استخلاف الصديق للفاروق.. من النماذج الفذة في انتقال السلطة

blogs عمر بن الخطاب
لوحة باسم الفاروق عمر بن الخطاب (مواقع التواصل الاجتماعي)

في شهر جمادى الآخرة من العام الـ13 للهجرة النبوية، مرض الخليفة أبو بكر رضي الله عنه، واشتدّ به المرض (الطبري، 1987،ج 4، ص238) فلما ثقل، واستبان له من نفسه جمع الناس إليه، فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون، ولا أظنني إلا ميتا لما بي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحلّ عنكم عقدتي، وردّ عليكم أمركم، فأمّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمّرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي (الحميدي،1998،ج 9،ص 258).

قام أبو بكر رضي الله عنه بمجموعة إجراءات لاختيار الخليفة القادم

  • استشار كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار:

تشاور الصحابة رضي الله عنهم، وكلّ يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه، ويطلبه لأخيه؛ إذ يرى فيه الصلاح، والأهلية، لذا رجعوا إليه، فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك! قال: فأمهلوني حتى أنظر لله، ولدينه، ولعباده، فدعا أبو بكر عبد الرحمن بن عوف فقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب! فقال له: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني. فقال أبو بكر: وإن. فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه. ثم دعا عثمان بن عفان. فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب. فقال: أنت أخبرنا به. فقال: على ذلك يا أبا عبد الله! فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله. فقال أبو بكر: يرحمك الله، والله لو تركته ما عدتك!

ثم دعا أسيد بن حضير، فقال له مثل ذلك، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك، يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يسرّ خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه.

  • ثم كتب عهدا مكتوبا يقرأ على الناس في المدينة وفي الأنصار عن طريق أمراء الأجناد، فكان نص العهد:

"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا، خارجا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له، وأطيعوا، وإني لم آل الله، ورسوله، ودينه، ونفسي، وإياكم خيرا، فإن عدل فذلك ظني به، وعلمي فيه، وإن بدّل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت، ولا أعلم الغيب {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون *} [الشعراء: 227] (الذهبي،1987،ص117).

إن عمر هو نصح أبي بكر الأخير للأمة، فقد أبصر الدنيا مقبلة تتهادى، وفي قومه فاقة قديمة يعرفها، فإذا أطلّوا بها استشرتهم شهواتها فنكّلت بهم واستبدّت، وذاك ما حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه (حمدي،1994،ص99)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فوالله لا الفقر أخشى عليكم! ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم».

لقد أبصر أبو بكر الداء، فأتى لهم -رضي الله عنه- بدواء ناجع؛ جبل شاهق إذا ما رأته الدنيا أيست، وولّت عنهم مدبرة، إنه الرجل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إيه يا بن الخطاب! والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك!».

  • أخبر عمر بن الخطاب بخطواته القادمة:

فقد دخل عليه عمر فعرّفه أبو بكر بما عزم، فأبى أن يقبل، فتهدده أبو بكر بالسيف فما كان أمام عمر إلا أن قبل.

  • أراد إبلاغ الناس بلسانه:

واعيا مدركا حتى لا يحدث أي لبس، فأشرف أبو بكر على الناس، وقال لهم: أترضون بمن أستخلف عليكم، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا. فقالوا: سمعنا، وأطعنا (الطبري،1987،ج4،ص248).

  • توجه بالدعاء إلى الله يناجيه:

ويبثه كوامن نفسه، وهو يقول: اللهم ولّيته بغير أمر نبيك، ولم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، واجتهدت لهم رأيي فولّيت عليهم خيرهم، وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر، فاخلفني فيهم، فهم عبادك.

  • كلف عثمان بن عفان أن يتولى قراءة العهد على الناس:

وأخذ البيعة لعمر قبل موت أبي بكر، بعد أن ختمه بخاتمه لمزيد من التوثيق، والحرص على إمضاء الأمر من دون أي آثار سلبية، وقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم. فأقرّوا بذلك جميعا، ورضوا به.

  • البيعة لعمر بن الخطاب قبل أن يتوفى أبو بكر الصديق:

فبعد أن قرئ العهد على الناس ورضوا به، أقبلوا عليه، وبايعوه، ولم تتم بيعة بعد الوفاة بل باشر عمر بن الخطاب أعماله بصفته خليفة للمسلمين فور وفاة أبي بكر رضي الله عنه (الشجاع، 1999، ص272).

  • وصية الصديق لعمر بن الخطاب:

فقد اختلى الصديق بالفاروق، وأوصاه بمجموعة من الوصايا لإخلاء ذمته من أي شيء، حتى يمضي إلى ربه خاليا من أي تبعة، بعد أن بذل قصارى جهده، واجتهاده، وقد جاء في الوصية: اتق الله يا عمر! واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبل بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا. وإنما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في دار الدنيا، وخفّته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا، وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة، فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئه، فإذا ذكرتهم قلت: إني أخاف أن لا ألحق بهم، وإن الله تعالى ذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم، ورد عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجو ألا أكون مع هؤلاء، ليكون العبد راغبا راهبا، لا يتمنى على الله، ولا يقنط من رحمة الله، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يك غائب أبغض إليك من الموت، ولست تعجزه.

 

 

مراجع البحث

  • علي محمد الصلابي، الانشراح ورفع الضيق في سيرة أبي بكر الصديق.. شخصيته وعصره، دار ابن كثير، 1424هـ-2003م، ص413-409.
  • أبو جعفر الطبري، تاريخ الأمم والملوك، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ-1987م.
  • الذهبي، تاريخ الإسلام عهد الخلفاء الراشدين، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، 1407هـ-1987م.
  • مجدي حمدي، أبو بكر رجل الدولة، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى، 1415هـ-1994م.
  • عبد الرحمن الشجاع، دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة، دار الفكر المعاصر، الطبعة الأولى، 1419هـ-1999م.
  • عبد العزيز عبد الله الحميدي، التاريخ الإسلامي مواقف وعبر، دار الدعوة، الإسكندرية، دار الأندلس الخضراء، جدة، الطبعة الأولى، 1418هـ-1998م.