طالبان.. 14 معلما إسلاميا لبناء الدولة الحديثة

وصول طالبان إلى السلطة في أفغانستان (الجزيرة)

هذه 14 معلما من المعالم الأساسية لبناء الدولة الحديثة من وجهة نظر إسلامية، على شكل متوالية من التغريدات، بمناسبة وصول طالبان إلى السلطة في أفغانستان.

المعلم الأول: مراعاة أولويات بناء الدول وعمارتها، فهناك أوليات سياسية، اقتصادية اجتماعية لبناء الدول وتأسيسها، وقد جاء الإسلام بمعالمها الرئيسية وكلياتها ومقاصدها الكبرى من فضل الله تبارك وتعالى قبل أكثر من 1400 سنة، واختصارها في حديث عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه.

ونص الحديث: لمَّا قدمَ النَّبيُّ ﷺ المدينةَ، انجَفلَ النَّاسُ قبلَهُ، وقيلَ: قد قدمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ، ثلاثًا، فَجِئْتُ في النَّاسِ، لأنظرَ، فلمَّا تبيَّنتُ وجهَهُ، عرفتُ أنَّ وجهَهُ ليسَ بوَجهِ كذَّابٍ، فَكانَ أوَّلُ شيءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ، أن قالَ: يا أيُّها النَّاسُ أفشوا السَّلامَ، وأطعِموا الطَّعامَ، وصِلوا الأرحامَ، وصلُّوا باللَّيلِ، والنَّاسُ نيامٌ، تدخلوا الجنَّةَ بسَلامٍ.

والحديث يخاطب الناس جميعا، أيها الناس، وهذا يعني أنه يراعي وجود غير مسلمين في الدولة، فيبعث لهم "رسائل تطمين" على أرواحهم وأعراضهم وممتلكاتهم، كما أنه يؤكد لهم أن حكومة الدولة تشمل الجميع، وهم جزء من رعايا الدولة كذلك.

المعلم الثاني: الأمن العام رأس هذه الأوليات: سواء كان الأمن الداخلي، أو الخارجي، والداخلي هو الأهم في البداية، فانعدام الأمن لا تقوم معه دولة، ولا يكون معه نهوض، ولا بد أن يكون الأمن مسؤولية الفرد والمواطن قبل أن يكون مسؤولية الدولة "أفشوا السلام" والخطاب للجميع.

المعلم الثالث: الأمن الاقتصادي هو الركيزة الثانية، وأهم جوانب الأمن الاقتصادي، الأمن الغذائي "أطعموا الطعام" وركن الاقتصاد الركين هو دوران المال فيما يفيد، وكلما دار المال، تحرك الناس للعمل، وتحركت عجلة الاقتصاد، وكلما كثرت النفقة في سبيل الله على وجه الخصوص زادت بركة المال.

ولذلك كانت الزكاة وما يتبعها من أنواع الصدقة، والوقف، من أهم أركان النظام الاقتصادي في الإسلام، وقد قال الله جل وعلا "مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" وكل يوم تدعو الملائكة لمن ينفق في سبيل الله بالبركة.

المعلم الرابع: تحقيق الأمن الاجتماعي، وركنه الركين "وصِلوا الأرحام" فهي العامل الرئيس في بناء اللحمة الاجتماعية للدولة، من خلال تكوين شبكات اجتماعية، لا سيما في مجتمع قبلي مثل أفغانستان.

وهذه الشبكات الاجتماعية تكون حصنا قويا ضد الجريمة والفقر، وهي من أفضل وسائل التعاون على بناء مشروعات اقتصادية، واجتماعية تخفف الأعباء المالية، والإدارية على الدولة المركزية، بل وتشرك الجميع في الحكم، بل هي صورة مصغرة لما يسمى "النظام الفدرالي".

وصلة الرحم من أهم عوامل الصحة النفسية، فالأمراض النفسية تعد من أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات الآن، ولذلك فإن صلة الرحم تزيد في العمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثبت العلم الحديث أن جودة وسعة دائرة الأصدقاء والمقربين لها أكبر الأثر على صحة الإنسان.

وصلة الرحم هي الحاضنة التربوية الأولى للجيل الناشئ الذي يواجه أكبر التحديات، ولذلك فإن رعاية الشباب من أكبر تحديات الدول، وصلاحهم صلاح الدولة، وفسادهم فساد الدولة.

المعلم الخامس: الأمن الروحي، من خلال التركيز على علاقة السر مع الله جل وعلا قبل علاقة العلانية "وصلوا بالليل والناس نيام" والحذر كل الحذر من التركيز على المظهر قبل المخبر، لا سيما في ما يتعلق باللباس والهيئة، والناس ليسوا سواسية.

المعلم السادس: العدل أساس الحكم، وما تقدم وسائل تحقيقه، قال الله جل وعلا "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، وقال جل شأنه "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ".

المعلم السابع: الفوز بالجنة هو أسمى مقاصد الدولة مع رعيتها، لكن ذلك لا يتأتى إلا بعد أن تكفل لهم الأمن والعدل، كما أنه أقرب إلى الاختيار منه إلى الإجبار، وأكبر دليل على ذلك اعتراف الإسلام بحقوق أهل الذمة.

هذه كليات الإسلام ومقاصده في بناء الدولة على وجه العموم، وإذا أردنا مزيدا من التفصيل فإنّ أهم المحاور التي ينبني عليها نجاح الدولة بعد الأمن، ما يلي: السياسة، الاقتصاد، القانون، الإعلام، التعليم، الإدارة، وليس ذلك مقصورا على وجود القوة العسكرية، فمرحلة التعمير غير مرحلة التحرير.

وفيها إشارة إلى أهم أسس النظام الأخلاقي: الأمن، العلاقة الحسنة مع الآخرين بصرف النظر عن دينهم، بذل المعروف. وهي عين تعريف ابن المبارك للخلق الحسن: بسط الوجه، كف الأذى، بذل المعروف. وفي هذا الإطار يأتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود الشرعية، كل في وقته وبشروطه.

المعلم الثامن: العلم الشرعي ليس مؤهِلا كافيا في إدارة البلاد: فلا بد من توسيد الأمر إلى أهله كما أرشد النبي ﷺ، وهذا هو المنهج القرآني، قال الله جل وعلا حكاية لوصف إحدى الفتاتين لأهلية موسى عليه السلام للوظيفة "إن خير من استأجرت القوي الأمين".

وأهل العلم الشرعي في هذا الزمان يختلفون عن أهل العلم في عصور الإسلام الزاهرة من حيث عدم تلقيهم لعدد من العلوم في المجالات الأخرى الضرورية لإدارة البلاد، والدهاء، والمهارة الفطرية قد توجد في بعض الأفراد، لكنها غير موجودة في الكل، فضلا عن قدرتها على إدارة مختلف قطاعات الدولة.

وقد وصف يوسف عليه السلام أهليته لتولي إدارة خزينة الدولة بقوله "إني حفيظ عليم" وقال الله جل وعلا "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا"

فحبذا لو قامت طالبان بتعيين لجنة من الخبراء في كل مجال من المجالات السابقة، وليكن لدى قادتها كبير من الانتصار على حظوظ النفس -وهذا الظن بهم- وتسليم تلك الإدارات لمن هو أهل لها ولو كان من خارج الحركة، بل لو كان من غير الإسلاميين، إذا توفرت فيه الشروط السابقة.

المعلم التاسع: النجاح الإداري، ولا توجد دولة متقدمة إلا وهي متقدمة إداريا، بل إن الفشل الإداري كان من أهم أسباب فشل النموذج السوداني، وقد أدى إلى فشل اقتصادي، وضعف إعلامي، مع نجاحهم إلى حد كبير في الإمساك بزمام الأمن الداخلي. والتأهيل الإداري من أهم أركان الحفظ، والقوة.

المعلم العاشر: الشورى، وهي أمر رباني لخير البرية وقائد الأمة "فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر" وسمى الله سورة بأكملها بها (سورة الشورى). وهي منهج إسلامي للحكم، قال المفسر ابن عطية "‏الشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزلُه واجبٌ، هذا مما لا خلاف فيه‏".

وقرار المؤمنين شورى بينهم، كما قال الله جلا وعلا "وأمرهم شورى بينهم" وهي بركة، وخير. وعائشة رضي الله عنها تقول "ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم" وقال الحسن البصري "قد علم الله تعالى أن ما به إلى مشاورتهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده من أمته".

المعلم الـ 11: الحذر من إهمال الإعلام، فقد أصبح قوة موازية للقوة العسكرية، ومن العجيب أن الإسلام لفت نظرنا إلى هذه القوة التي كان غيابها سببا رئيسيا لتعثر عدد من مشاريع الإسلاميين الذين وصلوا إلى السلطة، ووسائل الإعلام متجددة بشكل سريع، وأهمها الآن: وسائل الاتصال الاجتماعي.

والمدهش أن الإسلام لفت نظرنا إلى دور الإعلام في بناء المجتمعات والحفاظ عليها، فالقرآن رسالة إعلامية، فنغمات قراءته تقرب القلوب وتملك العواطف وهي أكبر محرك للإنسان، والنبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، واستعمل حسان بن ثابت وغيره من الشعراء، وهي أهم وسائل إعلام ذلك الزمان.

المعلم الـ 12: العادة محكمة، والمعروف عرفا كالمشروط شرطا، وقد انتظمت الدول الآن في منظومة دولية، وقوانين، وأعراف، وعلاقات، فيها ظلم وعدل، والمسلمون مأمورون بمدافعة الظلم وتحقيق العدل بقدر الاستطاعة، والإسلام دين جهاد بشروطه، ودين سلام بشروطه.

والاجتهاد الفقهي مطلوب للتعامل مع المتغيرات الدولية الخارجية والداخلية، فكثير من أحكام الجهاد، والسياسة الشرعية، كتبت في وقت كانت الخلافة الإسلامية التي تمثل وحدة الأمة قائمة، أما الآن فقد تغير الواقع بالكلية، والجمود على مذهب فقهي واحد حرمان من سعة الإسلام ومرونته.

المعلم الـ 13: من أصول الهندسة الاجتماعية: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع، وقد قال الله جل وعلا "فاتقوا الله ما استطعتم". وقد شرعت التوبة والاستغفار مراعاة لطبيعة البشر وقصورهم، وهم متفاوتون من حيث القدرات الجسمية والعقلية والنفسية، ومتفاوتون في الإيمان والعمل الصالح.

قال تعالى "فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِالْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ" فمراعاة اختلافهم مطلب شرعي، وعليه فلا بد للدولة من مراعاة ذلك وتوفير احتياجات الجميع، فمنها الرياضة والترفيه، وقد يتطلب ذلك التغاضي عن بعض (الأشياء) تحقيقا للمصالح العليا.

المعلم الـ 14: التوكل على الله قبل وبعد الأخذ بهذه الأسباب، قال جل في علاه "إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ".

وختاما، فإن الواجب على الأمة الدعاء لهم بالتوفيق والسداد، ومدهم بجميع أنواع العون، المادية والمعنوية، والعلمية، والعملية. ففي فلاحهم فلاح للأمة، بل للبشرية جمعاء، فهي بحاجة لمن يأخذ بيدها لنور الإيمان ورحمة الإسلام.

وصدق الله العظيم إذ يقول "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" وقال وهو أصدق القائلين "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة