أردوغان يتوجّه شرقاً.. للبحث عن "تركيا الكبرى"

علما تركيا واليونان (شترستوك)

شهد بحر إيجه صيف العام الماضي توتراً خطيراً مع إرسال أنقرة سفينةَ مسحٍ إلى الجرف القاري المتنازع عليه مع اليونان. في حينه أعلنت شخصيات عسكرية تركية أنّ أنقرة قادرة على إغلاق مضيق الدردنيل والبوسفور أمام السفن اليونانية وكذلك القبرصية اليونانية.

وتزامناً أمر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتحويل كاتدرائية إسطنبول الأرثوذكسية اليونانية "أيا صوفيا" إلى مسجد.

هذه التطورات كلها عزّزت التوتر التركي اليوناني، وعمقت المواجهة بين أنقرة وبين الدول الأوروبية، ثم ازداد الأمر تعقيداً مع دعوة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار اليونان بالتزام الصمت "حتى لا تصبح مزة (وجبة خفيفة) لمصالح الآخرين".

وفوق هذا كله، توّج النائب السابق في "حزب العدالة والتنمية" متين كولونك، هذا التوتّر بنشر خارطة "تركيا الكبرى" على "تويتر" فاعتبر مراقبون أنّ هذه الخارطة ما هي إلاّ ترجمة لطموح تركيا في التوسّع.

كولونك أشاد في حينه بانتصار السلاجقة على الإمبراطورية البيزنطية في مانزيكرت عام 1071، وهو ما سمح للأتراك الآسيويين بدخول الأناضول للمرة الأولى في التاريخ. وقد شملت الخارطة التي نشرها ثلث مساحة سوريا من ناحية الشمال، ومساحة كبيرة من العراق، وكذلك أجزاءً كبيرة من آسيا الوسطى مثل جورجيا وأرمينيا، وبلغاريا، وصولاً إلى دول القوقاز شرقاً، كما تضمّنت غرباً شمال اليونان والجزر الشرقية من بحر إيجه وجزيرة قبرص كاملة.

هذه التطورات والتصعيد الكبير بين خصمين تقليديين مثل تركيا واليونان، اللذين خاضا 4 حروب تقليدية في القرن العشرين، كانت كافية لإخافة المنطقة كاملة، بما فيها الاتحاد الأوروبي وكذلك الولايات المتحدة. فهدد الاتحاد الأوروبي الأتراك بفرض العقوبات، كما أعلنت واشنطن أنّها رفعت جزئيًا حظر توريد الأسلحة المفروض منذ 33 عامًا على قبرص اليونانية، وهي خطوة أدانتها تركيا واعتبرتها موجهة ضدها.

تراجعت تركيا بعد ردود الفعل الغربية هذه، لصالح التهدئة ومنطق الحوار، بعد التهديد بفرض عقوبات على بلد يشهد تدهوراً ملحوظاً في اقتصاده. ونتيجة لذلك شهد صيف العام الحالي سفناً أقل في بحر إيجه، وبالتالي توترات أقل. ليس هذا فحسب، بل استأنفت تركيا واليونان المحادثات حول الثروات في البحر الأبيض المتوسط. وفي يونيو/حزيران الفائت، التقى أردوغان رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في بروكسل، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة وقمة الذكرى السنوية لحلف الناتو، وذلك لكسر الجليد ووضع أجندة إيجابية.

وتولى المحادثات المتحدث باسم أردوغان إبراهيم قالن، وإيليني الصوراني مدير المكتب الدبلوماسي لميتسوتاكيس، وكانت الدوافع ضمان موسم سياحي هادئ خلال فصل الصيف.

وفي 14 يونيو/حزيران أيضاً، أعلن وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس أنّ بلده وتركيا "يستقبلان شهادات التطعيم الصادرة من كل منهما، ما فُسّر على أنّه رفع حظر السفر بعد إغلاق الحدود بينهما لأكثر من سنة.

هذا الهدوء الذي ساد غرب تركيا قابله محاولات من أنقرة لإعادة إحياء مشروع "تركيا الكبرى" ناحية الشرق بآسيا الوسطى ودول القوقاز. وقد تعزز هذا المشروع مع سقوط أفغانستان في قبضة تنظيم "طالبان" وإبداء تركيا استعدادها لملء الفراغ الأميركي هناك.

وعلى الفور استأنفت وسائل الإعلام التركية حديثها عن العلاقات التاريخية مع شبه القارة الهندية وباكستان وأفغانستان التي تمتد إلى نحو ألف سنة، وهو ما يتطابق مع ما قاله نائب "العدالة والتنمية" السابق حول "تركيا الكبرى".

كما أعاد الإعلام التركي التذكير بحكم تركيا للهند لمئات السنين وحتى استعمار بريطانيا، مذكرة بأنّ اللغة الأوردية تحتوي على كلمات من أصول عربية وتركية، وبأن العلاقات مع دول المنطقة هناك عميقة وتوفر روابطها التاريخية والاجتماعية لتركيا "ميزة لا تُقدّر بثمن".

وهذا الترويج لم يكن طارئا أو جديداً، بل إنّ أنقرة تهتم بالحديث عن هذا المصطلح (تركيا الكبرى) منذ مدة وخصوصاً في البلدان التي تعتبرها تقع ضمن "العالم التركي" الذي يضم نسخة عرقية تركية واحدة، ومجتمعاً ثقافياً للشعوب الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى وفي دول ما وراء القوقاز.

ومن أجل تطويره، تكشف مصادر في دول القوقاز الروسي أن تركيا "تستخدم قدراتها الأكاديمية بشكل نشط، وتسخّر المؤسسات العلمية الوطنية وتلك الأجنبية والمنظمات غير الحكومية" مثل المجلس التركي، ومنظمة "تيكا" وهذا ما بدأ يثير حفيظة بعض الدول في المنطقة ومنهم روسيا التي تعتبر أوساطها أنّ "الدعاية التي تبنتها تركيا والبيانات التي تعتمدها من أجل الترويج لهذا المصطلح (العالم التركي) بدأت تثير الريبة في النفوس".

ومن بين هذه المحاولات، الموقع الذي أطلقته أنقرة عام 2018، والذي يمنح المواطنين الأتراك حق الوصول إلى وثائق الأنساب الخاصة بالعهد العثماني، وهي موجودة في أرشيف خاص ضمن المديرية العامة للسكان والجنسية التابعة لوزارة الداخلية التركية.

وكانت السلطات التركية قد أنشأت موقعاً على الإنترنت يقوم بـ "تبويب الأنساب التي تسمح للمستخدمين بتحميل المستندات الخاصة بأصول أسلافهم التي تعود في التاريخ إلى نحو العام 1882". وقد تسبّب فتح هذا الأرشيف بضغط كبير على الموقع الأيام الأولى التي تلت الاعلان عنه، فزاره أكثر من 5 ملايين شخص من أصول تركية حول العالم، من أجل الحصول على معلومات حول جذورهم والبحث في إمكانية الحصول على الجنسية التركية.

وتكشف أوساط رسمية في دول القوقاز الروسي أنّ عدداً من الباحثين الأجانب خلصوا إلى أنّ تحليل الوثائق التاريخية حول الأصل العرقي لسكان تركيا، وصلة القرابة العرقية بين الشعوب الناطقة باللغة التركية في دول ما بعد الاتحاد السوفياتي وبين الأتراك المعاصرين، هي "غير متسقة بسبب تشابهها الجيني والإثنوغرافي مع أحفاد القبارصة اليونانيين من آسيا الصغرى والأرمن واليهود" وذلك مقارنة مع الشعوب الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى، وذلك من أجل نفي ما تعتبره هذه الأوساط "ادعاءات تركية لا صحة لها".

وترى هذه الأوساط أن أنقرة قد "فرضت هذه الوثائق عمداً" كما كشفت أنّ "وسائل إعلام عدة في آسيا الوسطى أظهرت هذه الحقائق، وخصوصاً منشورات الصحافي الكازاخي تازوتوف أخاس".

ووفقًا للباحثين الأجانب، فإنّ جيلاً في تركيا يترعرع على فرضية تفيد بأنّ أصل أسلافه في آسيا الوسطى، وهناك طلب متزايد في هذه المجتمعات من أجل مراجعة فكرة الهوية التركية وتشكّل الدولة، وهذا في نظر أوساط دول القوقاز الروسي قد يساهم في "تشويه سمعة أنقرة" بسبب ما يعتبره "سياسة التتريك تنتهجها القيادة التركية منذ العهد العثماني".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة