لا يحتاج الرب إلى أوصياء..

ابن الفارض.. سلطان العاشقين وشاعر الحب الإلهي
لا يحتاج الرب إلى أوصياء على دينه وشريعته، كما يزعم أدعياء الباطل وصفوة الملبّسين على الحقيقة، فلا شيء يدعو لأن يحاكم الإنسان أخاه الإنسان سوى انشغاله وتنافسه فيما لا يرجى منه نفع مستدام (الجزيرة)

 

لطالما كان تاريخ البشر مشبعا بالخطيئة والطغيان، بالدم والنار، بالقتل والسجن، بالتنكيل والتعذيب، في سبيل تحقيق "وعد الربّ" والخلاص الذي باركه كهنة المعابد وأئمة المنابر، وعد تحققت بموجبه إبادة جماعية لأجيال متتالية من البشر عبر العالم، ليخلص ذلك الميثاق الأبدي والنّقاء العرقي إلى حربين عالميتين أهلك فيها الملايين من الأبرياء، وليصحو البشر على جرم اقترفوها في حق إنسانيتهم المكلومة بالشّر والحقد الخديعة.

الاصطفاء الذاتي

تغيرت الأماكن والصوامع والمسارح لتغدو اليوم غرف تحقيق تحمل الناس على كراسي مرصوصة، تتناقل أحداثها قنوات عدة سبقا للأخبار وتحريا للقرارات النهائية، في هذا العالم الذي تشابكت خيوط المعلومات فيه وأصبحت أداة بيد الجميع، يمكن للفرد أن يحاكم من يشاء، وأن يطلق حكمه النهائي بوصفه "خادما للإله" الجديد المتجلي في "ذاته"، حيث لا يمتلك الحقيقة إلا من أوتي القدرة على الصراخ وجمع الكثير من الناس يدرّسهم الخنوع والانصياع كالعبيد، بل يزعم كونه "القاضي العادل" الذي من واجبه أن يحقق الخلاص الأبدي لأولئك الذين لم ينقادوا له وارتموا بخطاياهم على قارعة النّجاة، كيما لا يتلقفهم خوفهم من الحرية فيذودون عنها بالفرار تزلّفا لذوي المال والسلطة، وحالما يدركون أن لا منفذ من الحقيقة سوى أن يقف الجميع أمامها خاشعين مكبّلين بسلاسل الندم، حينها ينجلي الزيف الذي تغشّاهم ليالا وأياما طوال.

لا يحتاج الرب إلى أوصياء على دينه وشريعته، كما يزعم أدعياء الباطل وصفوة الملبّسين على الحقيقة، فلا شيء يدعو لأن يحاكم الإنسان أخاه الإنسان سوى انشغاله وتنافسه فيما لا يرجى منه نفع مستدام، وقد استحوذ حب التملّك والتأله على أناسي كثيرة وسلبهم الرضى وقبول طبيعتهم، فأيّ شيء هذا الذي ينصاع له البشر وهم واهمون بقدرته على أن ينجيهم مما يرتكبه الزمان في حقهم من قهر وهوان؟ أولا ينظرون إلى من نحث الجبال عمرانا، ولامس السّماء أهراما، ودنت له ممالك الأرض شرقا وغربا، أنّى لهم أن يدفعوا خطاياهم والموت لهم على جبين الحياة قدرا قد استباح صنائعهم وحضارتهم وأبلاها بالجوع والخوف؟ لعمري ما أورث الزمان خلقا أشد جرما في حكمه مثل الإنسان وهو يقتات من خطايا أخيه يسقي بها تاريخا ممزوجا بالخديعة والقتل، بل إنه ينشئ المحاكم خوفا من أن تدركه الحقيقة وهو على أعتابها خانع، لا شيء ينفع أمام سطوة الحقيقة حينما تتقاذفها الأفئدة طلبا للصفح، سوى أن يعترف الإنسان بخطاياه وهو مدرك أنّه إلى الفناء مساق.

ومع أن الإنسان يولد حرا على صفيح يتباكى مرارة الحياة وقسوة تجاربه غير معصوم عن الخطيئة، متأمّلا حياة عظيمة أبدية لطموحاته اللامتناهية، إلا أنّه يؤثر الانصياع لهواجسه ورغباته الذاتية، ليخلق مزاعم بحقوق يتفرد بها عن فصيلته التي تؤويه متميزا بذلك عن سائر أجناس الحياة، الإنسان حيوان بطبعه في الكسب والمعاش والمعاشرة، وهو روح الله في اصطفائها للبشر بالعقل والحكمة والصنعة، وهذان الضدان إنّما يتنافسان على جسد يتآكله الزمان بالمحن والفتن، فإمّا أن يرتقي نحو ملكوت الخلاص بالانعتاق عما يشوّه صفوة رُقيه الرّوحي، وإما يهوي نحو الشهوة وملذات اقترن وصفها بالسعادة وما هي منها بقريب، هي حرب تنطوي على عدوين جمعهما المصير الواحد وفرقتهما الرّغبة الجامحة في التحكم والتسلط، فلا الجسد أعقله المرض بالسنين ونقص في الأموال، ولا الروح تسامت في عليين طلبا للصفح والخلاص، ليصير كل منهما محمّلا بخطاياه يتجرع مرارة اللحظة التي وهبت له كيما يصطلح الفرقاء على كلمة سواء.

ومع أن الاصطفاء منحة ألقاها الإله على بني آدم معلّما إيّاهم دروب الحياة الوعرة، وأسماء الأشياء ولغاتها المتنوعة، ليتحقق مراده الذي شاء أن يُخرج من جنان الأبدية بشرا اجتباهم لعالم التكليف والحقيقة، وكان الإنسان "هبة اللّه" وكلمته تتجاذبه مخاوف التنبؤ بمستقبل يقهره الموت وحرصه على حياة سرمدية، كأنه بين دارين لا يملك مفاتيح النجاة بهما سوى أن يرضى بما قسمته الحياة أو أن يسعى جاهدا لتحقيق مراده في الكسب والتملك، ولعل الاصطفاء الذي امتحن له البشر لم يكن على قدر التنافس فيما هم مكلفون به، بقدر ما يتجاوزون به عالما تؤوده الصنائع البشرية وتتهافت عليه هويات متصارعة، وحيثما اقترن الإنسان ورغبته بالتخلي عن الأشياء، أجزأه الزمان التحلي بالحكمة والرفعة ليورثه الأرض ومدائنها.

افتراض الحقيقة.. غُرباء الجسد الواحد

ثمة حقائق كثيرة يجهلها البشر عن ذواتهم وعوالمهم المحيطة بهم، لكنّهم يحصرونها فيما يعتقدون أنّها الحقيقة المطلقة، وهي لا تعدو كونها تخيّلا لفكرة أو حدث من زاوية معينة جهلت أسبابها والدوافع المحركة لها، ولعل الحقائق المطلقة التي يتشبث الإنسان بها كالحياة والموت لا يتجاوز مفهومه لها تصوراته للأبدية، ومع أن إدراكه للموت حقيقة نافذة لا لبس فيها، إلا أنّ حبه للحياة وتعلّقه بالأشياء يذهب عنه اليقين بمصيره النهائي، فأي الحقيقتين أولى بالإنسان أن يتدبرها وأن يطلبها دون تحيز؟ والغريب أن يفترض البشر لعالمهم حقائق كثيرة لا تكاد تخرج عن كونها حياة جاثية على "أسطورة الإنسان" وشغفه بالتملك.

بين الحياة والموت يتقلب إيمان البشر ورغبتهم في الانقياد إلى ما يعتقدونه عين الحقيقة المطلقة، أو ينساقون نحو أفكار تحررهم من التزامات اجتماعية وتاريخية تحد من تفكيرهم وإبداعاتهم، باستطاعة الإنسان أن يخلق الأفكار لذاته المتقلبة بين الآهات والملذات، ولعالم تشابكت ملامح حضارته بتشوّهات الاستغلال وصنائعها المستلبة للحق الإنساني، كما أنّه أضفى للوجود معنى قيّما للحياة كونها متعلّقة بالعمل والإبداع لا انتظار الفناء، فالإيمان بالحياة والموت منح العالم البشري سببية لكل شيء هو قائم به، ومع جهله للحياة التي يأملها بعد موته، فإنّه يؤمن بأن "الكلمة" حياة، وبها نشأت الخليقة وكُتب على المسيح أن يُرفع إلى عليين، ومنها آيات عظام خطتها البشرية عبر تاريخها وهي تخيط لعالمها هويات وثقافات متعددة، ومن أجل أن تكون الحياة كلمة أبدية كان لابد من معرفة حقيقة الإنسان لذاته ومحيطه، بدل الاهتمام بافتراضات تخرجه عن طور العقل والطبيعة، فالتأمل يمنح الحياة قدرا من الطمأنينة والرضى، ولا يُلزم الإنسان باحتكار الحقيقة ولا التلبيس عليها، كما أنّ تأويلاته تتيح للذات البشرية فهما مختلفا لم تحمله "صورة الله" في خلقه من إتقان واتزان، ومهما بدت الحياة طريقا نحو الموت فإن الإيمان بالإنسان كـ"كلمة حق" تبعث الأمل في عالم مسيطر عليه بنزعة فردية وصراعات بائسة، لا يمكن لمن يؤمن بحرية الإنسان إلا أن يدفع عنه إغراءات التأله والتسيّد.

وإذا كانت الحقيقة مصدرا للسّلطة والقوة لدى البشر في تعاطيهم مع الحياة، فإنّ الكلمة علامة مميزة لتلك الحقائق المتنافس عليها لاستلاب معانيها ومضامينها، فيكفي الحصول على كلمة تحصر وصف الأشياء وفق مراد معين، ليظهر الافتقار البشري وحاجته للتعايش والتوافق اللذين يسمحان له بدحض أساطيره وتاريخه، ولعل الإيمان بـ"الحق في الكلمة" كان بداية كل نزعة فردية غرضها سلب الآخر الحق في تمثيل ذاته، وحينما يتحقق ذلك تتكشف الممارسة الفعلية للطبيعة البشرية في تكوين الشرور والفظائع، لتحجب عنها صورة الله، وصورة الطبيعة المتنوعة، وصورة الإنسان التاريخي، حينها تبنى الجدر العازلة وتصطنع الثقافات المتصارعة وتتهافت الهويات القاتلة، ويصبح الإنسان إلها بهواه وطغيانه.

من أجل الكلمة أبيدت أمم وحشرت أخرى على هوامش التاريخ يكتب سيرتها الأقوياء والأتقياء، ومن أجل الحقيقة سيّجت المعابد والصوامع بصوت القائم بأعمال الإله والعارف بأحوال العابد، ومن أجل "كلمة الحق" غزا الخوف قصورا شيّدت على جماجم الفقراء وكراسي استدام ظلمها للبشر، ومن أجل الإنسان بنيت المصانع وتعاقبت الحضارات تباعا يسطو بعضها على بعض، فأين كلمة الحق من "الإنسان" وقد تعاظمت جرائمه وخطاياه؟ وأين الإنسان من حقيقة تعزز تنوعه واختلافه وهو لا يبالي بها إلا إذا أوقدت الفتن وأشعلت على قبيح ما أنتجه فهم البشر للإله؟

إنّه جسد واحد لروح واحدة، يتبادل الإنسان أدوارا حياتية تلونت بالحب والبؤس، بالانعتاق والخوف، بالسّلام والحرب، لكنّه يغدو عند باب الحقيقة ظلالا كثيرة تتنافر فيما بينها وتتقاتل للاستحواذ على جسد أبلته الحضارات المتهاوية والثقافات المتصدعة والهويات المتشظية، كيف للإنسان آية الطبيعة وصورة الله في العالم أن ينسج الأساطير على أنّها حقائق تاريخية وجب الإيمان بها؟ وهو بعد لم يستوف شرط الحياة، هو بحاجة لأن يعترف بأنّ معاركه كانت داخل جسد واحد، مع ذاته التي افترضت حقائق مطلقة تمثلت في لغاته وثقافاته وهوياته، وبدل أن يتسع جسد الإنسانية للتنوع والاختلاف، كانت عناوين وأسماء حضاراته تكتب بالدم والنار، بالنهب والتهجير، بالاستلاب والاستعباد، لتتبدد مقاصد حياة البشر في اصطفائهم، بالعبث قديسا تتضافر الجهود لتعظيمه.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة