إثيوبيا.. من النزاع إلى تدخل الغرب ثم إلى الحسم العسكري فالحوار!

اعتبر الائتلاف الحاكم في إثيوبيا برئاسة جبهة تحرير شعب التيجراي أن أنسب النماذج السياسية لحكم بلاد واسعة ومتنوعة كأثيوبيا هو النموذج الفيدرالي.
وقف المعارك أحبط كل المساعي الخفية لتوسيع دائرة الحرب حتى تشمل أراضي أخرى خارج إثيوبيا مثل السودان (رويترز)

دخل الصراع المشتعل منذ أكثر من عام في إثيوبيا مفترقًا جديدًا عنوانه "الدبلوماسية"، وذلك بعد انسحاب "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" من إقليمي أمهرة وعفر (شمالي البلاد) قبل أسابيع، نتيجة هزيمة الجبهة في وجه القوات النظامية الإثيوبية وبعد تدخل "سلاح المسيّرات" الذي قالت وسائل أميركية إنه كان السبب المباشر لحسم المعركة، في حين أبدت قوى دولية أخرى رفضها هذا الاستنتاج ونسبت النصر إلى تماس الإثيوبيين ورئيس حكومتهم آبي أحمد.

سلاح المسيّرات دفع بالصراع أكثر صوب التدويل، وأظهر حجم الانقسام الدولي حول الأزمة في إثيوبيا؛ فمَن كنّا نعدّهم حلفاء بدوا منقسمين حول دعم الجبهة أو دعم السلطات الشرعية الإثيوبية: إسرائيل مثلًا وقفت مع رئيس الوزراء آبي أحمد بعكس حليفتها الولايات المتحدة وكذلك مصر التي كانت إلى جانب الجبهة ولو سرًّا، في حين أنّ الإمارات وإيران وحتى تركيا وروسيا، وحتى الصين، وقفت كلّها إلى جانب آبي أحمد أيضًا، معارضة التوجّه الأميركي-المصري.

صحيفة "نيويورك تايمز" (New York Times) الأميركية رأت أن النصر العسكري الذي حققته القوات الحكومية في إثيوبيا "كان مذهلًا"، ويعود فضله إلى كل من تركيا والإمارات وإيران نتيجة تزويد أديس أبابا بالطائرات المسيّرة.

الصحيفة قالت أيضًا إن دوافع مساعدة هذه الدول لإثيوبيا كانت متنوّعة، وحصرتها بـ3 أسباب هي: "كسب المال" نتيجة صفقات السلاح، أو "كسب النفوذ في هذه المنطقة الإستراتيجية"، وكذلك "دعم المنتصر في الصراع المتصاعد الذي اجتاح ثاني أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان".

بعد انتهاء المعارك وتراجع "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" عن الزحف صوب العاصمة الإثيوبية أديس أبابا ظهر التباين أيضًا بين أنقرة وواشنطن بشأن بيع المسيّرات القتالية التركية إلى إثيوبيا، إذ رأت واشنطن أن هذه المسيّرات تتعارض مع القيود الأميركية على صادرات الأسلحة إلى أديس أبابا.

الصين أبدت دعمها الكامل لرئيس الحكومة آبي أحمد، وقال وزير خارجيتها من العاصمة الإثيوبية إن "الصين تقف ضد أي محاولة للتدخل في الشؤون الإثيوبية الداخلية، لأن الإثيوبيين لديهم الحكمة في حل مشاكلهم وتحقيق الاستقرار في الأوضاع بأنفسهم".

أما روسيا فرأت أن التعاون بينها وبين إثيوبيا في المجال التقني والعسكري "محكوم باتفاق رسمي مع الحكومة ولا يحمل أي طابع مزعزع للاستقرار"،  كما رفضت وزارة الخارجية الروسية ربط تعاونها مع إثيوبيا بملف "سدّ النهضة" الذي يؤرّق مصر، داعية إلى "عدم تسييسه أو وضعه في موازاة التوتر القائم بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا".

هذا كله يقودنا إلى عدد من الخلاصات، أولها أنّ بلوغ الخلافات البينية الإثيوبية حافة الحرب المسلحة كان خطأ قاتلًا، وكان لا بد من بقاء الخلاف ضمن دائرة السياسة والحوار. كما أن ممارسات نصب الكمائن وذبح المدنيين التي افتعلتها "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2020 هي أعمال "إرهابية" غير مسبوقة تمارسها مجموعة من الدولة نفسها بحق إخوة في المواطنة، فضلا عن أن ما اقترفته "الجبهة يوضع في خانة الخيانة، وذلك لتعاملها مع قوى أجنبية من خارج الإطار الشرعي".
في هذا الصدد، ينفي الباحث الروسي المتخصص في الشؤون الأميركية أندرو كاروبكو أن يكون سلاح المسيّرات مَن قلَب مجرى الأحداث العسكرية، وذلك بعكس ما تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها القول. ويعزو السبب إلى "وطنية الشعب الإثيوبي وصلابة آبي أحمد في قيادة المعارك في الخطوط الأمامية".

ويرى كاروبكو أن "تآمر جبهة تيغراي مع جمهورية مصر العربية وحليفتها الولايات المتحدة الأميركية كان هدفه العودة إلى السلطة"، ولهذا وافقت الجبهة على الصفقة التي قضت بتحويل إثيوبيا إلى "بوسنة" جديدة في أفريقيا، متهمًا واشنطن بمساعدة الجبهة من خلال ضخّ معلومات مزيفة عن مزاعم "إبادة جماعية" كاذبة، كان هدفها إثارة المخاوف بشأن سلامة العاصمة أديس أبابا.
يضيف الباحث الأميركي أن الحرب ضد حكومة آبي أحمد كانت بمنزلة عقاب وذلك بسبب سياسته "المتوازنة"، وبسبب انفتاحه على الدول التي تحاول واشنطن مواجهتها في "حرب باردة" جديدة، لكنّ الشعب الإثيوبي "أثبت تمسّكه بوطنه وبوحدة الدولة في مواجهة المؤامرات القائمة على مبدأ: فرّق تسد، الذي تنفذه قوى إرهابية قبلية خائنة".

في المحصلة، يمكن القول إن وقف المعارك أحبط كلّ المساعي الخفية لتوسيع دائرة الحرب حتى تشمل أراضي أخرى خارج إثيوبيا، مثل السودان. وقد أظهرت الجالية الإثيوبية شجاعة منقطعة النظير في دعمها وحدة أراضي وطنها، من خلال التظاهرات التي نفّذتها في مكان انتشارها في العالم، وعززت من فرص تصحيح التصورات الدولية لهذا الصراع، فخضع الجميع لخيار "الدبلوماسية" والحوار اللذين يمثّلان أفضل الخيارات وأسلمها لحل أي مشكلة أو نزاع بين الأفراد أو الجماعات أو الدول.