أفغانستان طالبان بين التشكيل والتشكل..

هل كانت طالبان مستعدة لتسلّم زمام الأمور في أفغانستان؟ (مواقع التواصل الاجتماعي)
هل كانت طالبان مستعدة لتسلّم زمام الأمور في أفغانستان؟ (مواقع التواصل الاجتماعي)

حتى أكثر المتفائلين من قادة حركة طالبان لم يكن يتوقع سقوط كابل بيد الحركة بهذه السرعة، أعتى الخبراء الغربيين وعلى رأسهم الأميركيون وضعوا على أقل تقدير مدة 3 أشهر كي تسقط كابل، وعليه بنوا خططهم سواء في الجلاء أو ترتيب أوراقهم الداخلية وأوراق الحكومة التي جاءت على أنقاض أفغانستان طالبان الأولى، لكن في المقابل تطرح هذه التكهنات سؤالين كبيرين.

هل كانت طالبان مستعدة لتسلم زمام الأمور في أفغانستان؟ وهل كانت لديها خطة واضحة لتسيير الحياة اليومية فضلا عن الخطط المستقبلية لبلد يراد له أن يخرج من أزمة حرب ممتدة منذ ما يزيد على 40 عاما؟

في تصريحات قادة طالبان تجد رغبة غير عادية في تحول إستراتيجي لحركة تحررية مبنية على المقاومة بالسلاح إلى حركة تجاوزت المرحلة إلى ما بعد الحرب لبناء الاستقرار وبناء دولة حديثة تحكمها المؤسسات، لكن الأمر لا يزال مرهونا بوجود الكوادر الكفء لبناء هذه الدولة وإدارتها، لذا فلم يكن من المستغرب أن تطلق طالبان تطميناتها في كل اتجاه ليس فقط على المستوى الدولي والإقليمي في نطاق دول الجوار، بل على المستوى الداخلي في المؤسسات والدوائر الحكومية وما يسمى دولاب العمل الحكومي، وذلك لسابق معرفتهم بذواتهم وإمكاناتهم وهو ما يحمدون عليه.

 

تطمينات طالبان والحكومة المرتقبة

من دون مشاركة مسؤولين وقادة رفيعي المستوى من الحكومات السابقة، اتفق قادة طالبان مع زعماء أفغان آخرين على الأطر العامة لتشكيل حكومة جديدة، وقد نقلت شبكة بلومبيرغ الأميركية الإخبارية عن بلال كريمي، العضو في اللجنة الثقافية لحركة طالبان، قوله إن زعيم الحركة هبة الله آخوند زاده سيكون القائد الأعلى لأي مجلس للحكم في البلاد، على أن يكون الملا عبد الغني برادر مسؤول تسيير العمل اليومي للحكومة، أو بمعنى آخر أن يكون رئيسا للوزراء، على أن تتضمن الحكومة قيادات من الحركة وزعماء ممن وصفهم بذوي النفوذ. وفي مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" (BBC)، قال نائب رئيس المكتب السياسي لطالبان في قطر شير محمد عباس إن الحركة تحاول تشكيل حكومة تحظى بدعم محلي ودولي، غير أن عباس أكد أن الحكومة لن تشمل شخصيات كانت تتولى مناصب مثل حكام أو جنرالات أو مناصب رئيسية أخرى، خلال السنوات الـ20 الماضية، وذلك يعني أن أحلام عبد الله عبد الله وكرزاي قد تذهب أدراج الرياح، وهو ما يعني أيضا أن عناصر زعزعة قد تنبت مع الأشهر القادمة أو تنضم إلى بنجشير حيث معقل مناهضة الحركة.

لكن الأهم من تسمية الأسماء هو القيم التي ستقوم عليها الحكومة، والنظام السياسي بأكمله، فحسب تصريحات قادة طالبان المتواترة، فإن الحركة لن تتنازل عن تطبيق الشريعة الإسلامية، وهي التصريحات التي بموجبها تضمن الحركة تماسك هيكلها على مستوى القواعد والقيادة، وتحقق الهدف الحقيقي لحراكها نحو الإطاحة بالحكومة المنتخبة، وإلا فإن الأمر لا يعدو أن يكون نزاعا على السلطة وليس حربا مقدسة كما كانوا يروّجون، لا سيما أن التطور الكبير في فكر الحركة وانفتاحها على بعض القضايا كالمرأة والإعلام والأحزاب يثير قلق جناح لا يستهان به داخل الحركة، في ظل مزايدات قد لا تكون في محلها ولها أهداف تداخلها حظوظ النفس.

 

أفغانستان طالبان بين التشكيل والتشكل

كما أنهم علّمونا أن من حق المنتصر كتابة التاريخ، فإن من حقه أيضا أن يشكل الدولة، إذن فمن حق طالبان أن تشكل أفغانستان الجديدة، لكن ومع تشكيل الحركة لوطنها، يجب عليها أن تتشكل، وأكثر ما يثير المخاوف هو أن تشكل الحركة بدلا من أن تتشكل.

أعلنت طالبان قيام أول دولة إسلامية في القرن الـ21، أو ما سمتها إمارة إسلامية تقوم على تطبيق الشريعة، وليست دولة ثيوقراطية، كما يحاول البعض الاستقراء من خلال تصريح هنا أو هناك لأحد قادة الحركة، مشبهين أفغانستان الجديدة بإيران، لذا فإن شكل الدولة الجديدة يجب أن يوضع على مهل، لا سيما أن الإسلاميين فقراء في هذا الباب ويستندون إلى كتابات منذ ألف عام أو أكثر.

ولكن الإشكالية هي حالة التنازل التي عاشها الإسلاميون في العقود الماضية تحت تأثير نظرية العرق الأبيض، وطبعا لا يمكن أن ننكر أن تداعيات هزيمة الأمة وتفككها بعد الحرب العالمية الأولى ثم تشكيل العالم الجديد بعد الحرب العالمية الثانية لهما أبعد الأثر في حالة التراجع التي تعيشها، ولكن مع هبوب نسائم الربيع العربي، وخروج المارد الشعبي الرافض لوكلاء المحتل والباحث عن هويته التي غُرّبت بفعل الوكلاء، والانتصارات التي حققتها المقاومة في كل من فلسطين وأفغانستان ووضع المحتل في مكانه الحقيقي وإرسال رسالة مفادها أننا نستطيع، فإن حالة التدافع يجب أن تستمر ونرسم بأيدينا شكل الدولة التي نحلم بها في إطار هويتنا.

 

أزمة شرعية لا أزمة هوية

في دستور أفغانستان لعام 2004 الذي كتب على عين أميركا، كما دستور العراق، حاول المحتل من خلال وكلائه تهدئة مخاوف الإسلاميين ودحض مزاعمهم بأن المحتل ووكلاءه سيخرجون الناس من دين الله أفواجا، بأن زاوجوا بين الديمقراطية والإسلام، فالقارئ لدستور أفغانستان الموافق عليه من أكثر من 500 عضو من أعضاء البرلمان، والمصدق عليه من حامد كرازاي رئيس الدولة وقتئذ، يجد أن الدستور في فقرته الأولى أكد هوية الدولة وإيمانها العميق بقوله "إيمانًا راسخًا بالله العظيم، وبالتوكل على مشيئته الإلهية، والتمسك بالدين الإسلامي المقدس"، قبل أن ترسخ الازدواجية في ختامها "احترام ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، وهو ما يثبت هذه الازدواجية ويؤكد حالة المراوغة التي كانت متلبسة من كتبه حينئذ، مع ذلك يرى البعض أن الدستور في مجملة يؤكد، مرغما، الهوية الأفغانية النابعة من الدين الإسلامي، لذا فإن أزمة الهوية ليست معضلة لا في الدستور المكتوب، وإن تعدل، ولا عند الشعب، حتى بعد 20 سنة من محاولات التغريب.

الأزمة الحقيقية التي تواجهها الحركة المنتصرة التي تسعى لبناء دولتها الجديدة تكمن في الشرعية، والشرعية أنواع؛ منها الشرعية الوطنية، أي أن تكون السلطة وطنية وليست محتلة، وشرعية الحكم والقانون وهي أن يعترف بها قانونيا ودستوريا، وشرعية الإنجاز وهي أن تحقق تلك السلطة منجزات تستطيع بها أن تحافظ على مشروعيتها لدى المواطن، والشرعية الأخيرة هي الشرعية الدولية وهي أخطر أنواع الشرعية مع تحكم الدول الغربية سياسيا واقتصاديا وعسكريا بمفاصل العالم فتقصي من تمرد وتدني من يطيع، والطاعة هنا مبنية على قيم هم وضعوها للسيطرة من غير طائرات تقصف ولا جيوش تحتل؛ إنه النظام العالمي الجديد الذي يرعاه "المجتمع الدولي" والمجتمع الدولي في النهاية هو من وضع القواعد، وما عداه "كومبارس" صامت.

فهل ستكون طالبان "كومبارسا" صامتا تحت ضغط الاقتصاد وبناء الدولة والقروض الحتمية أو حتى الهبات التي ستأخذها الدولة تحت بند الإغاثة الإنسانية، حصان طروادة لاختراق المجتمعات؟ أم ستبحث لنفسها وبلادها عن أوراق لعب تكون أسبابا لها للقوة لتشكيل دولة يمكن الحذو حذوها ويتكرر النموذج، ليحدث ثورة تنعتق بها الأمة من نير العبودية للغرب ووكلائه؟

 

خطة الغرب لإسقاط الفكرة

لعل من الواجب في اتخاذ القرارات في الحياة اليومية وضع كل الاحتمالات، والتخطيط الجيد، والنظر بعين سمكة إلى موضع قدمك وتموضع الأخرين الفاعلين، فما بالنا بالسياسة وإدارة الدول؟

لقد كان تسهيل وصول الإسلام السياسي في الوطن العربي بعد الربيع العربي إلى سدّة الحكم فخًّا يراد به إسقاط المشروع، فمن المعلوم أن الإسلام السياسي في الوطن العربي والعالم الإسلامي رمى بالأساس إلى بعث الهوية الإسلامية في نفوس الأمة بعد عمليات التجريف والتغريب التي مورست خلال 100 عام الماضية، كما رمى إلى إعادة الوحدة الإسلامية بغض النظر عن الشكل الذي ستعود في إطاره، ومن ثم استعادة مقومات القوة للوقوف بثبات في مصاف الأمم الكبرى، لكنّ هذين الهدفين لا يمكن أن يقبلهما الغرب المستفيد من بقاء حالة الضعف تعصف بالأمة لاستغلالها وسرقة مقدراتها، ومن ثم فإن وصول الإسلام السياسي إلى سدة الحكم ونزع أدوات الحكم ووضع العصا في العجلة سيفقد أصحابه شرعية الإنجاز وبالنتيجة ستخرج الشعوب لإسقاطهم، وهو ما أخشاه على أفغانستان الجديدة، فمقومات الفرقة موجودة؛ تعدد عرقي، ونزاع على السلطة، ووضع اقتصادي صعب، وعناصر موالية للغرب كامنة سيتم تحريكها في الوقت المناسب، ومجتمع دولي يملك قدرات هائلة للإقصاء والتهميش والعزلة.

لذا، فالواجب على الحركة وهي تبني أفغانستان الجديدة ألا تأمن جانب من تصالحت معه، وألا تأمن جانب دول الجوار فعليها اللعب معها بحذر فلا إيران ولا الصين، أعداء أميركا، يمكن الركون إليهما، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن إهمالهما في لعبة التوازنات التي على طالبان إتقانها إن هي أرادت الاستمرار في البناء وصنع نموذج يحلم به كل مسلم يريد لوطنه ذلك الانعتاق.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة