السودانيون والأحزاب.. "ما بريدك وما بحمل بلاك"!

اغلاق الطريق القومي بشرق السودان
إن جاءت الانقلابات العسكرية، رحب بها السودانيون، ثم لم يلبثوا أن يكتشفوا بؤس الاستبداد، فيغضبون، فيتجمع الغضب المكتوم، ثم تقع شرارة ما تفجر الأوضاع، تكرر هذا 3 مرات (الجزيرة)

هناك مثل سوداني عندما لا تكون العلاقة ودا كاملا، فحينما يكون الود اضطراريا يقولون: "ما بريدك وما بحمل بلاك!"

وهذا المثل يعني، لا أحبك ولا أحتمل الحال بدونك. وأعتقد أن هذا المثل أبلغ ما توصف به العلاقة بين السودانيين ونخبتهم السياسية؛ فإن جاءت الانقلابات العسكرية، رحب بها السودانيون، ثم لم يلبثوا أن يكتشفوا بؤس الاستبداد، فيغضبون. فيتجمع الغضب المكتوم، ثم تقع شرارة ما تفجر الأوضاع، تكرر هذا 3 مرات؛ فقد هتف السودانيون للنميري قائلين: العذاب ولا الأحزاب، ثم ثاروا عليه بعد 16 سنة، ثم انتخبوا الأحزاب ذاتها التي ثاروا عليها.

لكنهم قوم يتعجلون

وعلة اضطراب الصلة بين الأحزاب والشعب في السودان، منشؤها ازدواجية بنية الأحزاب التقليدية بين قيادة وأتباع تقليديين وطبقة من الخريجين، وقاد هذا لانشقاقات في بنية "الاتحادي" مرارا، بين السيد علي الميرغني وإسماعيل الأزهري والشيخ علي عبد الرحمن. وقاد في حزب الأمة إلى صراع محمد أحمد محجوب مع الصادق المهدي.

كما عزز هذا الإشكال غياب البرامج الاقتصادية والسياسية الواضحة، فعدا عبارات وطنية صاغها حسين الهندي، سميت "مبادئ الهندي" وخطاب "الرايات السبع" للصادق المهدي، لم تكد توجد محاولات جادة لإيجاد خطاب أيديولوجي يترجم لبرامج سياسية واقتصادية واضحة؛ إذ لم تكن نخب الخريجين ذاتها إلا طيفا واسعا تحت رعاية تقليدية. فعبد الله خليل والمحجوب والأزهري ليبراليو التوجه ميالون إلى الغرب عروبيون. وفي حين كان السيدان علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي زعماء تقليديين دينيين، كانت "الإسلامية العقلانية" هوية علي عبد الرحمن والصادق المهدي مثلا. أما الإخوان، فقد انقسموا للإخوان التقليديين وجماعة الميثاق مع الترابي الذي غدا طائرا مغردا خارج السرب، مثيرا للجدل في فتاوى ثبت أن له فيها سلفا.

أما وفاء هذه الأحزاب ذاتها للديمقراطية، فليس أقل من صبر السودانيين عليها، فحزب الأمة حفز على الانقلاب الناجح الأول عام 1958. والشيوعيون قادوا الانقلاب الناجح الثاني عام 1969، وانقلبوا على النميري في انقلاب فاشل دفعوا ثمنه غاليا، وأما الإسلاميون، فشأنهم ما قد رأى الناس، كعطر منشم.

وداخليا، فإن وفاء الأحزاب للديمقراطية كان شيئا عجبا؛ فإذا ضج السودانيون من حكم البشير لـ30 حولا، فما قولكم في أحزاب سياسية يترأسها رئيسها لما يقرب من نصف قرن بغير انتخابات، بل وفي أحسن الظروف، ينزل للانتخابات بلا منافس؟

وإذا كانت الديمقراطية مفرزة للتشاكس بطبيعتها، إلا أن غياب الأولوية الوطنية كان مفضيا لتحطيم كثير من المنجزات، أو تعطيلها، خاصة ما شهدته الديمقراطية الثالثة من تعطيل الترابي لاتفاقية الميرغني-قرنق، ومناكفات عطلت حكومة الصادق المهدي، فثمة فرق بين الخلاف الحزبي، وبين الطمع في السلطة، وبين تحطيم بنية الوطن.

والسودانيون يحبون الزعيم القائد الكاريزمي لكونهم مجتمعا قبليا يؤمن بشيخ القبيلة ذي العقل والبيان، ولكنهم في الوقت ذاته، أقل الناس صبرا على ذي البيان بلا عمل؛ لذا لطالما ضجوا من كثرة خطب الأحزاب السياسية إبان الديمقراطيات، وضجوا من حكم العسكر إذا طال أمده، واستبد الزعيم برأيه. ناهيك عن أن السودانيين في الأصل صعبو القياد، وما ذاك إلا لنفرتهم من الظالم أصلا، ومن مقيد حريتهم تبعا، لعلل في تاريخ السودان وعربه وجغرافيته أيضا.

رغم كل شيء، لا أظن انقلابا عسكريا سيكون مقبولا مجددا، ولكن نحتاج ديمقراطية فاعلة وقوية وواضحة البرنامج.

ويبقى سؤال صبر الشعب على الديمقراطية، وإيمانهم بها وسيلة للحكم، أمرا آخر يحتاج إلى بصيرة ووعي، كي يخرج المجتمع السوداني من الدوامة الجهنمية، ويوقظ ذاكرته التاريخية ويتعلم منها.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة