طالبان والحفاظ على مكتسبات الجهاد

تحولت المكونات الإثنية بأفغانستان من حرب تحرير إلى الحفاظ على مكتسباتها (مواقع التواصل)

فرضت ولاية بنجشير اسم أحمد شاه مسعود على قائمة الأبطال القوميين لأفغانستان، ولم يكن ذلك اعتمادا على رافعة أجنبية أو غربية، وإنما لحنكته العسكرية والسياسية في مواجهة الاجتياح السوفياتي للبلاد حقبة ثمانينيات القرن الماضي.

ورغم احتفاء الصحافة الغربية بالمجاهدين الأفغان وبلائهم الكبير في إنهاك القوات السوفياتية، فإن مسعود لم يكن نجما عند الغرب، حتى أن تقريرا فرنسيا صدر منتصف التسعينيات صنف مسعود من بين الشخصيات الأكثر دموية بالقرن العشرين إلى جانب موسيليني وهتلر، وتزامن ذلك مع بوادر استدارة الغرب ظهره لأفغانستان، وقد استنفد الجهاد الأفغاني دوره من وجهة نظر الغرب بإنهاك الاتحاد السوفياتي الذي كان يقود حلف وارسو.

أما على المستوى الداخلي الأفغاني، فقد عزز الجهاد والتضحيات الجسام مكانة كل مكوِّن عرقي من التركيبة السكانية الأفغانية، وخلف انسحاب القوات السوفياتية في فبراير/شباط 1989 واقعا جديدا، تمثل في اعتزاز كل عرقية بدورها في الجهاد وسعيها للبناء عليه في مستقبل أفغانستان الجديد، ولعل ذلك يكون أحد أبرز نتائج هزيمة السوفيات بأيدي الأفغان على المستوى المحلي، وهو الذي أوصل برهان الدين رباني إلى سدة الحكم ليكون أول رئيس غير بشتوني يعتلي منصب الرئاسة منذ عام 1504.

لقد تحولت المكونات الإثنية في أفغانستان من حرب تحرير إلى الحفاظ على مكتسباتها، فالأفغان البشتون الذين يشعرون أنهم الأكثر تضحية واستبسالا في الدفاع عن البلاد، والذين حافظوا على دور سيادي وسياسي على مدى 500 عام ليس بإمكانهم التخلي عنه، وهم من أطلقوا اسم البلاد (أفغانستان) نسبة لهم، وكان واضحا رفض عرقيات أخرى العودة إلى واقع ما قبل الجهاد، فلم يعد يقبل الطاجيك، المعروفون بأنهم الشريحة الأكثر تعليما في البلاد، بأن يعودوا مجرد موظفين في إدارات الدولة، ولا أحد يمكنه المزايدة على دورهم في التحرير وتلقينهم السوفيات درسا تاريخيا.

أما الأوزبك فلم يرغبوا بالعودة إلى الحقول الزراعية والعمالة الشاقة التي عرفوا بها قبل التدخل السوفياتي، وقادهم زعيم الحرب عبد الرشيد دستم في حروب متتالية على مدى 40 عاما، وتكيف مع كل مرحلة بفرض مكانة عرقيته بالقوة، ووجد الهزارة (الشيعة) وسط هذا التنافس فرصة ليصبحوا رقما صعبا في المعادلة الأفغانية، ووظفوا لدى المجتمع الدولي ما يعتبرونه مظلومية تاريخية، ونقلهم هذا التوظيف من دور هامشي إلى لعب دور أساسي في السياسة، والطموح في إعادة صياغة النظام السياسي والإداري بما يحقق أهداف هذه الأقلية الطائفية.

انهيار القيم

نسف التدخل العسكري الأميركي عام 2001 حكم طالبان ومعه كل مكتسبات الجهاد الأفغاني ضد السوفيات، فمنظمات تحالُف الشمال، المعروف بشواري نظار، التي استبسلت في مواجهة السوفيات ومن بعدهم طالبان، اتخذت قرارا بالانسياق مع موجة التدخل العسكري الأميركي، باعتبار أن الاجتياح الأميركي تحصيل حاصل لا يمكن دفعه، مخالفة بذلك مواقف قائد التحالف أحمد شاه مسعود الذي قتل قبل أحداث 11 سبتمبر/أيلول بيومين فقط، والذي اشتهر عنه القول "لم نُخرج القوات السوفياتية لنستبدلها بقوات أميركية" ورفض أي تدخل عسكري أجنبي لمساعدته على الإطاحة بعدوه اللدود المتمثل في نظام طالبان.

وأعادت الولايات المتحدة ترتيب أولويات أفغانستان بعيدا عن طموح ومكتسبات كل عرقية، أو أهداف المنظمات الجهادية، وقد لخصت أحزاب المجاهدين أهدافها من الجهاد ضد السوفيات بتحرير البلاد من القوات السوفياتية، وإقامة نظام حكم إسلامي يسع الجميع، فتحقق الهدف الأول وفشل الثاني.

بل إن المكتسبات العرقية انهارت أمام محاولة بناء دولة تتماشى مع المعايير الغربية، عنوانها الأبرز أن الشرعية تأتي من صندوق الاقتراع، لكن الصندوق كان فاسدا أحيانا ومعطلا أحيانا أخرى بسبب تردي الوضع الأمني، فأنتجت الديمقراطية الغربية نظاما لا يخدم أيا من المكونات الأفغانية، ولم يعد إلا دعاية "بروباغاندا" تكون فيه صورة إلقاء ورقة في صندوق اقتراع خدمة للقوات التي تدعي أمام شعوبها أنها جاءت إلى أفغانستان من أجل قيم الحرية والديمقراطية.

البطولة والمكتسبات

ما أن استعادت حركة طالبان سيطرتها على مقاليد الأمور في العاصمة كابل حتى ظهر الحديث عن المكتسبات التاريخية، وهي المكتسبات التي تحققت بالتضحيات والكفاح المسلح، وأسقط منها فترة التدخل الأميركي الأطلسي، فلم تعد نتيجة صندوق الاقتراع مكسبا يعول عليه لكسب الشرعية، وعاد اسم أحمد شاه مسعود ليسطع من جديد باعتباره رمز الجهاد والمقاومة، ويقصد بالجهاد القتال ضد الاجتياح السوفياتي والمقاومة بالقتال ضد طالبان.

وعلى غرار الرئيس الأسبق برهان الدين رباني، تمسك أمر الله صالح نائب الرئيس في النظام المنهار بالشرعية، وذلك بعد أن نفض يده من رئيسه أشرف غني الذي فر من البلاد متعظا بما حدث لنجيب الله الرئيس الذي خلّفه السوفيات بعد رحيلهم، وأعفى الأميركيين بخروجه من مقارنة مصير حلفاء الغزاة سواء أكانوا من السوفيات أو الأميركان.

صنعت أفغانستان رموزها التاريخيين من خلال انتصارات عسكرية على مدى نحو 500 عام، بداية من أحمد شاه أبدلي الذي أسس أفغانستان الحديثة، وانتهاء بقادة المجاهدين، بينما قادة طالبان يسطرون تاريخهم الذي لم يكتمل بعد، وإذا ما تعاملوا مع إرث "أسد بنجشير" (أحمد شاه مسعود) بالطريقة التي تليق به فإنه سيكون رافعة لدى السلطات الجديدة في كابل، وتتفادى برمزية جهاده ضد السوفيات صراعا عرقيا ارتفعت وتيرته في ظل الوجود الأميركي الغربي على أفغانستان.

أما الإخفاق في احتواء فئات وأطياف المجتمع الأفغاني فقد يعني أن يتحول نجل مسعود، ومن معه ممن يخافون على مستقبلهم، إلى حصان طروادة بيد من يتآمرون لإبقاء أفغانستان بلا استقرار ولا هوية أو بوصلة، ويمكنهم ذلك من الاستفادة من موقعها لتصفية حسابات دول لا علاقة للشعب الأفغاني بها، ومطلوب منه الاستمرار في دفع ثمن حساباتهم.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة