تحطمت آماله هو وزعماء الأقلية في مشاركة النحاس في الحكم، ظلت بمثابة أيقونة للتعبير عن هذا الإحباط الشديد الذي عبر عن نفسه بهذه العبارة التي يقول فيها أحمد ماهر للنحاس باشا "إنك تأتي لرئاسة الوزارة على حراب الإنجليز"، وكأن النحاس باشا ليس هو زعيم الأغلبية، وليس هو زعيم الأمة، وليس هو رئيس الوزراء الشرعي الذي شارك أحمد ماهر نفسه في التآمر عليه والانقلاب عليه وعلى شرعيته كي يحل محلّه في 1937، فلم تسعفه الظروف بهذا إلا في أكتوبر/تشرين الأول 1944 وقبيل أن يتوفى بأربعة شهور فقط، ومن العجيب أن وفاته جاءت بسبب اندفاعه الشديد إلى ما لم يندفع إليه النحاس باشا في موالاة الإنجليز، فقد أعلن أحمد ماهر الحرب مع الإنجليز والحلفاء على المحور، بينما رفض مصطفى النحاس أن يعلنها وهو الذي جاء على حراب الإنجليز على حد تعبير أحمد ماهر!

وبقدر ما كشف هذا الحادث وما تبعه عن انتهازية أحزاب الأقلية وزعماء أحزاب الأقلية وتوقهم الشديد إلى المشاركة في الحكم مهما كان الأمر، وهو أمر لا ننتقدهم فيه لكننا ننتقدهم في تصويرهم الذي يقلب الحقائق على نحو ما قال أحمد ماهر في عبارته، وهو الذي يعلم أن حزبه خرج من وزارة حسن صبري باشا بسبب رفض رئيس الوزراء الموافقة على ما كان يقترحه السعديون برئاسة أحمد ماهر من إعلان الحرب على المحور التزاما بمعاهدة 1936 على نحو ما كان يفهمها هو وحزبه باندفاعهم أو تحمسهم.

وفي جميع الأحوال، فقد كانت للوفد وجهات نظره المنطقية جدا في قبول الحكم في 4 فبراير، وكان هذا تعبيرا عن النجاة الناضجة من قصر النظر، لأن البديل -وهو تولية الأمير محمد علي توفيق (1875-1955)- كان يمثل أو يفرض وضعا صعبا جدا على الوطن وعلى الحركة الوطنية. ومن ناحية أخرى، فمن الذي كان يضمن لأحمد ماهر وزملائه إذا عُزل الملك فاروق ووسد الأمر إلى الأمير محمد علي توفيق، ألا يكون النحاس باشا هو من سيُشكل هذه الوزارة؟

بالطبع فإن قراءة التاريخ من زاويته الدولية أو العالمية بعيدا عن مشاعر الأحزاب المصرية ينبئنا أن الحلفاء لم يكونوا على استعداد لأن يتركوا في مصر رئيس وزراء ضعيف المواقف قليل الحيلة من طراز حسين سري باشا، الذي واجهه عبد الرحمن عزام باشا بأنه خادم للإنجليز (وذلك على نحو ما رواه إبراهيم عبد الهادي باشا).

ومن الإنصاف أن نقول إن الحكمة الحقيقية في 4 فبراير تنعقد لثلاثة: أولهم هو الملك فاروق الذي لم يركب رأسه وإنما انصاع لنصيحة رئيس ديوانه أحمد حسنين باشا، وثانيهم هو أحمد حسنين باشا الذي أجاد استخدام اللّفظ المعبّر عن حل للمشكلة حين قال للمندوب السامي البريطاني المدجج بالسلاح إنه يطلب فرصة أخرى، وثالثهم هو كل سياسي تفهم الأمر ولم يزايد على مصلحة الوطن وعلى مصلحة الشعب في مثل هذا الظرف الذي قادتنا إليه الأحداث التي صنعها معارضو الوفد أو الذين يتمنون له الخطأ أو التشويه.

أثر 4 فبراير في نفسية الملك فاروق

من الإنصاف أن نذكر أن الحديث المبالغ فيه عن أثر 4 فبراير في نفسية الملك فاروق قد أخذ أكثر من حجمه بكثير، ونحن لا ننكر أن الحادث كان مؤلما وربما كان مؤلما جدا، لكن أسبابه كانت منطقية، ومن حسن الحظ أن الملك فاروق نفسه كان قد بدأ يدركها حينما استقبل صليب سامي وزير الخارجية الذي فتح عينه على كثير من الحقائق وشرحها له بطريقة المستشارين القانونيين الأمناء، ونحن نثق برواية صليب سامي لأنه على وجه الإجمال صادق وأمين، ولأن العناصر التي تضمنتها روايته لم تكن تجلب له أية مكاسب بل على العكس كانت تجلب له المتاعب، ولا يجرؤ أحد من سياسيينا حتى يومنا هذا على أن يصارح الرجل الأول في الدولة بمثلها إلا إذا كان من طراز صليب سامي، فما بالك إذا كان هذا الوزير قبطيا من الذين يحلو لليساريين قبل الإسلاميين أن يصنفوهم ويكرروا تصنيفهم على أنهم فرنسيو الهوى بالفطرة!

وعلى كل الأحوال، فقد أفضنا في تفصيل هذه الحقائق في كتابنا "على مشارف الثورة"، ونقلنا النصوص والمحاورات، لكننا ونحن نعيش بعد الحادث بما يقترب من 80 عاما، نحب أن نذكر مفارقة طريفة وهي أن الملك انتقد حسين سري وصليب سامي فيما اعتبره مجاملة للبريطانيين، فإذا بالبريطانيين -ولهم منطقهم- يقولون له بكل وضوح إنهم يملكون أن يأمروه بما هو أكثر مما يعتقد أنه مجاملة.

أما من ناحية الوطنية الفرنسية، فإننا نذكر بكل وضوح أن مصر -بالرأيين المختلفين فيها- كانت مخلصة في مواقفها المتكررة، وكانت مع إنقاذ فرنسا نفسها من نفسها ومن حكومتها العميلة، ولعل فرنسا ترد الجميل لمصر في قابل الأيام بعد هذا التورط الذي أوقعت نفسها فيه في عصر الثورة المضادة.