من فقه الوحي القرآني.. التدبر لمجابهة التضليل

مدونات - الفقه
يرسخ القرآن الكريم فكرة وجود الضلال والتضليل والمضلين كل زمن وأن بغية التحذير منهم وتنبيه البشر لضرورة اتقائهم (رويترز)

إن العقل نبراس الحكمة ومناط التكليف وآلة الفكر والنظر. والوحي حث هذا العقل على العمل والتماس سبل العلم والرشاد، ورغبه في التفكير، ونبهه إلى آليات توليد المعرفة وطرائق البحث والاستنتاج. كما شجعه على النقد والاستفادة من مواهب هذه النعمة الجليلة التي تدعى "العقل".

وفي هذا السياق قرأت مرة كلاما سكن فكري وجعلني أمعن النظر وأعيد شريط البصيرة كرتين، مفاده أن الملكة النقدية بنت العقل والحرية، وبالتالي هي بنت الإسلام الذي يريد منك أن تكون خالص الايمان، خالص القلب، خالص العقل، خالص التصور، خالص الشعور.

وبعد إمعان ألفيت أن هناك مقاربة رائعة بين هذه المقولة الفذة وبين قوله تعالى "وما كنت متخذ المضلين عضدا" سورة الكهف-51.

يرسخ القرآن الكريم فكرة وجود الضلال والتضليل والمضلين في كل زمن وأوان، وهذا بغية التحذير منهم وتنبيه البشر إلى ضرورة اتقائهم. وهل يتأتى ذلك إلا بالعقل الراشد والقلب الذي بقوة وصاله بخالقه صيرته على مستوى رفيع من الفراسة والنباهة.

الحق سبحانه أخبرنا ونبهنا بعلمه الأزلي أنه سوف يكون هناك مضلون على وجه البسيطة، ووجودهم عين الدليل على وجود الله الذي تنبأ بهم، فالتحقق الوجودي آية التصديق.

لكنه في الوقت ذاته طمأن عقولنا وذواتنا بنفيه لأي احتمال لنصرتهم أو تمكينهم من الفلاح، وأكد لنا قدرته على صد تضليلهم لخلقه ورد كيدهم ومنعهم من منافذ معاضدة هذا الدين بزيفهم ودجلهم.

يبث فينا السكينة ويبشرنا بأنه لا فلاح لإخوان الشيطان الذين يقتاتون على مبدأ "الغواية والتضليل" مهما حاولوا وظهر منهم ما يوحي بالملائكية والخيرية. ومرد هذا الصد والمنع وإحباط محاولاتهم الزائفة أن الخالق عز شأنه تولى وتكفل بالحماية الشاملة والحفظ المطلق لهذا الدين العالمي الخالد، والذي مبناه على العقل والعاطفة معا، الفكر والتسليم، الثبات والصلاحية لكل عصر ومصر.

وبمعنى آخر، إن الله سبحانه وتعالى قد تبرأ من المضلين، ورفع يد العون عن أولئك الذين يضللون فكرنا.. أحلامنا.. طريقنا.

لا يساعدهم مهما تبدى لنا أنهم ظفروا بالتمكين والغلبة، ولاحت لنا بوادر وصور وتجارب تحاول إقناعنا بانتصاراتهم. في الواقع، وحقيقة الأمر ما هي إلا صولات آنية عمرها قصير، فتنة تمتحن مدى إيماننا بالله وتصديقنا لكلامه، تمحيص واستدراج إلهي لا يخرج عن دائرة الامتحان، فنحن في النهاية في دار الابتلاء والاختبار وما هذا إلا ضرب من ضروبه.

يكمن سر فشل المضلين في أن التضليل في حقيقة ماهيته ووصفه عملية دنيئة ومهنة رذيلة لا يتخذها إلا مرتزق جاهل ضعيف أو حاقد ماكر.

لكن ينبغي علينا أن ننتبه لأمر مهم وهو كون الرضا والخضوع وتسليم العقل للعابثين، وعدم التأهب والتصدي لمسالك الغواية هو الأشنع والأشد خطرا والأنكى ضررا.

على صعيد آخر، ثمة ما يقابل هذا المفهوم الذي اشتملت عليه الآية السابقة، وهو ما يتجلى في دعوته سبحانه اللطيفة والصريحة للتدبر والغوص في أعماق الوحي المرئي والمحسوس وآياته الكونية المصورة في شخوصنا وذواتنا والعوالم من حولنا.

فبعدما طرح لنا المشكلة ونبهنا لخطورتها قدم لنا الحل، فالتصدي للاستغفال وآليات التضليل لا يتأتى من غير زاد علمي ومعرفي، نظر وفكر، جرعة إيمان، كبسولة وعي قوية ذات تركيز مرتفع وبجودة عالية.

في الختام يطيب لي أن أذكر قول الله تعالى "وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون" سورة الذاريات- 20/21.

وكذلك قوله عز من قائل "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم" سورة فصلت- 53.

نلاحظ في الآيتين أن النفس جاءت معطوفة على آيات الأرض وآيات الآفاق، لتفيد التسوية والمعادلة في الآيات من الجانبين، وكأنه يريد القول إن آيات النفس تعادل في دقتها وعظمتها آيات الآفاق في كثرتها وتنوعها كما تعادل آيات الأرض في نفعها وضررها.

وأخيرا، إن النفس البشرية عوالم مظلمة لا تكتشف ولا تستثار كوامنها إلا بعطاء الوحي، فيكشف خفاياها ويعلم عللها ويعرفها بدوائها.

لذلك هي بحاجة للوحي مستمدة عونها من الله تعالى بيقين الاعتقاد ونبل المقصد.

  • مقال مستمد جزء من مادته من كتاب: الوحي والإنسان- قراءة معرفية لمحمد السيد الجليند.


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة