قيس سعيد.. والسقوط في نفق الأيديولوجيا

لأن زعيم تونس الشعبوي الجديد يفتقد القوة السياسية الحقيقية المنظمة، فمن المرجح أن يصبح أسيرا -لا قائدا- لها بمرور الوقت. (الجزيرة)
  • وفاة نجم فرنسا لكرة القدم بيار أدامز بعد 40 عاما في الغيبوبة
  • هبوط تاريخي للعملات الرقمية خاصة البتكوين، "وما أدراك ما البتكوين"، بطريقة تهدد وجودها
  • سقوط العاصمة كابل وسيطرة طالبان على أفغانستان بعد 20 عاما من الحرب مع أميركا
  • حرائق ضخمة التهمت الكثير من غابات العالم وقضت على آلاف الهكتارات
  • هروب 6 فلسطينيين من سجن جلبوع الإسرائيلي عن طريق نفق قضوا سنوات في حفره بملعقة أكل صغيرة ومقص أظافر
  • بعد الرقص والغناء والكلام وغسل الأواني وتربية الأطفال.. شركة يابانية تنجح في تصنيع روبوت يضحك ويبكي ويقترب من الإنسان في مشاعره
  • حركة طالبان التي قضت حياتها في الجبال وتعرف الحرب أكثر من السلم والحكم.. تنجح في تشكيل "حكومة" انتقالية تدير المرحلة

أحداث كثيرة متسارعة طبعت يومياتنا في الصيف الفارط وبداية هذا الخريف، بينما الرئيس التونسي قيس سعيد منذ أعلن إجراءاته الاستثنائية في يوليو/تموز الفارط، ما زال يتردد ويتلعثم ويتلكأ ويحارب طواحين الهواء، مرددا على مسامعنا صباحا ومساء شعارات أيديولوجية من ستينيات وسبعينيات القرن الماضي لا تسمن ولا تغني من جوع الشعب، وما زال قابعا في نفق التاريخ الخادع الغامض متقمصا دور المخلص الأوحد ومحارب الساموراي الياباني، "مشروع الشهادة" المستعد للتضحية بحياته من أجل القبيلة والشعب. وما زال مستحضرا دور الفارس الرمز النبيل مثل دون كيشوت بطل ثربانتس المعروف.

ولكن الرئيس قيس سعيد للأسف الشديد -مخدوعا بسكر "القطيع" وصيحاتهم "عاش الملك.. يحيا الملك"، ومدفوعا بنظرية المؤامرة الخادعة- نسي أن عصر الفروسية قد ولى وانقضى منذ القرن السابع عشر، ونسي دروس وعبر التاريخ الحديث للشعوب والأمم المتقدمة التي ابتعدت وهجرت الشعارات الأيديولوجية ونظرية المؤامرة، واتكأت على الواقعية واستثمرت في الإنسان والوقت والعمل، لأنها أدركت سريعا أن كل يوم وكل أسبوع وكل شهر بل كل ساعة وكل دقيقة وكل ثانية في تاريخ الشعوب العاملة الطامحة لمعانقة التقدم والرقي في غاية الأهمية ولا يجب إضاعتها في ترديد الشعارات البالية الخادعة للأذن، "والأذن تعشق قبل العين أحيانا" كما يقول بشار بن برد، مثلما يفعل الرئيس التونسي الذي تقمص دور نرسيس الذي صار مفتونا بصورته في مياه الغدير، إذ صار هو أيضا مفتونا بصورته الجميلة التي لا تشوبها عيوب -وكلنا عيوب- عند عشاقه ومريديه، وعند وسائل الإعلام "المخادعة" و"الصحافة الصفراء" التي اشتاقت سريعا لثقافة "التطبيل" والتصفيق وصورة الزعيم الأوحد، مع أن هذا الزعيم نفسه لا يلتفت لها ولا يؤمن بوجودها ولا يخاطبها إلا باستعلاء وسخرية.

وفي خضم مسرحية تقمص الأدوار هذه وترديد الشعارات، تواصل التدحرج السريع للأرقام والهبوط الاقتصادي، ولم يستثمر الرئيس قيس سعيد في الوقت ولا في الإنسان الواعي، ولم ينجح -على مدى شهر ونصف- في تعيين رئيس حكومة تنتشل البلاد من الشلل الاقتصادي الذي ينخرها وتعمل بأقصى سرعتها من أجل الخروج من عنق الزجاجة ومن نفق "التاريخ الأيديولوجي" المظلم الذي كرسه الساسة منذ الاستقلال وحتى اليوم، سائرين في سباتهم الحضاري التليد، غير عابئين بصرخات كاتب كبير مثل إبراهيم الكوني الذي ينبههم وينبهنا من مغبة تسييس الوجود والأديان لأن "عبادة الأيديولوجيات هي عبادة إبليس، وهي تحتكر الحقيقة لأنها تريد أن تحتكر السلطة. لذلك، عندما تناقش مؤدلجا لا تصل إلى نتيجة لأنه وضع الأحكام مسبقا، وتبقى الحقيقة لديه ضحية"، كما يقول الكوني.

ومع ذلك، فإن هذا التاريخ نفسه -لمن يقرأه بحصافة- يردد على مسامعنا ليلا ونهارا حكما ودروسا وقصصا وعبر كثيرة، ولكن أقصرها وأجملها الحكمة التي تقول "الأيادي المرتعشة لا تصنع التاريخ". ونستطيع أن نضيف قياسا على ذلك "الأيديولوجيا السياسية تقتل الشعوب".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة