جلاء الإمبراطورية.. ما عاد للبرابرة وجود

عقدان على أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي غيّرت خرائط العالم السياسية، وأعلنت بداية مرحلة صعبة ومقلقة من تاريخ العلاقات الدولية ومؤسساتها (الفرنسية)
عقدان على أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي غيّرت خرائط العالم السياسية، وأعلنت بداية مرحلة صعبة ومقلقة من تاريخ العلاقات الدولية ومؤسساتها (الفرنسية)

حملت صورة الجنرال كريس دوناهو -وهو يختتم عملية إجلاء القوات الأميركية والمتعاونين المحليين من الأراضي الأفغانية- لحظة تاريخية لدى شعوب العالم المناهضة للاستعمار، ليستعيد الغرب صور انتكاسة الاتحاد السوفياتي وهو يجر خيبات الهزيمة من المقاومة الأفغانية بانسحابه عام 1989، وليتذكر أيضا "الوجه الحقيقي" لتاريخ الولايات المتحدة الدموي في آسيا إبّان نضال الشعب الفيتنامي ضد آلة الغطرسة الإمبريالية وحلفائها الغربيين، حينما أعلنت أميركا في مارس/آذار 1973 مغادرة آخر جنودها الأراضي الفيتنامية، مخلّفة وراءها تركة مهولة من القتلى والمشردين.

برابرة الإمبراطورية.. بين الدعاية والحرب

عقدان على أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي غيّرت الخرائط السياسية للعالم، وأعلنت بداية مرحلة صعبة ومقلقة من تاريخ العلاقات الدولية ومؤسساتها. فبعد سقوط برجي التجارة العالمي، أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش الابن الحرب على ما سمّاه "الإرهاب"، معقبا بتصريحه الشهير من "ليس معنا فهو ضدنا"، لينحاز الغرب إلى جانب الولايات المتحدة في حملتها لضرب حركة طالبان، الحاكم الفعلي لأفغانستان آنذاك. كان العالم حينها يستلهم "الوجه المظلم" للحروب الصليبية التي لم يخف بوش الابن حنينه إليها، لتتجيش الآلة العسكرية والاستخباراتية لمهاجمة معقل أسامة بن لادن، المتهم الرئيس في أحداث سبتمبر/أيلول الدامية.

وعلى مدى 20 عاما من الحرب المتواصلة والرؤساء الأميركيين المتعاقبين، أسهمت الدعاية المغرضة للإعلام الغربي في رسم صورة أحادية "للعدو" مرتبطة بشكل عنيف بالإسلام، منتظرة خروج البرابرة الذين وعدتهم الإمبراطورية بالدمار والفناء. وقد أسهمت قناتي "سي إن إن" (CNN) و"بي بي سي" (BBC) في إظهار "الوجه الأبيض" للزيف الذي امتهنته "النيوكولونيالية" في نسخ صورة استشراقية للإسلام لصناعة أعداء محتملين، وليتحول الغزو الغربي إلى عملية "إنقاذ إنسانية" يقوم بها "أنبياء الديمقراطية" من العالم الليبرالي ضد البرابرة المتخفين بجبال الهندوكوش وطرق التجارة الأفغانية. لكن سرعان ما بدت عملية "التحرير" العسكرية تأخذ مناحي أكثر خطورة من القصف العشوائي للطائرات والمدافع، حيث أصبح تخليص الأفغان من البرقع واللحية شكلا من أشكال الاستهداف اليومي للتقاليد والأعراف الأفغانية من طرف الإعلام الغربي.

وفي رسمة شهيرة رسمتها آن تيليناس -عقب أحداث سبتمبر/أيلول 2001- وتم عرضها في الكونغرس، دعت تيليناس إلى تخليص النساء الأفغانيات من طالبان، وذلك بمقارنتها ملصقا شهيرا لامرأة أميركية عاملة تقوم بمساعدة جيش بلادها في الحرب العالمية الثانية، مع رسمة لعيني أفغانية يحيط بهما السّواد من كل جانب. لم تكن الكاريكاتورية الأميركية تحرص على حرية النّساء الأفغانيات بقدر ما كانت الرسمة ترويجا مخزيا وبائسا للفاشية الغربية في احتقارها للآخر، وهوسها بترويج أن التفجيرات التي قضى فيها آلاف المدنيين ما هي إلا نتاج موروث ثقافي وتاريخي (إسلامي)، وعليهم تجفيف منابعه الاجتماعية.

حملت الحرب تجاوزات مخيفة عجزت قيم الحضارة الغربية عن وقف نزيفها، لتغيب حقوق الإنسان مع ارتفاع أصوات القنابل المتفجرة والطائرات المسيرة، التي ألقاها الديمقراطيون على رؤوس المدنيين بأفغانستان والعراق واليمن. وإلى جانب التلفيقات السياسية التي قدمها القادة الغربيون، عملت وكالات إعلام دولية على بث خطابات الكراهية والتحريض ضد الأفغان وتاريخهم، باعتبارهم إرهابيين، متخلفين، برابرة مهددين للحضارة. ولعل ابتهاج صحيفة "التليغراف" ودعوة قرائها للاستبشار بغزو أفغانستان كان بمثابة انتكاسة أخلاقية للدور الإعلامي المنوط به تقصي الحقيقة وإظهارها، غير أنّ العمل على صناعة العدو والهوس بصراع الحضارات كان قد سيطر على الذهنية الغربية، وأفضى بها إلى التبعية المطلقة للإرادة الأميركية التي هددت الاستقرار العالمي بمغامراتها.

الغرب عاجز حتى عن التعامل مع أزماته الداخلية وآخرها حرب البوسنة والهرسك، ولأنّ تاريخه قائم على صناعة العدو وعمليات الإبادة الجماعية، فإنّه بات عاجزا عن تحقيق مكاسب أخلاقية لحل أيّ قضية إنسانية لتورطه بمجازر في أفريقيا وآسيا ودعمه المستميت "للأبارتايد" الصهيوني. ومثل قياداته السياسية، انجر الإعلام الغربي نحو تصفية "التركة الاستعمارية" لدوله مع العالم الإسلامي، ولم تكن للاعتراف بجرائمه التاريخية والحضارية تجاهها، بل للتمادي في البربرية الغربية المتوارية خلف وجه الإنسانية وقناع الديمقراطية.

الانفصام الحضاري.. والتركة النيوكولونيالية

ثمة مسألة في غاية الأهمية طرحت بعد استعادة طالبان السيطرة على أفغانستان، وهي أن عملية المقاومة مهما بدت عنيفة ومكلفة في سبيل استعادة الأرض والإنسان، إلا أنّها أثبتت مدى هشاشة الدعاية الغربية المغرضة وإغفالها للبرابرة الحقيقيين الذين يستحوذون على الاقتصاد العالمي، ففي سبيل نيل الحرية كان على المستعمَرين أن يناضلوا بالقوة والكلمة لإخراج المستعمِر من أرضهم، كما فعلت طالبان التي يعتبرها أولئك الذين انبروا لمناهضة الاستعمار في العالم "منظمة إرهابية" بناء على دوافع غير موضوعية ولا أخلاقية متناسين "التناقضات الأميركية" في عدم إدراج الحركة "جماعة إرهابية" إلا سنة 2002 حين أعلنت وزارة الخزانة الأميركية طالبان "كيانا إرهابيا"، ليمنح هذا التوصيف السياسيين مجالا للمناورة وفتح طرق دبلوماسية للتفاوض، ولعل الارتباطات الأيديولوجية حالت دون تحقيق رؤية شاملة للوضع الحقيقي بأفغانستان، إذ لا شيء يميز الاحتلال الأميركي لأفغانستان أو العراق عن احتلال الصهيونية للأراضي الفلسطينية.

وفي صدمة للعالم النيوليبرالي المتغني بالحرية والديمقراطية، والمتدخل في خصوصية المجتمعات الشرقية، يخرج مفوض الاتحاد الأوروبي "جوزيه بوريل" معبرا عن خيبة الأمل التي أصابت حلفاء أميركا إزاء القرار الأحادي المتخذ من جانبها، معلقا بقوله "ذهبنا جميعا إلى أفغانستان، لكن قرار الانسحاب اتخذ في واشنطن"، الأوروبيون الذين دعموا أميركا بعد الحرب العالمية الثانية في تدخلاتها الدولية وانساقوا خلف سياساتها الاستيطانية، بدوا كما لو أنّ غريمهم بالأمس (الاتحاد السوفياتي) ما زال يقبع خلف حدودهم الشرقية يدق أجراس الخوف.

لا يتوانى الغرب للحظة عن التسابق نحو البحث عن مراكز نفوذ ضمن الإستراتيجية الإمبريالية الأميركية، وكان بذلك يرسم ملامح إمبراطورية نيوكولونيالية موغلة في الهيمنة، غيب بموجبها مصالحه لصالح النخبة الاقتصادية. الأوروبيون -تتقدمهم فرنسا التي تعيش حالة من "الانفصام الحضاري" بسبب السياسات العنصرية واليمينية المتطرفة المستحوذة على قيم الجمهورية- أدركوا في نهاية نفق حروب أميركا العبثية أنّ خدعة إمبراطورية "العم سام" فضحتها استعدادها للتضحية بحلفائها في سبيل إرضاء النخبة المالية.

لقد تسببت عملية الإجلاء أحادية الجانب وهروب الرئيس الأفغاني أشرف غني في فوضى إدارية وأمنية، نجم عنها اضطرابات بشأن كيفية تعامل أوروبا مع الواقع المستجد والمتسارع، تمثل ذلك في تصريحات المفوض السّامي للخارجية الأوربية حين قال إن "سيطرة طالبان على أفغانستان ضربة شديدة للغرب". وقبل سقوط العاصمة كابل بأيام، أعلنت فرنسا شروطا للاعتراف بطالبان، وضمن تلك الشروط التي تبنّاها الأوروبيون احترام الحريات وحقوق النساء، واتخاذ الحركة موقفا واضحا ممن يعتبرهم الغرب منظمات إرهابية.

ولأنّ الغرب بين أمرين "افعل ولا تفعل" وفق سياساته الفوقية والعنصرية، لم يكن مستعدا لجرد عقدين من الحرب في أفغانستان توجهما بتدمير كل ما له علاقة بالحضارة والتاريخ والإنسان، وليجعل من جبال قندهار وتضاريس كابل متنفسا لغطرسة آلة القتل البربرية. لعقدين من الزمن، "نجح" الغرب في تمكين عملائه ضمن حكم شمولي إقصائي لم ينتج سوى الفساد والمزيد من الفقر والجوع، ولكنه فشل في أن ينزع البرقع الأفغاني عن حاضنته الاجتماعية والثقافية، ومن المفارقات التي تظهر مخاوف الغرب وعدم إدراكه لحقيقية العدالة الإنسانية للمستعمَرين، أنّه طوال إدارة الغرب لأفغانستان كان بإمكان النساء الأفغانية خلع برقعها والانتصار للديمقراطية الليبرالية، لكنّها آثرت مناهضة الفقر والجوع والمرض لفضح الزيف الأخلاقي للحملات الغربية "الهمجية".

وضمن التعبيرات المفاجئة عن سلوكيات الغرب الذي جعلته يفقد هيمنته على مناطق نفوذه، تتأتى لدى الأوروبيين أنفسهم قوانين تجرم التنوع والاختلاف مع الموطّنين، بل إنّ سياسات الغرب تجاه "الهجرة غير النظامية" ما زالت تسيطر عليها ذهنيات عنصرية وشعبوية، فرنسا بلد القيم الحضارية تتقدم بخطوات لمحاربة ما يسميه ساستها اليمينيون "الإسلام الراديكالي"، وهي تخيط للأوروبيين أمجاد السيطرة على تركة الإمبراطورية الأميركية بعد تخليها عن مستعمراتها. وبدل العمل على الاعتراف بقصور الغربيين في استيعاب المجتمعات المغايرة لهم، تزداد وطأة الصراع الداخلي في المجتمعات السياسية الغربية بين الأحزاب الموالية للتدخلات الخارجية والمناهضة لها، ليتأزم الوضع أكثر مع موجة النزوح الأخيرة للمترجمين الأفغان والدعوة إلى توطينهم.

تدق المفوضية السّامية جرس الإنذار لتحذير دولها، ليست تحذرهم من "عودة البرابرة"، أو من الانقسامات المخيفة داخل بنيتها الحضارية، أو من تعاملها بازدواجية مع ملفات الهجرة غير النظامية، أو من سياسات "إسرائيل" الاستيطانية بفلسطين، أو حتى من أطرافها بالمنطقة العربية، بل تحذرهم من "الاعتماد الكلي" على الولايات المتحدة الأميركية في إدارة الأزمات والصراعات الدولية. وعلى النقيض تماما، لا تأبه الإمبراطورية بالارتدادات التي سببتها عملية الإجلاء الكبرى على الحلفاء الغربيين، فما حركته الدوافع الأيديولوجية اللاأخلاقية نحو الحرب بحثا عن البرابرة، تقلّمه الأزمات الاقتصادية والضرورات التاريخية باستحالة استمرارية الاستعمار. فالمستقبل كفيل بخلع الأقنعة البيضاء التي يتوارى خلفها اللاوطنيون، فهل تغدو طالبان "برجوازية كومبرادورية" وريثة لاستعمار طاله الترويض الإمبريالي؟ وهل سيشهد العالم إجلاء عظيما للاحتلال الصهيوني من فلسطين؟



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة