"صحتك النفسية بالدنيا"

ميدان - الصحة النفسية
من أسباب تدهور المجتمعات العربية الظن بأن قوة الإنسان تكمن في قدرة تحمله، وكبته مشاعره وحزنه (مواقع التواصل الاجتماعي)

اذهب إلى مختص نفسي

هكذا قلت لأحدهم ظنًا مني أن الأمر عادي إلى أن نظر إليّ بعصبية قائلا: "هل تظن أنني مجنون؟!".

بعد هذه الجملة أدركت أن الأمر أكبر مما تصورته وأنا في بداية مشواري المهني.

لكن يا ترى لِما كل هذا الخوف من زيارة المختص النفسي؟ ما أسباب ذلك؟

 

أسباب الخوف من زيارة المختص النفسي

  • اعتبار المرض النفسي شيئا ثانويًا: إن من أهم الأسباب اعتبار المرض النفسي أمرًا ثانويا ليس بأهمية المرض العضوي، أو حصر المرض النفسي في العقل فقط، وهذا ما يعتبره الغالبية منطقة محرمة ممنوعا التشكيك في كفاءتها.
  • الخوف المجتمعي: وأيضا الخوف من فقدان المكانة الاجتماعية، أو بالأحرى القبول الاجتماعي في بيئة الفرد، فلا أحد يحبذ شعور النبذ والاستغراب.
  • التشويه الإعلامي: فللإعلام الدور البارز في تشويه صورة علم النفس عمومًا بتقديم المختص النفسي بهيئة غير سوية، من شدة تعامله مع المرضى الذين بدورهم يصورونهم بطريقة بعيدة كل البعد عن الحقيقة النفسية والعلمية، على عكس بعض الأفلام العالمية التي عالجت عدة قضايا وتطرقت للعديد من الأمراض النفسية من عدة زوايا.
  • الخلط بين الأمراض العضوية والنفسية: كما أن مجتمعاتنا العربية تخلط كثيرًا بين المرض النفسي والأعراض الروحية من حسد وسحر وعين وغيرها، حيث تسيطر هذه الأخيرة على حيز عظيم من الاهتمام إن لم نقل التقديس، حيث نجد مثلا شخصًا يحس بالضيق أو التوتر، فيرجع السبب إلى أن يقول هذه عين فلان، أو أني التقيت صباحًا بِعِلان، متناسيا أنّه ممكن أن يكون غضبًا أو قلقًا أو خوفًا أو تفكيرًا زائدا، المهم أنه يبحث عن أي سبب بعيدًا عن الاعتراف بالحالة النفسية.

بارقة أمل

لا أنكر أنه بعد عشر سنوات من العمل في الاستشارات النفسية، لاحظت أن الثقافة النفسية بدأت بالانتشار نوعًا ما، حيث ارتفعت نسبة اللجوء للمختص النفسي، خاصة من طرف أولياء الأمور لتعدد مشاكل أبنائهم، إضافة إلى ارتفاع نسبة القلق الذي يعتبر مرض العصر، نتيجة تسارع نمط الحياة، حيث أصبحت مساحة للمنافسة بين الناس مما يزيد من التوتر والاكتئاب وغيرها، وتبقى الكثير من العوامل في التخوف من المرض النفسي.

لكن يا تُرى ما الجانب الآخر أو الحقيقي الذي لا يعلمه الناس عن كل ما يتعلق بالنفس؟

دعونا نتفق على أن الشخص السليم هو من يصح جانبه الجسدي والنفسي، وهذا تعريف منظمة الصحة العالمية، وكما سبق أن ذكرت بتغير نمط الحياة، فإن نفسية الإنسان أضحت مهمة لسيرورة الحياة.

وبحكم أني ممن يسعون لنشر الثقافة النفسية، دعني أخبرك عزيزي القارء بمدى أهمية اللجوء للاستشارة النفسية.

أهمية اللجوء للاستشارة النفسية

  • اختلاف المرض النفسي عن العضوي: المرض النفسي يختلف عن المرض العقلي، فعادة الناس يخشون الأدوية النفسية، وهذا يحتاج لمقالة مفصلة.
  • موضوعية المعالج النفسي: المختص شخص موضوعي لا يعرفك، وهو مؤَتمن على أسرارك بأن يتقبلك كيفما كنت، وتحت أي ظرف، وبالتالي لن يساعدك من باب العاطفة أو الشفقة، بمعنى لا يصدر أحكامًا عليك أو فتاوى، بل مهمته التقبل، وهذه غالبًا لا نجدها بسهولة عند المقربين.
  • تأهيل المعالج النفسي: المعالج النفسي هو شخص مؤهل بوسائل ومعلومات وخبرة، فغالب الناس يستشيرون أشخاصًا من معارفهم خاصة في المشاكل الأسرية التي تزيدها النصائح التقليدية تعقيدا.
  • الاستشارة المبكرة حماية: الاستشارة النفسية المبكرة تحميك من تفاقم الاضطراب، مثلاً في حالة الصدمة النفسية نتيجة حادث، أو فقدان عزيز، كلما كان التدخل مبكرًا تفادينا لتطورات سلبية تؤثر على استمتاع الشخص بحياته.
  • الثقافة النفسية: الثقافة النفسية المبكرة لها جانب وقائي مهم، حيث نتعلم من خلالها فهم ذواتنا، وكيفية التعامل مع تغير المشاعر، إضافة إلى تنمية أفكارنا وفهمنا لحياتنا بصفة عامة.
  • تنوع مجالات الاستشارات النفسية: هناك تخصصات عدة في الاستشارات النفسية منها تربوية وأسرية وعيادية، والكثير من المجالات.

ختامًا

إن من أسباب تدهورنا نحن المجتمعات العربية هو الظن أن قوة الإنسان تكمن في قدرة تحمله، وكبته مشاعره وحزنه، مما ساعد في انتشار الهشاشة النفسية، والفرد الهش لا يستمتع بحياته ولا ينجز، لذا فإن نشر الثقافة النفسية يبدأ من الاعتراف بوجود جانب نفسي للفرد لا يقل أهمية عن الجسد حتى تندثر نظرة العار التي تلاحق المرض النفسي.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة