في استئناف انهيار عربي قديم

خريطة الوطن العربي
خريطة الوطن العربي (الجزيرة)

الإضاءة الوحيدة التي كان يمكن تلمس نورها في واقع عربي رديء، كانت مع اندلاع شعلة الثورات العربية، لتأسيس مستقبل يبدأ مع احترام الإنسان وحفظ كرامته وصون حريته، بعد عقود من الاستبداد والاحتلال والقهر والظلم والفقر والفساد، وانعدام الحريات الشخصية والعامة، طغيان أنظمة الحكم العربية في العقد الأخير، وقيادتها الثورات المضادة لإخماد هذه الشعلة على نحو مدمر وكارثي، يضعان الأجيال العربية في طريق مسدود، ويحدد بطريقة أو بأخرى مستقبلها الغامض والغارق بأزمات وانهيارات اجتماعية واقتصادية وأمنية وسياسية وثقافية.

مع كل دورة زمنية، يقيس فيها نظام الحكم في العالم العربي مخاطر الانهيار، ويضع سيناريوهات المواجهة لعديد المخاطر التي تواجهه تزداد الأعباء، وتتعمق ببيانات حقيقية بعيدة عن شعارات التفاؤل بالمستقبل، وبث روح الصمود والعزم وقرب الخلاص، فلا يلمس المواطن العربي سوى تعميق مكثف لأزماته، وكل السيناريوهات الموضوعة هي للحفاظ على وضعه الراهن بالطاعة العمياء للسلطة.

وهذا أمر غير ممكن في ظل انهيار جدران الرعب في أنظمة الاستبداد مع التطور التكنولوجي غير المسبوق، واعتماده على كشف زيف السلطة ونسف روايتها المتصلة بتحقيق التنمية والإنتاج والرفاه، والحفاظ على حياة البشر واحترام كرامتهم وحريتهم. وتسجيل كل ذلك في خانة " النصر" أو تحقيق "المطلوب" من خططها على صفحات وسائل إعلامها.

عربياً، يبدو أن كل شيء يشير إلى أسوأ البيانات التي بدورها تشير إلى ما تقرر في السنوات الـ10 الماضية، والتي حددت مصير مجتمعات عربية في العقد القادم من سوريا ومصر وليبيا إلى العراق والسودان واليمن ولبنان فالمغرب وتونس، من الحريات العامة إلى التنمية البشرية ومواكبة أحلام المستقبل التي ينتظرها العربي في دورة حياته دون أن تأتي، مما يعطي فكرة عن حجم المشكلات التي تنتظر مجتمعات أضاف الطغيان والاستبداد والفساد إليها كوارث جمة، أصبح من المستحيل معها تلبية حاجات المواطن الأولية في الإيواء و الغذاء والدواء والرعاية الصحية.

ومما يشجع على التشاؤم، التغيير الكبير في عقلية التعاطي مع فظائع بشار في دمشق والسيسي في القاهرة، وسرعة استعادة تلاحم الاستبداد العربي مع بعضه البعض، واستمرار النفاق الدولي بدوره في حماية هذه الحكومات، لإنشاء أنظمة قمعية مستدامة لتبادل الخدمات والمصالح المشتركة فيما بينها.

وربما قد تكون هذه السمة خاصة بالدكتاتوريات العربية، وتحديدا في نموذجها السوري الذي شكل فيها سلوك الأسد، ودور نظامه ووظيفته، المثال الأبشع في العصر العربي الحديث دون ضوابط أو موازيين أخلاقية وإنسانية للتصرف بوحشية منقطعة النظير في عصره.

ففي كثير من الأنظمة الدكتاتورية العربية يحظر على الإنسان الإدلاء برأيه في القضايا المحيطة به، ولا تهم حياة الإنسان، وكل الأسئلة التي أحاطت بالإحصاءات المرعبة في الحالة السورية على سبيل الحصر، والمصرية على سبيل المثال، وغيرها من تقارير الانتهاكات الجسيمة بحقوق الإنسان مع جرائم الحرب والإبادة، تبين بوضوح تام انعدام الثقة ببقية العالم المنافق لهذه الدكتاتوريات.

فإذا كانت قيمة الحياة في الديمقراطية وممارستها تتطلب قدراً عالياً من الشفافية لبناء مجتمعات حرة قادرة على مواجهة تحديات كثيرة، فإن العالم العربي مقبل على استئناف انهيارات لم ينفع معها أكثر من نصف قرن من شعارات تجميل الانهيار ومنع حدوثه، فما بالنا بما تأسس عليه مستقبل الغد العربي بجرائم الأمس واليوم.

اليوم، وبشكل عام، بمجرد أن يفكر المرء أنه انتقل لعام جديد، فإن فكرة بقاء طغاة ومستبدين تبادر إلى الذهن فوراً، مع ذلك فإن تشابه السنوات والزمن ينبغي ألا يجعلنا نغفل الفرق الواضح جداً بين ما كان من قلاع رعبٍ وخوف، وبين ما انفجر من شجاعة وجرأة في شوارع مدن عربية، والتمييز الصارم بين محاولات الإخضاع الكلي للإنسان العربي، وقدرته على إحداث شرخ عميق بينه وبين المستبد وشعاراته المبعثرة بحقائق الواقع.

في الزمن العربي القادم، تبقى فلسطين العنوان العريض للحرية المرتبطة بتحرر شعوب عربية من طغاة ومستبدين، والزجر بشعارها، مرتبط عضوياً بتوفير معاني الكرامة والمواطنة والحرية، ولمنع استئناف انهيارات قادمة، دونها يستكمل الانسان إحصاء دورة الزمن القاهر خلف لافتة "عام سعيد".