الشرق الأوسط الجديد الذي يرسمه بايدن

الرئيس الأميركي جو بايدن (الفرنسية)

"لا مزيد من الدول الفاشلة"، هكذا خطط الفريق المسؤول عن رسم خريطة سياسة بايدن في الشرق الأوسط، وهو ما يمكن قراءته بأن أهداف الرئيس الأميركي ستكون متواضعة لكنها في المقابل ستكون عملية، لذا يمكن بجلاء استشراف السياسة الحذرة والمنكمشة بعض الشيء التي بدأت تتشكل لإدارة بايدن، والمبنية على الحد من التدخل الأميركي المباشر في المنطقة، والتي ظهرت خلال الأشهر التسعة الماضية، على عكس إدارة ترامب التي جازفت في سياساتها تجاه إيران وأرسلت إشارات متضاربة بالتأكيد على الموقف العام لأميركا في المنطقة.

فمن الواضح أن بايدن أعطى خلال الأشهر الثمانية الماضية أولوية للداخل استجابة لواجب الوقت بالوقوف أمام تداعيات جائحة فيروس كورونا والأزمة الاقتصادية التي صاحبتها على المستويين الداخلي والعالمي وأدت إلى اشتداد الأزمة، مما يعني مزيدا من الالتفات لحل المشكلات الداخلية والتخفيف من الأعباء والتحديات الخارجية، لا سيما وأن الصين في السنوات الأربع من ولاية ترامب أخذت خطوات واسعة اقتصاديا وعسكريا تنبئ بالخطر.

هذه التحديات كلها دللت على أن بايدن يعيد تشكيل الشرق الأوسط بما يناسب هذه السياسة، وحتى الآن لا يرى ساكن البيت الأبيض في الشركاء التقليديين، سواء في الخليج أو شقيقتهم الكبيرة مصر، من يعتمد عليه في أن يوكل إليه المهمة، فالجميع موسومون بالدكتاتورية وخرق حقوق الإنسان، مما يعني إحراجه أمام ناخبيه، لكنهم في المقابل يمكن استخدامهم، لا سيما بعد أن قام سلفه بما يوفر أمنا طويل المدى لتل أبيب باتفاقات تطبيع لا يمكن إغفالها ويجب البناء عليها.

مواءمات أبو ظبي في ظل تحولات واشنطن

في ظل السياسة الأميركية المتراجعة من جهة، والموجهة تجاه الحد من خروقات حقوق الإنسان في العالم وعلى رأسها الشرق الأوسط من جهة أخرى، بدأت الإمارات تشكل سياسة جديدة أكثر تحفظا وانسحابا من التوترات التي انخرطت فيها أو ساهمت في إشعالها، أو دعمتها في الشرق الأوسط، فغيرت مسارها الموجه ضد تركيا وقطر والحكومة الشرعية في ليبيا والأحزاب الإسلامية في المنطقة، إلى سياسة الحوار والدعوة إلى تفاهمات قد تفضي إلى تسويات في المستقبل، وإن كان الحديث ينسحب بالأساس على تركيا، إلا أن الأحزاب الإسلامية قد تنال من كعكة الإمارات الطازجة إذا ثبتت طالبان خلال الأشهر القادمة، وحتى خطابها الحاث على مواجهة إيران تبدّل مع تبدل الأوضاع في واشنطن.

وتستفيد أبو ظبي من صفقتها الإبراهيمية مع الاحتلال الإسرائيلي، التي بموجبها استطاعت أن تسحب كلا من البحرين والسودان للتطبيع مع تل أبيب في مقابلٍ لم تقبض ثمنه إلى الآن لكنه مؤجل، بعد وصول بايدن، إذ إن الضامن لم يعد موجودا (ترامب)، وتبني أبو ظبي على الاتفاق الإبراهيمي تعاونا إقليميا مع دولة الاحتلال، وهو ما يحسب لها "براغماتيا"، إذ إن القراءة الأولى -كما أسلفنا- تقول إن بايدن لن يعول على أحد في الشرق الأوسط سوى تل أبيب، وهو ما يعني أن الناتو شرق الأوسطي الذي حلم به ترامب يمكن أن ينفذ مخططاته في ولاية بايدن، لذا فلا عجب من تصريحات المسؤولين الإماراتيين بأنهم يتوقعون أكثر من تريليون دولار في التجارة البينية مع دولة الاحتلال خلال العشر سنوات القادمة.

ولما كان راسمو السياسات الخارجية للإمارات قد قرؤوا أن إدارة بايدن تسعى لوقف الحروب التي لا نهاية لها، كما أنها ترى أن دولا فاشلة في الشرق الأوسط لم يعد لها مكان، لما يسببه ذلك من انخراط عالي التكاليف لواشنطن، فإن واشنطن تسعى لصفر مشاكل في المنطقة، وهو ما تحاول أبو ظبي إظهار ريادة فيه، ليكون لها دور في الشرق الأوسط الداخل إلى طور التشكيل، فانسحبت من الصراعات باهظة التكاليف في اليمن وليبيا بعد أن تركت السعودية وحيدة في الأولى وأدخلت شريكا أقرب ليتابع مساره وتحصيل ما يمكن تحصيله من الأزمة، لا سيما وأن الورقة التي يلعبان بها أثبتت فشلا ذريعا رغم الدعم المستمر، فالقاهرة باتت وحيدة هي الأخرى في ليبيا من دون الدعم الإماراتي لا المادي ولا العسكري.

كل ذلك لا يعني أن أبو ظبي خرجت خاسرة من انسحاباتها، بل على العكس فقد جمعت ما يكفيها وزيادة من هذه المغامرات بالمقارنة مع شركائها.

ويكفي لكي تقرأ شكل السياسة الإماراتية بعد وصول بايدن وظهور ملامح سياساته تجاه الشرق الأوسط، أن تتمعن في تصريحات وزير الدولة الإماراتي السابق للشؤون الخارجية، يقول أنور قرقاش: "إن نهج التصعيد أو المواجهة من شأنه أن يورطنا في صراعات طويلة الأمد". لذلك قررت الإمارات تغيير مسارها بالتركيز على التنمية الاقتصادية كمسار للأمن. كما أدرك قادة الإمارات أنهم يقتربون من "نهاية عصر النفط"، فإنه بات من المهم العمل على التنمية.

تحولات السعودية واللعب على الحبال

السعودية التي تشهد منذ سنوات تحولا يريد رسم صورة أكثر انفتاحا للمملكة، وتغيير صورتها النمطية، لم يشفع لها، فلا يزال ملف حقوق الإنسان المسكوت عنه في ولاية ترامب نقطة ضعف كبيرة تقف حجر عثرة في طريق تمهيد الطريق لحضانة بايدن، فالرياض التي اكتسبت ولا تزال نسبيا مكانتها العربية والإسلامية باحتضانها الحرمين الشريفين، لم تستطع الدخول في الصفقة الإبراهيمية، على الأقل بشكل علني، وإن أريد لها ذلك إلا أن المانع أكبر.

تجد السعودية نفسها وحيدة في حربها ضد جماعة صغيرة تؤرق مضجعها وتقوض اقتصادها وتزعزع أمنها بطائراتها المسيرة المنطلقة من اليمن، وإن كانت تعرف أن المخرج الحقيقي لفيلم الرعب الذي تعيشه هو إيران، فإن مواجهة مباشرة لا تراها في مصلحتها، وعليها الالتزام بقواعد اللعبة ومناوشة الصغير، حتى لا تدخل نفسها في حسابات معقدة لا يمكن التنبؤ بنتائجها، فالحليف الإماراتي أخذ ما يريد من اليمن وتركه، والحليف الأميركي التاريخي سحب بطارياته ليترك سماء المملكة عارية أمام مسيرات الحوثي.

يرى البعض أن ذلك هو مبرر شراء منظومة الدفاع الجوي للاحتلال الصهيوني، ومن ثم مبررا لتعاون عسكري قد تصدر له فتوى دينية تبيحه لحفظ ماء الوجه وإضفاء الشرعية عليه وإسكات الأصوات المحتملة التي يمكن أن تنطلق معترضة على تعاون عسكري بين خادم الحرمين الشريفين وأعداء المسلمين التاريخيين، وفي ظل الضغط الأميركي في ملف حقوق الإنسان فإن سياسة القمع لإسكات المعارضين قد لا تفلح هذه المرة وعلى الرياض أن تواجه مصيرها في هذا الملف.

تعديلات على قانون "إن دي إيه إيه" (NDAA) تجري الآن من قبل النائبة ألكساندريا كورتيز لمنع بيع الأسلحة للسعودية، في وقت تسارع فيه الإدارة الأميركية لإعادة إيران إلى حظيرة الاتفاق النووي وترويضها، بل إقناع السعودية بأنها قادرة على ذلك، وهو ما جعل الأخيرة ترضخ لمغامرات بايدن وإغراءات ماكرون وتحضر قمة بغداد بوزير الخارجية كشكل من أشكال الامتعاض والإذعان في الوقت نفسه، فالواقع يقول إن إيران باتت تحاصر السعودية بمليشياتها، وهو ما يجعلها إما تناور بورقة روسيا وإما تقبل علنا بما تقبله سرا وتتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي.

بينيت المحظوظ وموسم جني الثمار

وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيت محادثاته مع السيسي في شرم الشيخ المصرية بأنها جيدة ومهمة للغاية، وأضاف "لقد أنشأنا أساسا لعلاقة عميقة في المستقبل"، في المقابل أكد السيسي أن جيشه يعمل بالتعاون مع جيش الاحتلال في سيناء لمحاربة ما أسمهم العناصر المتطرفة والإرهابية، وإن كان هذا الاعتراف العلني يصدر من السيسي لأول مرة، إلا أنه كشف عنه بمعرفة القيادة في تل أبيب منذ سنوات.

لكن الشاهد من تصريحات رئيس وزراء الاحتلال ورأس النظام في مصر أن هناك ترتيبات على مستوى المنطقة تريد القاهرة أن يكون لها دور فيه ينافس الدور الإماراتي، مستفيدة من ورقة المقاومة والقضية الفلسطينية، والذي عززه اتصال بايدن بالسيسي إبان العدوان الإسرائيلي على غزة، وهو ما تراه القاهرة نجاحا كبيرا يضاف إلى دورها في شرق المتوسط وغازه المنتظر أن يتدفق شمالا إلى أوروبا، وشرقا إلى لبنان كقيمة مضافة أخرى للقاهرة في الشرق الوسط المنتظر.

ويبقى في الشرق الأوسط حجرا عثرة أمام مشروع إعادة تشكيل المنطقة، هما إيران "المارقة" والعصية على التطويع، وتركيا أردوغان التي تمنى المتحدث باسم وزارة خارجية الاحتلال الإسرائيلي ليئور هايات أن تنضم للاتفاقية الإبراهيمية، ففي مقابلة مع موقع "كاثيميريني" بمناسبة الذكرى الأولى لاتفاقيات بلاده الأولى مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب، سئل هايات: هل تعتقد أن الاتفاقات يمكن أن تكون نموذجا لتطبيع العلاقات مع دول أخرى غير عربية في المنطقة مثل تركيا؟

فأجاب: "الاتفاقات نموذج بلا شك. الطريقة التي نحققها بها، الطريقة التي نبني بها العلاقات.. إنه تغيير في النموذج في المنطقة، وسيؤثر على العمليات الأخرى أيضا".

ولأن تركيا دولة كبيرة ووازنة، فإن ترضيتها أمر صعب، ومساومتها بما يساوم به غيرها أصعب، ولعل الانفراجة التي تشهدها العلاقات التركية مع كل من الرياض وأبو ظبي والقاهرة محاولة لاستباق المنتظر وتسهيل الممكن، وإن كان ذلك الممكن يصعب تحقيقه في ظل أطماع الشركاء وتسابق كل منهم على زعامة المنطقة، التي ترى تركيا أنها أحق بها، ويبقى علينا أن ننتظر لقاء بايدن بأردوغان خلال أيام وما سيسفر عنه من نتائج على الأرض خلال الشهور التالية لقراءة خريطة الشرق الأوسط الجديد الذي يرسمه بايدن.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة