الردة السياسية

فض اعتصام في تونس وكالة الأناضول
فض اعتصام في تونس (وكالة الأناضول)

قد لا نتفق مع التكتلات السياسية ذات الطابع الديني ولا نتسع لأفكارها وأدبياتها وشعاراتها من حيث المبدأ، إلا أننا -من واجب العدالة الإنسانية- نحترم إرادة الشعوب حين توصلها إلى سدة الحكم، كما نتقبل خيار الأخيرة حين تقول لهذه التيارات: لا، وتمضي لإسقاطها بشكل منظم ومثالي يعكس وعيا سياسيا وثقافة ديمقراطية في عالمنا العربي أو غير العربي حتى، فالإيمان بأي برنامج أو قانون يعني بالضرورة تقبل آثاره ونتائجه بروح طيبة وسعة صدر.

ودفاعا عن الديمقراطية العربية الناشئة لا عن التيارات الإسلامية أقول: لرؤية نتيجة هذا الاستحقاق البائس يمكنك ببساطة النظر إلى واقعه العربي، فهي هناك عارية ولا شيء يسترها غير تلك الشعارات المزيفة التي يستدر بها منظروها عطف العالم أو أنهم يستغلون بها غباء الشعوب وعواطفها لإعطاء صورة مزيفة عن مستقبلهم الدنيء ولا تمت للواقع بصلة، إذ إن احترام الإرادة الشعبية هو أول نكتة ساخرة تُضحك العقلية السياسية وأول معجزة يمكن أن تحدث في عالمنا المظلم.

أعتقد أننا لن نجد بعد اليوم ما نتغنى به في هذا الشأن، أقصد الاستحقاق السياسي في صناعة القرار واختيار البشر من يمثلهم، فها هي الديمقراطية الحرة تودع عشها الأخير في المغرب العربي، ليتحول على إثرها الوطن إلى وكر أو ثكنة عسكرية ليس إلا.

والنظام التونسي الحالي يضعها اليوم على المحك، فهو -ممثلا بالرئيس- يصر على أن يكون نموذجا فريدا للردة السياسية بعد أن داس الإرادة الشعبية ونصّب نفسه وثنا بربطة عنق قانونية.

كان ينبغي على المكونات السياسية غير الإسلامية أن تقصي شريكها أو خصمها السياسي بطريقة دستورية منطقية احتراما لخيارات الشعوب التي أعطت الأخيرة شرعية دستورية بطريقة حضارية نزيهة، ذلك أن تقويض المسار الديمقراطي وإجهاض تلك التجربة الناشئة يزعزعان ثقة الشعوب بهذا الخيار والاستحقاق الحضاري.

إن التجارب اليمنية والمصرية والليبية وأخيرا التونسية ليست سوى "ردة دستورية" تعكس الطبيعة السيكولوجية للنظم العربية، فهي تنشد الحرية وتُنظِّر للعقيدة السياسية الشورية، ولكنها في الوقت نفسه تقتل الأمل فيها.

أليس من الرقي والواجب الأخلاقي احترام إرادة الشعوب أيا كان قرارها، ومن ثم نبذ سياسة الفرد الواحد المتسلط؟

هذا ما يؤمن به العقل والمنطق، فضلا عن فرضيته في الدستور وكافة القوانين السياسية، ناهيك عن تجارب الأمم من حولنا، والتي تعكس صورة نقية مشرقة عن احترام إرادة الشعب في كل تجربة انتخابية تخوضها، فيسقط الجمهوريون ويصعد الديمقراطيون، يرتقي اليمين ويُقصى اليسار، ويحدث العكس بكل سلاسة وبساطة ولا تنزلق تلك الشعوب الراقية إلى الفوضى والاحتراب السياسي.

لن نراهن بعد اليوم على تجارب الوطن العربي الديمقراطية، هذا إن لم تكن موضع نقد وسخرية واستهجان، فهي ليست أكثر من فقاعة وحدث روتيني صار بإمكان أي إنسان التنبؤ بنتائجه ومصيره، مما يجعل الشعوب في احتقان دائم على تلك السياسات غير الرشيدة في تشكيل ملامح المستقبل، كونها لا تكرس إلا لحياة أكثر استبدادا وكأن قدر الإنسان العربي أن يستجير من الرمضاء بالنار.

إن مشكلة شعوبنا العربية مع معظم الشعارات السياسية المنبثقة من الربيع العربي تتمثل في أن تلك الأوثان الجديدة تحاول الجمع بين صفتين متضادتين: الاستبداد والسياسة، وهذا طموح غير منطقي، لأن الاستبداد يعني النفوذ والسيطرة، وهذا يتطلب بالضرورة التجرد من القيم والمثل العليا التي يمثلها الوجه السياسي بطابعه الفلسفي، لأنك ببساطة تخوض معركة غير خاضعة لقوانين الأخلاق والفضيلة، الأمر الذي يضطرك للفوز بغض النظر عن دناءة الوسيلة، وهل تشفع لك الغاية الشريفة اتخاذ ما يتنافى معها أخلاقا؟

لقد صار من الغباء تصديق فكرة أن صعود الأنظمة الجديدة بطرقها الاستقوائية لهرم السلطة الأعلى سيجعل حياة الشعوب هانئة، فهذه أحلام وردية حمقاء، لأن المستبد السياسي نسخة من غيره وربما أكثر سوءا وفجورا.

إننا في بقعة الكهنوت هذه نعيش مسلوبي الإرادة الإنسانية في اختيار النظام الذي يمثلنا سياسيا، وهذا يعني أن خيار الاستسلام لن يكون أقل تكلفة من خيار النضال والكفاح، فأكثر الشعوب وعيا وتقدما واستقرارا هي تلك الشعوب التي تذهب إلى الحد من صلاحيات الحاكم، حتى لا يظل مصير الفرد والمجتمع قرارا فرديا بيده، ذلك أن وظيفة السلطة العليا وظيفة إدارية وتمثيلية للوطن خارجيا، أما التشريع فهو رؤية شعبية يضطلع بها ممثلو الشعب، وهذا جوهر الديمقراطية السياسية.