المعتكف اليوسفي ورسالة الكلمة الشعرية

الشعراء بالعصر العباسي
لا تترك القصيدة العربية الارتباط بتجليات الكون من شمس وسماء وقمر ونجوم وجبال، لا سيما عند دواعي الانطلاقة والتحرر والتفسح النفسي (الجزيرة)

يسهم ذوو الطرح العام في تقديم رؤاهم، وإذا وصل الأمر إلى درجة دفع فاتورة المصابرة والسعي يطل الإبداع مؤازرا لهم، ولأن مآلات هذا النهج -كما اعتاده العديدون من ذوي الهم العربي والإسلامي- تمر عبر "المعتكف اليوسفي" على وفق تعبير الدكتور الخليل أنحوي، فإن رسالة الكلمة الشعرية لا تتوانى عن دورها وتعبّر بكل قوة:

وتحمل، فكل جـــــــــــــــــــذوة نــــــــــار

يصطلي حرهــــــــــــــــا دم بـــــــــــشري

***

مشعل لاهـــــــــــب، وشمعـــــــــــة درب

تتــــــــــأرّى وكــــــــــــوكــــــــــــب درِّي

لم يكن الترابط الوثيق بين البيتين إلا وجها آخر ربما لتماسك النفسية التي تشقّ بالمضحين والمصلحين غمار المطبات، لتصل بهم إلى الضفة الثانية لهذه النفسية وحينها تتبدل اللحظة مشهدا آخر عِماده:

وتبـــــاهي بك القصــــــــورَ سجـــــــــــون

كل سجــــــــــن بســـــــاكنيـــــــــــــه غني

إنه بناء على بناء، فبعد رفع المعنويات وتحويل المعاناة إلى طاقة وكوكب دري مضيء في دروب الحياة، تتأكد الحقيقة التي صنعتها معاني الإباء، فتغدو السجون أهنأ وأوطأ من القصور الفخمة، والمكان يستمد فخره وعزته من ساكنيه وكل سجن هو بقيمة ساكنيه.

ستطل النجــــــوم نحــــــــــــــــــــوك ترنو

في الديـــــــاجي كأنـــــــــــهن بـُـــــــــــكِي

لا تترك القصيدة العربية الارتباط بتجليات الكون من شمس وسماء وقمر ونجوم وجبال، لا سيما عند دواعي الانطلاقة والتحرر والتفسح النفسي واللجوء إلى الوجود العام بحثا عن سلوان وموئل لبث التوجع ونشدان اللجوء، هنا يتحدث القلب إلى النجوم وترنو إليه بعد انعدام المناصر بين الوهاد، ولأن الشعرية تأبى إلا أن تسكب الرقة ومشاعر الأدب بما تشاء، هنا ترنو النجوم وهنّ بكي شفقة على نزيل "المعتكف اليوسفي"، ولا يقف الأمر عند هذا الحيز، فلانعدام المسافات العلوية بين النجم ومناضل الهم العام تتم المسامرة، إذ الرفيع مجاور للرفيع:

فـــــــإذا أرقـــــــــــتـــــــك آلام جــــــــرح

كان في النجـــــــــــم ســــــــــــــامر ونجي

يبدّد النجم سدف الظلام، ويكافح قادة الرأي والهم الجمعي دجنّات الواقع، فيصبح هذا شبيها لهذا ونظيرا، فتواتي المسامرة، ويتناجى الاثنان المضطلعان بمهمة واحدة تجمعهما.

ولأن الكتابة الأدبية لا تقف عند الوصف فقط، وإنما تستخلص من ثَمر المَشاهد أيانعَ هي قراءات وخلاصات إنسانية وفكرية وحِكمية، يقابلنا مثل هذا البيت:

ومتى عـــــــــــانق الطمـــــــــــوح الأعالي

لم يعد في الحيـــــــــــاة ظـــــــــــرف قَسِي

ثم عودا على بدء، يتجدد التأكيد بشأن تلك الاستثنائية التي تخلع طبيعتها على المكان وترتقي بكل ما له صلة بالأبي الشريف:

الكهوف التي حلــــــــلتَ قصــــــــــــــــور

والقيـــــــــــــــــــود التي حمـــــــــلتَ حُلِي

ثم تجنح القصيدة للختام، ويتناسب مع دلائل الختام أن يكون لها طابع يشي بها، كما ينم بدء الهبوط التدريجي للطيران عن قرب الوصول، فيلفت النص إلى مثل هذه الحقائق:

ستمر الأيــــــــــــام إمـــــــــا سراعــــــــــا

أو بِطَـــــــــــاءً، فكـــــلهـــــــــــــــا مطوي

وِمن هذا المعنى العام، إلى المعنى الخاص المرتبط بالأمل الذي يعد رصيدا مهما لدى صاحب القضية والموقف:

ستعــــــود الظـــــــــلال فيئا ففيئـــــــــــــــا

ويغني في الدوحـــــــة القُمْـــــــــــــــــــري

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة