صراع الشاي والقهوة في الجزائر..

الشاي أم القهوة. كلاهما جزء لا يتجزأ من ثقافة الاستهلاك، ولكن كلاهما قَدِما إلى المجتمع الجزائري بطريقة مختلفة، ويلعبان أدوارا مختلفة فيه أيضا. (غيتي إيميجز)

تروي الحكاية أنه ذات صباح في قديم الزمان والمكان، دخل الشاي والقهوة معا إلى قاعة المحكمة. دخلا يسألان القاضي الحكم بينهما: يا حاكم ما مصيرنا، احسم بيننا بالعدل، من هو الأحسن منا، والأفضل نكهة وطيبة ومتعة وفائدة. بعد السؤال، بدأ كل منهما بترديد الثناء بشأن ميزاته الخاصة وإبراز خصائصه، ليحكم القاضي أيهما أفضل، الشاي أم القهوة. هذه القصة في الموروث الشعبي هي واحدة من أشهر الأغاني الشعبية الجزائرية، وهي أغنية "القهوة ولاتاي" التي غناها المطرب الشعبي الشهير "الحاج مريزق".

النقاش الذي دار بين الشاي والقهوة هنا هو نقاش يردده المجتمع الجزائري في مقاهيه ومنازله، ويتكرر في أذهان الناس حين يختارون أي مشروب يفضلونه: الشاي أم القهوة؟ كلاهما جزء لا يتجزأ من ثقافة الاستهلاك، ولكن كلاهما قَدِما إلى المجتمع الجزائري بطريقة مختلفة، ويلعبان أدوارا مختلفة فيه أيضا.

أقدم كتاب يتحدث عن وجود القهوة في الجزائر هو كتاب "تاريخ الساحل البربري وقراصنته" للأب الفرنسي بيير دان في القرن الـ17. يذكر الكتاب أن سكان الجزائر كانوا بالفعل يشربون القهوة في القرن الـ16، مع الوجود العثماني في المدينة في ذلك الوقت.

في البداية، لم تكن هناك أماكن مخصصة لشرب القهوة، ولكن لاحقًا، بدأت المقاهي في الظهور ببناء أندلسي مرصع بالفسيفساء (الزليج المزخرف) والأقواس. أطلق المؤرخون الأوروبيون على هذه المقاهي اسم "المقاهي الموريسكية"، أي المقاهي العربية. وجدت هذه المقاهي فقط في المدن الساحلية الرئيسية التي كان لها حكم إداري مركزي في ذلك الوقت.

أما بالنسبة للمناطق الريفية والجنوبية، فقد جاءت القهوة لاحقًا من خلال تأثير الاستعمار الفرنسي. ولكن قبل ذلك، دخل الشاي إلى الجزائر من الحدود الغربية. جاء الشاي أولاً إلى المغرب من خلال السفن التجارية البريطانية، وكان متوفرا في البداية فقط للعائلات الثرية وذات الامتيازات الاجتماعية، ومع ازدياد شعبية الشاي بين عامة الشعب في المغرب، شق هذا المشروب طريقه إلى الجزائر.

وجد الشاي قاعدته في جنوب الجزائر، بينما وجدت القهوة ركيزتها في المدن الساحلية الجزائرية، لذا فإن الانقسام بين الشمال والجنوب فيما يتعلق بالقهوة والشاي له بعد تاريخي، ويمكن ملاحظة هذه الازدواجية حين زيارة الشمال الجزائري ومقارنته بالجنوب، حيث يكثر شرب الشاي في المناطق الجنوبية، بينما تهيمن القهوة على ذائقة أهل الشمال الذين يفضلونها في المقام الأول على الشاي. ولكن هذا لا يعني أن سكان الساحل الجزائري لا يشربون الشاي، أو أن أهل الجنوب لا يشربون القهوة. ولكن الاختيار يكمن في غلبة هذا المشروب عن الآخر في الجهة والولايات التي تفضله.

مع زحف الاستعمار الفرنسي نحو الجنوب، وزيادة التواصل بين الساحل الجزائري، والمناطق الأخرى للبلاد، تعمّق النقاش بين الشاي والقهوة في الثقافة الجزائرية. فلم تبق تلك المشروبات محصورة في مناطقها فقط.

وعلى الرغم من كون قهوة "الإسبرسو" هي الطريقة السائدة لتحضير القهوة في الجزائر عامة، فإن طرقا تقليدية كثيرة ابتكرت لتحضير القهوة. حيث تشتهر منطقة "أفلو" مثلا (تقع في الهضاب الصحراوية الشمالية للجزائر) بقهوتها الخاصة المخلوطة بالزنجبيل ونبات الشيح وأعشاب أخرى.

مرت قرون منذ وصول نبتة الشاي إلى الجزائر، وخلال تلك الفترة تطوّر تقليد خاص لتحضير واحتساء الشاي. في الجنوب، يوكل تحضيره للرجال على وجه الخصوص، بل يصبح واجبا على كل رب أسرة، وقد يستغرق تحضير الشاي على الجمر الهادئ حوالي ساعة أو أكثر. وتمتد معه جلسة الشاي أكثر من ذلك.

ويعتبر شرب كوبين من الشاي في أماكن معينة الحد الأدنى من الكمية التي يجب احتساؤها، أما في أماكن أخرى، وخاصة في بلاد الطوارق، فيكون الحد الأدنى هو 3 أكواب من الشاي المركّز، مع الانتباه إلى كمية السكر فيه تدريجيا من الكوب الأول إلى الأخير، بحيث لا يطغى طعم السكر على نكهة الشاي، ولا تتعدى حلاوة المذاق ما هو مسموح به، لأجل شاي معتق، تُضاف إليه وريقات نعناع طازجة لمن أراد، تُعطي للذوق طعما خاصا يرتقي بصاحبه إلى حد التباهي بمشروبه المفضل.

تُعد القهوة مشروب الصباح لأغلب الجزائريين. يفضل البعض بدء يومهم شرب القهوة في دفء منازلهم، بينما يُفضل البعض الآخر تناول قهوة الصباح في مقاهي الحي، والجلوس على الكراسي الموضوعة على الرصيف أثناء الاستمتاع بنسيم الصباح وحركة الشارع.

هذه المقاهي مشغولة طوال اليوم، يأتي إليها الناس، ليس لشرب القهوة فقط، بل لما تتسم به من أجواء متكاملة. عادة ما يقضي كبار السن أيام تقاعدهم مع أصدقائهم في تلك المقاهي، يناقشون قضايا المجتمع والسياسة أثناء لعبهم "الدومينو". كما يقضي شبان عاطلون عن العمل جل أوقاتهم في تلك المقاهي، يتحسرون على حالهم ومستقبلهم مع كل رشفة قهوة، أو رشفة سيجارة، أو يتباهى آخرون بما حققوه من إنجازات أو ثروات أو يتبادلون أخبار الكرة وجديد رياضييهم المفضلين.

يتجلى مشهد المقهى هذا في المدن أكثر منه في المناطق الريفية، وفي الشمال أكثر من الجنوب، حيث يختلف التكوين الاجتماعي لكل مكان. فالمناطق الريفية والأجزاء الجنوبية من الجزائر أكثر تقليدية ومحافظة، وبالتالي فإن اللقاءات الاجتماعية تحدث داخل البيوت أكثر من خارجها.

في الجزائر عموما ينظر إلى القهوة كمشروب نهاري، يبدأ العامل يومه به، ويواصل استهلاكه خلال ساعات النهار، في حين يُنظر إلى الشاي على أنه مشروب للاسترخاء، حميمي، يُتناول في المساء على وجه الخصوص، أو في ليالي رمضان بعد صلاة التراويح.

الثقافة ليست ثنائية التفرع أبدًا، بل هي عبارة عن شبكة جميلة من التاريخ والتقاليد مترابطة معًا لخلق نسيج نابض بالحياة. هكذا هي ثقافة الشاي والقهوة في الجزائر. صحيح أن منطقة ما قد تشرب مشروبًا معينا أكثر من منطقة أخرى، لكن هذا وحده لا يخبرنا بالقصة كاملة. تعتمد حكاية المشروب، الشاي أو القهوة، على المكان والزمان والأسرة والأفراد أنفسهم، كل من هذه الأمور تمثل القاضي الذي يحكم بين الشاي والقهوة في أغنية الشعبي الجزائري "القهوة ولاتاي".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة